الخليج وحرب إيران... التوازن وتجنب الاستدراج

القوة لا تكمن فقط في القدرة على الرد بل في القدرة على تفادي الوقوع في الفخ

أ.ف.ب
أ.ف.ب
خلال قمة مجلس التعاون الخليجي التي عُقدت في العاصمة السعودية الرياض، في 10 ديسمبر 2019

الخليج وحرب إيران... التوازن وتجنب الاستدراج

استهلت إسرائيل عامها الأكثر دموية منذ نشأتها، حين شنت حرباً شاملة على غزة أعقبتها تصعيدات متتالية امتدت إلى لبنان وسوريا واليمن، ثم وجهت ضرباتها مباشرة إلى العمق الإيراني، في محاولة ممنهجة لإعادة رسم خرائط المنطقة بالقوة.

لكن الأخطر من ذلك هو الإصرار الإسرائيلي على جر الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع إيران، مستغلةً العمق الاستراتيجي الذي توفره واشنطن لحليفها الأهم في المنطقة، وهو تحالف دول "مجلس التعاون الخليجي".

فما كان يُقرأ سابقاً على أنه سيناريوهات افتراضية، أصبح اليوم وقائع متسارعة تضع دول الخليج أمام اختبار حقيقي لثقلها السياسي وحنكتها الاستراتيجية: هل ستنجح في الإفلات من فخ الاستدراج كما فعلت مراراً في الماضي، وتحول دون جرها إلى مواجهة لا تخدم مصالحها، أم ستجد نفسها منجرة إلى صراع مفتوح تُكتب قواعده بيد غيرها؟

إذا تتبعنا نمط إدارة الصراعات في الشرق الأوسط فهو يكشف أن بعض الحروب لا تُخاض بهدف الحسم، بل تُدار بهدف الإطالة والاستنزاف

في خضم التصعيد المتسارع في المنطقة، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة الصراع الدائر وأهدافه الحقيقية. هل نحن أمام مواجهة تقليدية بين أطراف متنازعة، أم إن هناك هندسة استراتيجية أعمق تسعى إلى جرّ قوى إقليمية رئيسة إلى صراع طويل ومكلف؟ هذا السؤال لم يعد نظرياً، بل بات يفرض نفسه مع تزايد مؤشرات الانزلاق نحو مواجهة أوسع قد تشمل دول الخليج.

لا تبدو المخاوف من انخراط دول الخليج مجرد افتراضات تحليلية، بل تحذيرات صريحة تتقاطع مع قراءات عدد من المحللين. فقد حذّر الكاتب الكويتي عبدالله النفيسي، في مقابلة حديثة، من وجود ما وصفه بـ"محاولة إسرائيلية لتوريطنا لنكون شريكا صغيرا في الحرب"، في إشارة واضحة إلى ديناميكيات استدراج قد تدفع دول الخليج إلى قلب المواجهة دون أن تكون طرفاً أصيلاً في قرارها.

أ.ف.ب
جنود من الولايات المتحدة والكويت ودول أخرى من مجلس التعاون الخليجي في التدريب الختامي لتمرين "إيجل ريزولف 2017" العسكري واسع النطاق في ميناء الشويخ، غرب مدينة الكويت، في 6 أبريل 2017

 ويتقاطع هذا الطرح مع ما أشار إليه رئيس مجلس الوزراء ووزير خارجية قطر، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، حين قال إن "الجميع يعلم من هو المستفيد من هذا الصراع"، وهي عبارة تختزل جوهر الإشكالية، فالحروب في المنطقة لا تُدار فقط بين أطرافها المباشرين، بل ضمن حسابات أوسع تتعلق بإعادة تشكيل موازين القوى.

إذا تتبعنا نمط إدارة الصراعات في الشرق الأوسط فهو يكشف أن بعض الحروب لا تُخاض بهدف الحسم، بل تُدار بهدف الإطالة والاستنزاف. وضمن هذا الإطار، يصبح احتمال إدخال دول الخليج في مواجهة مباشرة مع إيران تطوراً يخدم معادلة استراتيجية معقدة، تقوم على إنهاك قوتين إقليميتين رئيستين في آن واحد، دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة شاملة.

وهنا تبرز آليات الاستدراج التي تعمل عبر استغلال المناطق الرمادية مثل المضائق البحرية والبنية التحتية الحيوية والفضاء السيبراني، حيث يصبح التصعيد محكوماً بحسابات دقيقة تهدف إلى دفع الأطراف تدريجياً نحو نقطة لا يستطيعون معها التراجع دون ثمن سياسي باهظ.

الحرب العراقية–الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي تقدم مثالاً واضحاً على كيفية تحول الصراعات الإقليمية إلى حرب استنزاف طويلة

تكمن خطورة هذا السيناريو في أن أي صدام مباشر بين دول الخليج وإيران لن يكون نزاعاً محدوداً، بل سيكون حرباً مفتوحة متعددة الأبعاد: عسكرية، واقتصادية، وأمنية. وفي مثل هذه الحروب، لا يكون النصر بالضرورة للطرف الأقوى، بل غالباً ما تكون النتيجة إنهاك الجميع وإعادة تشكيل موازين القوى على حسابهما.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم ما يجري اليوم بوصفه ملامح "حرب استنزاف ثانية"، تختلف في أدواتها، لكنها تتشابه في أهدافها مع نماذج سابقة. فالحرب العراقية–الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي تقدم مثالاً واضحاً على كيفية تحول الصراعات الإقليمية إلى حرب استنزاف طويلة. استمرت تلك الحرب ثماني سنوات، ولم تُنتج منتصراً حقيقياً، بل أضعفت الطرفين وفتحت المجال لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية.

رويترز
صورة لميناء جبل علي في دبي، 8 نوفمبر 2007

في قراءة أعمق لتلك المرحلة، يمكن فهم الحرب كأداة غير مباشرة لإضعاف مشروعين متوازيين: من جهة، تقليص زخم "الثورة" الإيرانية. ومن جهة أخرى، استنزاف نظام صدام حسين وتقويض طموحاته الإقليمية. وبهذا المعنى، لم يكن الهدف ترجيح كفة طرف، بل إنهاك الطرفين معاً.

غير أن المتغير الأكثر خطورة، والذي يغيب عن المقارنة التاريخية مع حرب الثمانينات، هو تحول طبيعة الضمانات الأمنية الخارجية. فخلال الحرب الباردة وما بعدها، صيغ الالتزام الأميركي بأمن الخليج في إطار شبه مطلق بموجب "مبدأ كارتر"، الذي أعلنه الرئيس جيمي كارتر في خطاب "حالة الاتحاد" في 23 يناير/كانون الثاني 1980، حيث قال: "أي محاولة من قبل أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي ستُعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأميركية، وسيتم صد هذا الاعتداء بأي وسيلة ضرورية، بما في ذلك القوة العسكرية". اليوم، أصبح هذا الالتزام مشروطاً، ومصداقيته موضع تساؤل.

فاليوم، تبدو المنطقة أمام نسخة أكثر تعقيداً من هذا النموذج، لكن بكلفة أعلى بكثير. فدول الخليج تمثل محوراً أساسياً في أسواق الطاقة العالمية، وأي اضطراب كبير في استقرارها سينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، من خلال ارتفاع أسعار النفط وتعطّل سلاسل الإمداد وتزايد حالة عدم اليقين في الأسواق. 

طبيعة الحروب الحديثة تجعل السيطرة على مسارها أكثر صعوبة. فهي لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة

غير أن التحول الأكثر خطورة يتمثل في تغير طبيعة الضمانات الأمنية الخارجية. فما كان يُعرف بنموذج "الكويت 1991" القائم على التدخل المباشر لحماية استقرار المنطقة، بدأ يتحول نحو نموذج أقرب إلى "أوكرانيا 2024"، حيث يقتصر الدعم على توفير الأسلحة دون الالتزام بامتصاص الرد المباشر. هذا التحول يجعل أي انخراط خليجي في مواجهة مع إيران بمثابة حرب استنزاف أحادية يتحمل أعباءها الطرف الإقليمي بمفرده، مما يرفع كلفة المخاطرة إلى مستويات غير مسبوقة.

إلى جانب ذلك، فإن طبيعة الحروب الحديثة تجعل السيطرة على مسارها أكثر صعوبة. فهي لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة، بل تشمل أيضاً الهجمات السيبرانية، والحروب الاقتصادية، واستهداف البنية التحتية الحيوية، ما يرفع كلفة الصراع ويزيد من احتمالات خروجه عن السيطرة. فساحة المعركة اليوم تمتد إلى أسواق المال وصناديق الثروة السيادية ومشاريع التحول الاقتصادي الكبرى، حيث يصبح الهدف الأساسي هو إرهاق القدرة على الاستمرار لا تحقيق نصر ميداني.

غريس راسل

هنا تحديداً يتجلى مفهوم "الاستدراج". إذ يتم دفع الأطراف تدريجياً نحو التصعيد عبر سلسلة من الاستفزازات والردود المتبادلة، إلى أن تصل إلى نقطة يصبح فيها التراجع مكلفاً سياسياً، فيُتخذ قرار الحرب بوصفه الخيار الأقل كلفة في الظاهر، رغم أنه قد يكون الأكثر كلفة على المدى الطويل. لذلك، فإن التعامل مع هذا الواقع يتطلب مستوى عالياً من الوعي الاستراتيجي. فالقوة لا تكمن فقط في القدرة على الرد، بل في القدرة على تفادي الوقوع في الفخ من الأساس. وهذا لا يعني التردد، بل يعني قراءة المشهد بعمق، وفهم الأهداف غير المعلنة وراء التصعيد.

في عالم تتشابك فيه المصالح والصراعات، قد يكون أعظم انتصار هو عدم خوض الحرب أصلاً

إن الحفاظ على استقرار الخليج ليس مصلحة إقليمية فحسب، بل مصلحة دولية. ومن هنا، فإن أي قرار بالانخراط في مواجهة يجب أن يُقاس بتداعياته بعيدة المدى، لا بردود الفعل الآنية. فالتاريخ يثبت أن الدخول في الحروب أسهل بكثير من الخروج منها، وأن كلفتها الحقيقية غالباً ما تظهر بعد فوات الأوان.

تقف المنطقة اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما الانجرار نحو صراع مفتوح يعيد إنتاج نماذج الاستنزاف، وإما تبني نهج أكثر حذراً يقوم على تجنب الاستدراج والحفاظ على التوازن. إن إدراك طبيعة هذا الفخ هو الخطوة الأولى لتجنبه، أما الخطوة الأهم فهي امتلاك الإرادة السياسية لاتخاذ قرارات لا تحكمها اللحظة، بل يوجّهها وعي عميق بتعقيدات المشهد. ففي عالم تتشابك فيه المصالح والصراعات، قد يكون أعظم انتصار هو عدم خوض الحرب أصلاً.

font change

مقالات ذات صلة