سعيد الغانمي يعود إلى أم الملاحم في "جلجامش واختلاس لغز الزمن"

قراءة أدبية في تشكل الملحمة البابلية وتأويلها

REUTERS/Saba Kareem
REUTERS/Saba Kareem
لوح حلم جلجامش، الذي سُرق من العراق عام 1991 وأُعيد لاحقا، معروض في وزارة الخارجية في بغداد، 7 ديسمبر 2021

سعيد الغانمي يعود إلى أم الملاحم في "جلجامش واختلاس لغز الزمن"

يمكن القول إن ما كتب بالعربية عن ملحمة "جلجامش"، النص الأدبي الأقدم في العالم، حتى الآن، لا يكاد يذكر من ناحية الكم. لكن ما يلاحظ في الوقت نفسه وكتعويض عن هذا النقص وتداركه، هو تواتر صدور عدد من الدراسات في السنوات الأخيرة عن هذه الملحمة الفذة، تعود في غالبها لباحثين وأدباء عراقيين، كما في مثل الكاتب والباحث ناجح المعموري الذي أصدر في غضون عشر سنوات أربعة كتب تتناول الملحمة من جوانب مختلفة، كان آخرها كتابه "اليومي والمتكرر في ملحمة جلجامش".

على صعيد ترجمة الملحمة نفسها، من المهم الإشارة إلى ترجمة الآثاري والباحث نائل حنون عن الأكدية مباشرة، صدرت قبل عقدين. ويجدر التنويه أيضا إلى ما أبداه الشاعر والباحث صلاح نيازي من اهتمام بالملحمة، وهو ما مثله كتابه "فن الشعر في ملحمة جلجامش"، كما عقد لها أكثر من فصل في كتابه "دموع جلجامش".

في هذا السياق يأتي كتاب الباحث والمترجم سعيد الغانمي، "جلجامش واختلاس لغز الزمن ـ قراءة أدبية في تشكل الملحمة البابلية وتأويلها"، الصادر حديثا عن "دار الرافدين" في بغداد.

جلجامش الواقعي والأسطوري

كيف تأتى لشخصية واقعية مثل جلجامش بوصفه أحد ملوك عصر فجر السلالات، عاش وحكم قبل نحو 4800 سنة، أن يتحول إلى أحد أشهر الشخصيات في التاريخ، لا بوصفه حاكما لمدينة الوركاء (أوروك) في جنوب العراق، بل بوصفه كائنا سرديا؟ فصفة الملك أو الحاكم تتراجع أو تكاد تنسى حيال البعد الأسطوري الذي أكسبته إياه الملحمة المعروفة باسمه، فضلا عما أحدثته من تأثير على آداب وثقافات محلية وجوارية وأوروبية، كما سيأتي تبيانه لاحقا. إن الإجابة عن سؤال كهذا تكمن، في الإحاطة بهذه الملحمة مذ كانت حكايات بطولية متفرقة، كما عرفت في الأدب السومري، شفاهيا أو مكتوبا، وصولا إلى مراحل تدوين هذه الحكايات وصقلها وتطويرها أو تكييفها، وهو ما استغرق قرونا حتى استوائها بالشكل الرفيع الذي عرفت فيه، وكما وصلتنا، وكان ذلك قبل نحو 4000 سنة، نتيجة اجتهاد الشعراء البابليين، هؤلاء الذين "لم يكونوا مجرد مستنسخين ومقلدين تقليدا أعمى للمادة السومرية، بل إنهم في الواقع بدلوا وغيروا في مضمونها، وكيفوا تركيبها وهيئتها إلى درجة جسيمة لتلائم مزاجهم وتراثهم"، كما ينقل الباحث عن عالم السومريات صموئيل نوح كريمر. بذلك اجترح البابليون لأول مرة نوعا وشكلا أدبيا غير معهود من قبل، هو "الملحمة".

فهذا السفر الثقافي الكبير يتناول الملحمة كحالة أو ظاهرة ثقافية عالمية من أوجه شتى وباستفاضة، بدا فيها الباحث ظهيرا للآثاريين وهو يزيح بأداة اللغة طبقات النص

يقدم الكتاب مثلا للإحاطة المتقدم ذكرها، فهذا السفر الثقافي الكبير يتناول الملحمة كحالة أو ظاهرة ثقافية عالمية من أوجه شتى وباستفاضة، بدا فيها الباحث ظهيرا للآثاريين وهو يزيح بأداة اللغة طبقات النص، بحثا عن المتواري، معنى ورمزا، وتأويلا وكشفا، محلقا آنا في ذراها وهابطا آنا إلى قاعها، حيث تراب الحكايات الأولى. وفي واحد من التعليلات التي تسعفنا في تبيان طبيعة التحول الجلجامشي أو تردده بين الواقعي والأسطوري، يقول الغانمي بعد أن يذكر العديد من المصادر القديمة التي يرد فيها اسم جلجامش، كما في الكتابات المنسوبة إلى الملك "أور ـ نمو"، مؤسس سلالة أور الثالثة، إن الأساطير صارت تتجمع، بمرور الوقت حول اسم كلكامش، "حتى طمست حقيقته التاريخية، وحلت محلها الشخصية الرمزية التي رسمتها الحكايات والأساطير".

غلاف "جلجامش واختلاس لغز الزمن"

وفي هذا الصدد يشير الغانمي إلى كتاب "كنوز الظلام" للمؤرخ الدانماركي الأميركي ثوركيد جاكوبسن الذي تتبع فيه، تاريخيا، نمو الأساطير حول اسم جلجامش حتى استحالت صورته من شخصية تاريخية حقيقية إلى "شخصية بطل أسطوري في الأدب الشفوي، ومن ثم في الأدب المكتوب".

استنطاق عبقرية الملحمة

يشير الكاتب بداية إلى أنه نهج نهجا مغايرا في قراءة الملحمة، انطلق فيه من الملامح الخاصة بها، لا مما تشترك به مع بقية الملاحم. وقد توزع هذا النهج على فصول الكتاب الستة وبالوحدات الفرعية لكل فصل، حتى بلغت مجتمعة أكثر من ستين وحدة، بما في ذلك الخاتمة، مغطية أكثر من 300 صفحة، زاول الكاتب خلالها كل ضروب المعالجة المختلفة للملحمة، تنقيبا وبحثا واستنطاقا، فتبدى كتابه حينا تاريخيا، وحينا لغويا وحينا آخر ترجميا، وسوى ذلك مما يقع تحت عنوان البحث في مقاربات اجتهادية تتأول دلالات الملحمة وتسعى لفك ألغازها، في إيغال يحسب قارئه معه أن كتابا مثل هذا الذي بين يديه لا بد منه للإلمام بعوالم الملحمة ومدياتها الرمزية، حتى وإن بدا الكاتب مغاليا في شروده البحثي، بمعنى الابتعاد والاستغراق أحيانا في التفاصيل.

REUTERS/Kevin Lamarque
امرأة تلتقط صورة للوَح حلم جلجامش خلال مراسم إعادته إلى العراق في واشنطن، 23 سبتمبر 2021

وقريبا من ذلك، بدا لافتا قول الكاتب في المقدمة إن هدفه "استدخال الملحمة البابلية في ذائقتنا الأدبية الحديثة ومحاولة جعلها جزءا من الذاكرة الثقافية الحية". وكأن لا جهود عراقية أو عربية سابقة في هذا الصدد. وفي الحقيقة إن القول والعمل يجب أن ينصرفا لإدخال الملحمة في الوجدان الشعبي، عراقيا، في الدرجة الأساس، وهذا يقع عبئه، بدءا، على المناهج الدراسية منذ المرحلة المتوسطة.

وغني عن القول إن عملا كونيا مثل ملحمة جلجامش يبقى مشروعا مفتوحا لكل قراءة جديدة، خاصة تلك التي تتسقط رموزها وخلفياتها الاجتماعية والثقافية وحتى التشريعية. وهنا ينبغي التذكير بما نوه به الكاتب إلى أن ملحمة جلجامش عمل لم ينته نشره بعد، وأنه لا يزال قيد الإنجاز والتحقيق والترجمة. وهو ما يعيد إلى الذهن الحديث عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لردم الفجوات النصية بين ألواح الملحمة المتفرقة، سواء كانت في بغداد أو لندن وسواهما من أمكنة، عبر مسحها خوارزميا ومعالجتها رياضيا، ضمن مشروع "فراغمنتاريوم". وقد أضيفت بالفعل سطور جديدة إلى الملحمة، كما كشفت التقنية عن فصول لم تقرأ من قبل، كرحلة جلجامش وأنكيدو إلى مدينة نيبور، العاصمة الدينية للسومريين، في محاولة لاسترضاء الإله "إنليل" بعد قتلهما الوحش "خمبابا".

يبدي الغانمي عدم موافقته على مفهوم "المؤلف" باعتبار أن المؤلف في الطور الشفوي ليس هو ذاته في الطور العقلي أو الكتابي

وعلى أية حال ينقل الكتاب عن الباحث أندرو جورج تقديره أن عدد أبيات الملحمة كاملة هو 3000 بيت شعري والمفقود منها يقدر إجمالا بما يقارب 575 بيتا، أي أن عشرين في المائة فقط من القصيدة لا يزال مفقودا. مما يجعل من استرداد ملحمة جلجامش عملا متواصلا، مثلما يشير أندرو في معالجته هذا الجانب. 

الملحمة ومفهوم المؤلف

تتكون الملحمة من أحد عشر لوحا، إلا أن بعض الترجمات اشتملت على اثني عشر، ويلفت الغانمي النظر إلى أن اللوح الثاني عشر بدا مقحما على الملحمة، وهو ما ذهب إليه من قبل العلامة طه باقر في طبعته الرائدة للملحمة، مشيرا بقوله إلى أن هذا اللوح (الثاني عشر) "لا يمت في حوادثة بصلة قصصية فنية إلى مادة الملحمة". في الوقت الذي يشير فيه الغانمي إلى أن مثلما تبدأ الملحمة بالحديث عن متانة أسوار أوروك ومنعتها، كذلك تختتم بالمعنى ذاته وهي "نهاية مثالية من الناحية السردية".

من هنا فقد تم التغاضي عن إدراج هذا اللوح في العديد من الترجمات. وعلى الضد من ذلك، ينجح كاتب الملحمة في ضم حكاية الطوفان السومرية المستقلة والمكتفية بموضوعها إلى النص، مستبدلا اسم بطل الطوفان من "زيسدرا" إلى "أوتانبشتم"، وبذلك لا يكتفي كاتب الملحمة بمنح "الشخصية السومرية التسمية البابلية فقط، بل أيضا الخلفية الثقافية البابلية معها". ومن المعروف إن الجدل لا يزال مستمرا حول ما إذا كانت الملحمة من نتاج كاتب واحد أو عدة كتاب، وما إذا كان مؤلفها رجلا أم امرأة، كما في تساؤل وافتراض الشاعر صلاح نيازي الذي يشتق أو يستنبط من الملحمة العديد من الدلائل التي تفترض المرأة مؤلفا لها.

غلاف "فن الشعر في ملحمة جلجامش"

لكن ما يعنينا هنا هو الوقوف عند ما أثاره العالم جيفري تيغاي حول "مؤلف" الملحمة، حيث يقول: "تدل خطة الملحمة المتكاملة على عمل عقل فني فريد، إذ ينطوي عمل هذا الشخص على درجة من الإبداع يستحق معها أن يعتبر مؤلفا وليس مجرد محرر أو جماع". وهنا يعقب الغانمي على هذا الطرح، مبديا عدم موافقته على مفهوم "المؤلف" باعتبار أن المؤلف في الطور الشفوي ليس هو ذاته في الطور العقلي أو الكتابي، وأن النصوص الملحمية الشفوية تنصقل بفعل تداول الرواة لها ويكون ذلك بمثابة إعادة إنتاج لها باستمرار.

الملحمة المجنحة

"كان الإغريق ممن عاصروا "الإلياذة" و"الأوديسة" يطلقون على النصوص القادرة على الانتقال من عمل إلى آخر اسم "الكلمات المجنحة". كما يجيء في الفصل السادس المكرس للحديث عن تأثيرات ملحمة جلجامش على الآداب اللاحقة. إن وصف الكلمات المجنحة هو ما ينطبق تماما على "أوديسة العراق الخالدة" كما ترد هذه التسمية في نسخة العلامة طه باقر. فالتأثيرات التي أحدثتها الملحمة كما يبينها هذا الفصل، بدت غير محدودة سواء في الثقافات والآداب المحلية أو تلك المجاورة للثقافة البابلية، كالكنعانية والأوغاريتية والحيثية والحورية أو البعيدة كما في تأثيرها عبر ثقاقات وسيطة، في "الإلياذة" و"الإنيادة" كما وجد الباحثون أوجه شبه بين شخصيتي "أنكيدو" و"ألبينور" في "الأوديسة".

REUTERS/Kevin Lamarque
باحثون يتفحصون لوح حلم جلجامش خلال مراسم إعادته إلى العراق في واشنطن، 23 سبتمبر 2021

يتعرض الباحث أيضا إلى تأثير الملحمة في "ألف ليلة وليلة" كما في حكاية "بلوقيا" الذي عثر في صندوق تركه له والده على أوراق تذكر أن نبيا سيظهر آخر الزمان اسمه محمد، فيهيم بلوقيا به حبا ويسعى للحصول على آلة يخترق بها لغز الزمن أو أكسير يطيل عمره حتى يدرك زمن النبي محمد. 


يلفت إطلاق الغانمي تسمية "خلود البطل الثقافي" أو "الخلود السردي" وهو ما تحقق لجلجامش تعويضا عن الخلود البشري المحال

إن اللمحة السريعة الآنفة عن جملة التأثيرات العميقة للملحمة يتأتى دون شك من فرادتها الإبداعية، وقدرتها الدائمة على إثارة الأسئلة الكبرى بحكم انطوائها على ثيمات وموضوعات لا تستنفد كالموت والخلود، والصداقة والبطولة والكفاح، ورمزية المرأة والجنس، والرؤى والأحلام، والخوف من المجهول، والكوارث الماحقة، والمصير البشري.

REUTERS/Fatih Saribas
المخرج الحائز الأوسكار روجر كريستيان يحمل نموذجا لنقش طيني سيُستخدم في ديكور فيلم "ملحمة جلجامش" قرب إسطنبول، 23 أكتوبر 2004

وبقدر خصوبة مثل هذه الثيمات تكون خصوبة الاستدلالات البحثية التي لا يمكن حصرها، ومنها التفات الباحث إلى رمزية المياه في الملحمة، في تقابلات ضدية. فمقابل مياه الموت التي قطعها جلجامش لسؤال أوتنابشتم عن لغز سر الخلود، تكون هناك مياه البئر بعد بلوغه هدفه ونزوله البئر للاغتسال، تخليصا للجسد مما علق به في رحلته، وكأنه يولد ثانية. هنا يسمي الغانمي هذه الثنائية المائية المتضادة بالمياة القاتلة والمياه الباعثة. كما يلفت إطلاقه تسمية "خلود البطل الثقافي" أو "الخلود السردي" وهو ما تحقق لجلجامش تعويضا عن الخلود البشري المحال، لعجزه عن إدراك لغزه.

font change

مقالات ذات صلة