الهروب كسؤال هوية في "أيام.. جنوب النهر" لفاطمة العوا

ما الذي يبقى حين تسقط الشعارات والانتماءات؟

غلاف رواية "أيام… جنوب النهر"

الهروب كسؤال هوية في "أيام.. جنوب النهر" لفاطمة العوا

في روايتها الأحدث "أيام.. جنوب النهر"، تواصل الكاتبة المصرية فاطمة العوا مشروعها الأدبي الواضح المعالم، إذ تنحاز دائما إلى الإنسان في لحظته الاستثنائية، وتضع القارئ داخل العاصفة لا على هامشها. الرواية لا تقرأ بوصفها حكاية عن حرب أهلية في السودان فحسب، بل بوصفها تأملا عميقا في الهوية والذاكرة ومعنى النجاة.

تجتمع ثلاث شخصيات رئيسة من جنسيات مختلفة في الخرطوم بهدف رحلة غطس وصيد: ناجي المصري، إدريس السوداني، وأليكس الإنكليزي، ويشتركون أيضا في عملهم أطباء في منظمة "أطباء بلا حدود". ثم تنضم إليهم هاجر السودانية، وعمار السوري. لا يجمعهم خطر مشترك وفطرة إنسانية واحدة هي "الهروب" فحسب، بل شبكة معقدة من المواقف والرؤى السياسية والدينية.

انتقال وجودي

من هنا تنطلق الرواية في مسارها الأساس في محاولة الهروب من الخطر. لكن الهروب هنا ليس مجرد انتقال مكاني من نقطة إلى أخرى، بل انتقال وجودي من اليقين إلى الشك، ومن الثقة إلى الارتياب، ومن الحماسة السياسية عن مدى جدوى دعوات التغيير السياسي السلمي التي انطلقت في موجة ما أطلق عليه "الربيع العربي"، إلى مراجعة سياسية وفكرية موجعة.

لا تبدأ الرواية تمهيديا أو تدريجيا، بل تلقي بالقارئ مباشرة في مشهد مكثف، صادم، مكتوب بحس سينمائي في حركته وتكوينه البصري. يستعيد ناجي لحظة رجفة تشبه رجفته طفلا أثناء زلزال القاهرة في 1992، حين حمته أخته مريم تحت طاولة السفرة: "رجفتها بين ذراعيه بالضبط كرجفته يوم كان صغيرا يركض في بيت ابيه في مدينة نصر". بينما يحاول هو حماية هاجر في لحظة استثنائية عام 2023 في الخرطوم: "كان جسده يرتج كجسد تلك التي يحتضنها الآن أمامه. هل هناك زلزال الآن، أم إنها وحدها ترجف بهذا الشكل اللا معقول". الرجفة في هذا النص ليست مجرد إحالة إلى حدث طبيعي، بل تتحول إلى علامة سردية كبرى، إلى رمز لحدث يزلزل العالم الداخلي للشخصيات كما يغير المحيط الخارجي لهم.

الصراع في السودان، كما تصوره الكاتبة، ليس مجرد اقتتال داخلي عفوي، بل جزء من شبكة أوسع من المصالح المتشابكة. الذهب، النحاس، البترول، الثروات الطبيعية تتحول إلى لعنة

بعد واحد وثلاثين عاما من زلزال القاهرة، تعود مريم لتدير أزمة أخرى في حياة أخيها، بحكمة، لكن هذه المرة في سياق الحرب التي اندلعت في الخرطوم، المدينة التي كان تمضي بإيقاعها المعتاد قبل ان تتحول فجأة إلى مسرح للفوضى وساحة حرب في 15 أبريل/ نيسان 2023. هكذا تصنع الكاتبة جسرا زمنيا بين زلزالين، طبيعي وسياسي، وكأن المواقف الصعبة تتكرر بصيغ متعددة. "في حياة كل إنسان عدة قيامات… تدريب ربما على القيامة الكبرى".

على الرغم من أن الرواية تبدو نصا اجتماعيا، إلا أنه لا يمكن تجاهل البعد السياسي الواضح فيها. فالصراع في السودان، كما تصوره الكاتبة، ليس مجرد اقتتال داخلي عفوي، بل جزء من شبكة أوسع من المصالح المتشابكة. الذهب، النحاس، البترول، الثروات الطبيعية تتحول إلى لعنة. البنك المركزي، خرائط المناجم، المواقع السرية، كلها تتحول إلى مفاتيح لفهم العنف الدائر. في هذا السياق، يظهر مقتل والد هاجر وعم إدريس الذي رباه بعد مقتل والده، الذي يعمل محافظا للبنك المركزي السوداني، بوصفه نقطة مفصلية في أحداث الرواية هل كان رفضه الإفصاح عن معلومات سببا في اغتياله؟ هنا يتحول السؤال السياسي إلى سؤال أخلاقي، كيف يمكن النية الطيبة أن تفضي إلى كارثة؟

هاجر، بوصفها إحدى الشخصيات المحورية، تجسد الوعي السياسي المتأخر. شاركت في التظاهرات، آمنت بالتغيير، ظنت أن الحراك سيجلب الخير، ثم وجدت نفسها تحصي الخسائر. أب وأم قتلا أمام عينيها، وطن يتداعى، مستقبل يتبخر. من خلال المونولوغ الداخلي تكشف عن صدمتها النفسية العميقة، وعن مفارقة موجعة، أحيانا يكون تصديق الكذب ضرورة للبقاء. هذا الوعي المكسور لا يقدم بوصفه ضعفا، بل بوصفه لحظة إدراك قاسية لتشابك السياسة بالحياة اليومية.

في المقابل، يقدم أليكس نموذجا آخر. هو الطبيب الذي عاش تجربة سوريا أو شهدها عن قرب، ويكاد يرى السيناريو ذاته يتكرر في السودان، "لم يتوقع أليكس مطلقا أن تتحول رحلة صيد وغطس عادية إلى هذا الرعب والارتباك". المقارنة بين البلدين ليست مباشرة أو خطابية، لكنها تلوح في الخلفية، من سوريا إلى السودان، من ثورة إلى حرب أهلية، من حلم إلى خراب. هذه المقارنة تطرح سؤالا شديد الأهمية هل ثمة "نموذج" يعاد إنتاجه في المنطقة؟ أم أن لكل بلد خصوصيته التي تختزل ظلما في قوالب جاهزة؟

بعد روحي

رغم أن الرواية تغوص في العمق السياسي والاجتماعي للسودان، فإنها لا تتوقف عنده. أحد أهم محاور النص هو البعد الروحي لهذا الشعب. السودان، كما تصوره الرواية، ليس مجرد ساحة صراع مسلح، بل أرض تتنفس التصوف. الطرق الصوفية، الأئمة، المجالس الروحية، كلها تشكل نسيجا ثقافيا عميقا. في مواجهة الخطاب المتشدد الذي يسعى إلى احتكار حقيقة التدين، تقدم الرواية التصوف كمساحة رحبة، كقوة ناعمة قادرة على ترميم الشروخ. الصوفية هنا ليست هروبا من الواقع، بل قراءة أخرى له، قائمة على الإصلاح، ووحدة الصف، وإصلاح ذات البين. "الإسلام في السودان يعني الصوفية، السوداني قلبه معلق بالسماء... يا ولدي السوداني المسيحي صوفي، السوداني المسلم صوفي، السوداني الملحد صوفي".

Ebrahim Hamid / AFP
متصوفة يشاركون في موكب ديني في الخرطوم قبيل إحياء ذكرى المولد النبوي، 23 أغسطس 2025

هذا التوازن بين السياسة والبعد الروحي يمنح الرواية عمقا إضافيا. فالعنف لا يقابل بعنف مضاد، بل بمحاولة فهم، وباستدعاء إرث ثقافي قادر على احتواء التوتر. حتى الشخصيات التي تنتمي إلى تيارات متشددة، مثل عمار المقاتل السوري، لم تقدمهم فاطمة العوا بوصفهم شياطين خالصة، بل كبشر خضعوا لعمليات غسل دماغ، ثم بدأوا بمراجعة أنفسهم. ومن خلال النص، منحت الكاتبة مساحة لوجهة نظر عمار الذي أشار لما حدث في سوريا وما يراه سيحدث في السودان: "لقد تركنا في سوريا وحدنا، وأقول لكم سيترك السودان وحده". هذه المساحة الرمادية تؤكد أن النص يرفض الأحكام الأخلاقية، ويفضل التعقيد الإنساني.

هذا التوازن بين السياسة والبعد الروحي يمنح الرواية عمقا إضافيا. فالعنف لا يقابل بعنف مضاد، بل بمحاولة فهم، وباستدعاء إرث ثقافي قادر على احتواء التوتر

تتحول الجغرافيا داخل النص إلى وعي سردي يضغط على الشخصيات ويعيد تشكيل مصائرها. الخرطوم، أم درمان، عطبرة، بورتسودان، شارع النيل، كوبري المنشية، كلها ليست مجرد أسماء، بل فضاءات حية تتحرك فيها الشخصيات وتتشكل وفقها الأحداث. إدراج خريطة لمسار الهروب في الرواية، يعكس وعيا بأهمية معرفة الجغرافيا والتاريخ. وهو ما أشار إليه والد ناجي. الطريق من الخرطوم إلى بورتسودان ليس خطا مستقيما، بل شبكة احتمالات، تتغير وفقا للظروف الأمنية، وتفرض على الشخصيات قرارات سريعة قد تحدد مصيرها.

رحلة الهروب نفسها تتحول إلى اختبار. من اليابسة إلى البحر، من المدينة إلى السفينة، يتغير المشهد، لكن القلق يبقى. على سطح السفن، يتداخل الماضي بالحاضر، ويستعيد كل شخص حكايته الخاصة. هنا يبرز سؤال الذاكرة: ماذا نحمل معنا حين نغادر أوطاننا؟ هل نحمل البيوت، أم الوجوه، أم اللغة؟ وهل يمكن حقا مغادرة الجذور، أم أنها تظل عالقة في الداخل مهما ابتعدنا؟

وحدة المصير

في هذا السياق، تحضر مصر في النص بوصفها ملاذا، وربما اختارت الكاتبة اسم ناجي كإشارة رمزية لهذه الفكرة، ويظهر النيل كرمز جامع. ليس النيل مجرد نهر، بل رابط تاريخي وروحي بين شعبين. هذه الرمزية تتجاوز السياسة إلى ما هو أعمق: وحدة المصير. فالمياه التي تعبر الحدود تذكر بأن الجغرافيا قد تقسم الدول، لكنها لا تلغي التشابك الإنساني. يقول ناجي في الفصل الأول: "كان المنظر خلابا من السطح فعلا، النيل في الخرطوم غير النيل في القاهرة، رما يشبه نيل أسوان".

 Ebrahim Hamid / AFP
سكان يخوضون في المياه لإنقاذ ممتلكاتهم جراء فيضان نهر النيل في قرية ود رملي شمال الخرطوم، 1 أكتوبر 2025

من خلال 27 فصلا، كل فصل يفسر ما يجري من أحداث من وجهة نظر أحد شخصيات الرواية، سواء بطل أساس، أو بطل ثانوي، كل فصل يحمل اسم البطل ولكن يظل النص مكتوبا بالكامل بتقنية الراوي العليم، فيتداخل في السرد بعض الجمل الحوارية التي كتبت باللهجة العامية لكل شخصية. وهو ما جعل الرواية لا تتبنى صوتا أحاديا يفرض تفسيرا واحدا لما يحدث، بل تترك لكل شخصية مساحتها الخاصة في التعبير.

كذلك نجحت الكاتبة فاطمة العوا في خلق علاقات منطقية لها بعد تاريخي بين الأبطال، وهو التشابك الذي يمنح القارئ الدهشة كلما تعمق في النص السردي. فعلي سيبل المثل بدأت علاقة ناجي بإدريس بسبب عملهما في إنكلترا، لكن العلاقة صارت أعمق حين قرر إدريس ان يكون مع ناجي في القاهرة أثناء ثورة يناير. بينما كان أليكس في سوريا قبل الثورة لكنه قرر العودة الى وطنه بسبب أهوال الحرب، وهنا نجد اشتباك العلاقة بينه وبين عمار المقاتل ضمن "داعش" في سوريا.

قراءة أكثر تعقيدا

من الناحية الأسلوبية، تتميز الرواية بلغة بسيطة، لكنها مشحونة بالعاطفة. الحوار متعدد اللهجات يمنح النص صدقيته، ويعكس احتراما للخصوصية الثقافية. بل إنها جعلت من بعض الجملة الحوارية وسيلة لكسر حالة الضغط في النص. ناجي يتحدث مداعبا إدريس باللهجة السودانية فيرد عليه الأخر باللهجة المصرية. في الوقت ذاته، لا تقع الكاتبة في فخ الإغراب أو الاستعراض اللغوي، فاللهجة موظفة دراميا، لا استعراضيا. وهذا التوازن بين الفصحى والحوار المحلي يخلق إيقاعا سلسا، ويجعل القراءة تجربة مندفعة، متوترة، دون أن تفقد وضوحها.

STR / AFP
امرأة سودانية نازحة تحمل عبوات مياه في مخيم أبو النجا للنازحين في ولاية القضارف شرق الخرطوم، 6 فبراير 2026

في زمن يسارع فيه البعض إلى تأويل النصوص وفق أيديولوجيات مسبقة، يبدو العمل دعوة إلى قراءة أكثر تعقيدا. فالرواية لا تقدم بيانا سياسيا، بل تفتح فضاء واسعا للنقاش، فتستوعب الآراء المختلفة، وتترك للقارئ مهمة التفكير، لا التلقين. هذا الانفتاح هو ما يمنحها قدرة على البقاء خارج الاستقطاب الحاد.

يبدو العمل دعوة إلى قراءة أكثر تعقيدا. فالرواية لا تقدم بيانا سياسيا، بل تفتح فضاء واسعا للنقاش، فتستوعب الآراء المختلفة، وتترك للقارئ مهمة التفكير

مع ذلك، تتراجع السياسة إلى الخلف في مشاهد كثيرة، ليبرز الإنسان في ضعفه وقوته. إدريس يتأمل معنى الحزن، ويقول إنه يحتاج إلى أمان كي يفيض. هذه الفكرة البسيطة تختصر كثيرا من مأساة الحرب، في زمن الخوف الدائم، لا يجد الإنسان مساحة حتى للبكاء، وحده الهروب يكون الدافع الأكبر. كذلك مشهد وداع نبراس لأبيها، حيث تتدحرج الدموع بصمت. وهذا يعيدنا إلى جوهر النص الروائي، ما الذي يبقى حين تسقط الشعارات والانتماءات؟ تبقى العلاقات الإنسانية والحنين والذكريات.

AFP
طبيب يعاين مريضا بالكوليرا في وحدة عزل خارج مستشفى بشائر جنوب الخرطوم، 31 مايو 2025

رواية "أيام... جنوب النهر" الصادرة عن "دار العين" بالقاهرة، نص سردي يؤكد انشغال الكاتبة فاطمة العوا بأسئلة الهوية في مستوياتها الفردية والجمعية، ويكشف عن ميل واضح إلى البحث والاستقصاء بوصفهما ركيزتين في مشروعها الروائي. هذا الهاجس المعرفي لا يقتصر على هذه الرواية، بل يمتد إلى أعمالها الروائية السابقة، "الصعيدي" الصادرة عام 2025 و"أنا وهيبة" الصادرة عام 2024. كما صدرت لها مجموعتان قصصيتان "معها" 2022 و"برطمان النيوتيلا" عام 2010.

font change