في الآونة الأخيرة، باتت السياسة تفوح برائحة النفط، كما بات النفط يفوح برائحة السياسة. تنسب هذه المقولة إلى فيليكس دزيرجينسكي، مؤسس وأول رئيس لجهاز الشرطة السرية السوفياتية، الذي شكّل لاحقا النموذج الأولي لكل من جهاز الاستخبارات السوفياتية (كي جي بي)، وجهاز الأمن الفيدرالي الروسي (إف إس بي). وفي خضم الحرب مع إيران، تكتسب هذه العبارة راهنية خاصة عند استشراف ملامح السياسة الروسية المعاصرة.
في الواقع، وكما يشير كثير من المحللين، تصب الاضطرابات اللوجستية في مضيق هرمز في مصلحة موسكو، إذ تتيح لها تعزيز إيراداتها وإعادة تمويل ميزانيتها، بما في ذلك تغطية تكاليف العمليات العسكرية المستمرة في أوكرانيا، في ظل تقلبات أسعار الطاقة. كذلك يصب في مصلحة روسيا تحوّل تركيز واشنطن من الساحة الأوروبية إلى الشرق الأوسط، وما يترتب على ذلك من انعكاسات محتملة على منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية. ومع ذلك، لا تبدو المبالغة في تقدير حجم الفرص المتاحة للكرملين في الظرف الراهن أمرا حكيما. وإلى جانب ذلك، قد يفرض استمرار النظام الإيراني تحديات جديدة على موسكو، بدلا من أن يكون مصدرا لمكاسب خالصة.
الأفق الاستراتيجي
من جهة، تعد إيران حليفاً تكتيكياً لروسيا وشريكاً في تحالف غير رسمي مناهض للغرب، كما أصبحت في السنوات الأخيرة مركزا لعمليات الاستخبارات الروسية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. وقد اعتمدت موسكو، التي عادت إلى المنطقة عام 2015 عبر دعمها لنظام الأسد، على قدراتها الذاتية، لكنها كانت تدرك في الوقت نفسه أنها لا تتحرك بمفردها، بل ضمن مظلة إيرانية، وفي ظل نشاط مكثف لقوات حليفة ووكيلة منخرطة في عمليات قتالية برية طويلة الأمد.
ومن جهة أخرى، يواجه التعاون الروسي-الإيراني قيودا ذاتية متعددة، ناجمة عن اعتبارات دينية وأزمات ثقة متراكمة، وهو ما أعاق تنفيذ كثير من المشاريع الاقتصادية على مدى سنوات. وبناءً على ذلك، لا تعد هزيمة إيران، من الناحية النظرية، كارثة بالنسبة إلى موسكو. ومع ذلك، يرى المحلل السياسي المقرّب من الكرملين، ديمتري ترينين، أن هذا السيناريو لا ينسجم مع المصالح الاستراتيجية لروسيا، إذ يرجّح أن تواصل الولايات المتحدة الضغط على مصالحها حتى بعد هزيمة طهران.

