يمكن القول إن ما كتب بالعربية عن ملحمة "جلجامش"، النص الأدبي الأقدم في العالم، حتى الآن، لا يكاد يذكر من ناحية الكم. لكن ما يلاحظ في الوقت نفسه وكتعويض عن هذا النقص وتداركه، هو تواتر صدور عدد من الدراسات في السنوات الأخيرة عن هذه الملحمة الفذة، تعود في غالبها لباحثين وأدباء عراقيين، كما في مثل الكاتب والباحث ناجح المعموري الذي أصدر في غضون عشر سنوات أربعة كتب تتناول الملحمة من جوانب مختلفة، كان آخرها كتابه "اليومي والمتكرر في ملحمة جلجامش".
على صعيد ترجمة الملحمة نفسها، من المهم الإشارة إلى ترجمة الآثاري والباحث نائل حنون عن الأكدية مباشرة، صدرت قبل عقدين. ويجدر التنويه أيضا إلى ما أبداه الشاعر والباحث صلاح نيازي من اهتمام بالملحمة، وهو ما مثله كتابه "فن الشعر في ملحمة جلجامش"، كما عقد لها أكثر من فصل في كتابه "دموع جلجامش".
في هذا السياق يأتي كتاب الباحث والمترجم سعيد الغانمي، "جلجامش واختلاس لغز الزمن ـ قراءة أدبية في تشكل الملحمة البابلية وتأويلها"، الصادر حديثا عن "دار الرافدين" في بغداد.
جلجامش الواقعي والأسطوري
كيف تأتى لشخصية واقعية مثل جلجامش بوصفه أحد ملوك عصر فجر السلالات، عاش وحكم قبل نحو 4800 سنة، أن يتحول إلى أحد أشهر الشخصيات في التاريخ، لا بوصفه حاكما لمدينة الوركاء (أوروك) في جنوب العراق، بل بوصفه كائنا سرديا؟ فصفة الملك أو الحاكم تتراجع أو تكاد تنسى حيال البعد الأسطوري الذي أكسبته إياه الملحمة المعروفة باسمه، فضلا عما أحدثته من تأثير على آداب وثقافات محلية وجوارية وأوروبية، كما سيأتي تبيانه لاحقا. إن الإجابة عن سؤال كهذا تكمن، في الإحاطة بهذه الملحمة مذ كانت حكايات بطولية متفرقة، كما عرفت في الأدب السومري، شفاهيا أو مكتوبا، وصولا إلى مراحل تدوين هذه الحكايات وصقلها وتطويرها أو تكييفها، وهو ما استغرق قرونا حتى استوائها بالشكل الرفيع الذي عرفت فيه، وكما وصلتنا، وكان ذلك قبل نحو 4000 سنة، نتيجة اجتهاد الشعراء البابليين، هؤلاء الذين "لم يكونوا مجرد مستنسخين ومقلدين تقليدا أعمى للمادة السومرية، بل إنهم في الواقع بدلوا وغيروا في مضمونها، وكيفوا تركيبها وهيئتها إلى درجة جسيمة لتلائم مزاجهم وتراثهم"، كما ينقل الباحث عن عالم السومريات صموئيل نوح كريمر. بذلك اجترح البابليون لأول مرة نوعا وشكلا أدبيا غير معهود من قبل، هو "الملحمة".




