رام الله- في خضم المواجهة العسكرية المستمرة بين إسرائيل و"حزب الله" اللبناني منذ مطلع مارس/آذار، يتبلور داخل إسرائيل تصور متقدم لطبيعة المواجهة مع لبنان يتجاوز حدود الاشتباك التقليدي مع "حزب الله"، ليطال إعادة تعريف العلاقة الأمنية والسياسية مع الدولة اللبنانية نفسها. فالنقاش الدائر في الأوساط العسكرية والسياسية الإسرائيلية لم يعد محصورا في كيفية إدارة المعركة، بل في شكل "اليوم التالي" لها، وما إذا كانت هذه الحرب ستُستخدم كفرصة لإعادة رسم قواعد اللعبة على الحدود الشمالية بصورة جذرية.
وتتقاطع في هذا السياق رؤيتان: الأولى عسكرية تسعى إلى إزالة التهديد المباشر الذي يمثله "حزب الله". والثانية سياسية ترى في هذه اللحظة فرصة لفرض واقع أمني جديد في جنوب لبنان. وبين هاتين الرؤيتين، تتقدم فكرة إنشاء منطقة عازلة تمتد من الحدود الإسرائيلية حتى نهر الليطاني باعتبارها خيارا لم يعد نظريا أو مقتصرا على خطاب اليمين المتطرف، بل تحول تدريجيا إلى تصور عملي يحظى بقبول متزايد داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.
ويعكس هذا التحول قناعة إسرائيلية متنامية بأن قواعد الاشتباك التي سادت منذ حرب 2006 لم تعد قابلة للاستمرار، وأن نموذج "الردع المتبادل" بين إسرائيل و"حزب الله" لم يعد كافيا لضمان أمن الجبهة الداخلية الإسرائيلية، خصوصا بعد تجربة السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أحدثته من صدمة استراتيجية، لذلك لم يعد الهدف مقتصرا على احتواء "حزب الله" أو تقليص قدراته، بل يتجه نحو إعادة تشكيل البيئة الجغرافية والأمنية التي يعمل ضمنها، بما يمنع عودته إلى نمط العمليات القريب من الحدود.
في المقابل، لا تنفصل هذه المقاربة عن إدراك إسرائيلي عميق لتعقيدات الساحة اللبنانية، حيث يتداخل "حزب الله" مع بنية الدولة والمجتمع على نحو يجعل الفصل بينهما مهمة شديدة الصعوبة، ومع ذلك، تميل التقديرات الإسرائيلية إلى أن استمرار الوضع القائم يحمل مخاطر أكبر من كلفة تغييره، حتى لو استدعى ذلك خطوات ميدانية واسعة، أو ترتيبات أمنية طويلة الأمد قد تُفرض بالقوة أو عبر تفاهمات دولية لاحقة.


