في 18 فبراير/شباط 2026، داخل صالة دبلوماسية في مطار تل أبيب، جلس زميلان سابقان في شبكة "فوكس نيوز" وجها لوجه، قبل أن يكشفا واحدا من أعمق الجروح الأيديولوجية في اليمين الأميركي. واجه تاكر كارلسون- المحرض الشعبوي الذي أمضى العام الماضي يصف الصهيونية المسيحية بأنها هرطقة خطيرة وفيروس يصيب الدماغ- مايك هاكابي، سفيرَ الولايات المتحدة لدى إسرائيل، بسيل من الاتهامات، استمر ساعتين ونصف الساعة، متهما إياه بأنه يعمل لصالح إسرائيل، واستضاف جاسوسا مدانا، ودافع عن قتل أطفال، وأن ولاءه معقود لعلم أجنبي.
وحين شكك كارلسون في ولاء السفير الأميركي، أشار هاكابي إلى دبوس العلم الأميركي المثبت على سترته، وقال: أي علم تراني أرتدي هنا؟
غير أن جدلا آخر سرعان ما طغى على ذلك المشهد، عندما صرح هاكابي بأنه لن يرى بأسا في أن تفرض إسرائيل سيطرتها على مساحة واسعة من الشرق الأوسط، وهو تصريح أثار إدانات حادة في أنحاء المنطقة. ومع ذلك، فإن الاتهام الذي طرحه كارلسون يستحق التوقف عنده بجدية. ربما حمل السؤال طابعا بلاغيا، غير أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك العلاقة بين أميركا والتيار القومي المسيحي داخلها، لم تعد في عام 2026 شأنا قابلا للاختزال في البلاغة. فقد كشف الصدام بين كارلسون وهاكابي عن تصدع واضح بين رؤيتين متنافستين داخل اليمين الأميركي. تعود الأولى إلى جيل إنجيلي أقدم ينظر إلى إسرائيل من خلال منظور النبوءات التوراتية. أما الثانية فتعبر عن شعبوية قومية أحدث، بات كارلسون أحد أبرز تجسيداتها، وترى في الولاء لإسرائيل تناقضا مع عقيدة ترمب "أميركا أولا".
يقف مايك هاكابي تجسيدا حيا لذلك المعسكر الأول، بكل ما يحمله من يقين لاهوتي ورؤية سياسية. أما تاكر كارلسون فأعلن أنه يكره الصهاينة المسيحيين، ثم عاد فاعتذر عن هذا التصريح خلال مقابلته مع هاكابي. ويكشف المسار الذي نقل هاكابي من واعظ محلي بسيط، إلى شخصية مركزية في صراع سياسي وجيوسياسي عالمي، عن ملامح قوة الصهيونية المسيحية وتوتراتها الداخلية، وربما عن اقتراب أفول نجمها.
الصوت.. الدعوة.. والميكروفون
نشأ هاكابي في مدينة هوب بولاية أركنساس، وهي بلدة لا تكاد تحضر في الذاكرة، إلا بوصفها هامشا في سيرة أخرى: ففيها ولد بيل كلينتون أيضا، وهو ما دفع مجلة "نيوزويك" إلى أن تطلق على هاكابي لقب "الرجل الآخر من هوب". ترعرع السفير المستقبلي في أسرة لم يتمكن أي من أفرادها من إتمام الدراسة الثانوية. غير أن هاكابي أدرك مبكرا أنه يمتلك شيئين يفوقان النسب والشهادة أهمية في جنوب الولايات المتحدة: الخطابة والدعوة.


