في العقود الأخيرة، شهد العالم تحولا جذريا في أنماط الغذاء، إذ أصبحت الأطعمة الفائقة المعالجة جزءا أساسا من الحياة اليومية لملايين الأشخاص. ومع تسارع وتيرة الحياة وسهولة الوصول إلى هذه المنتجات، ارتفعت معدلات استهلاكها بشكل غير مسبوق، خاصة في الدول ذات الدخل المرتفع، وهي قد تشكل أكثر من نصف النظام الغذائي اليومي. ورغم ما توفره من سرعة وراحة، فإن الأدلة العلمية بدأت تكشف عن تأثيرات صحية متزايدة لهذه الأطعمة، لا تقتصر على السمنة والأمراض المزمنة، بل تمتد إلى مجالات أكثر حساسية مثل الخصوبة وصحة الأجنة، مما يثير تساؤلات جدية حول تكلفة هذا النمط الغذائي على المدى الطويل.
تعرف الأطعمة الفائقة المعالجة بأنها منتجات غذائية صناعية تخضع لمراحل عدة من التصنيع، وتحتوي غالبا على مكونات مضافة مثل المواد الحافظة، والمنكهات الصناعية، والألوان، والسكريات والدهون المكررة. تتميز هذه الأطعمة بأنها جاهزة للأكل أو تحتاج إلى تحضير بسيط، لكنها تفتقر في المقابل إلى العناصر الغذائية الأساس مثل الألياف والفيتامينات والمعادن.
وتشمل أمثلتها الشائعة الوجبات السريعة مثل البرغر والبيتزا والدجاج المقلي، والوجبات المجمدة والمعكرونة السريعة التحضير، إضافة إلى الوجبات الخفيفة المصنعة مثل رقائق البطاطس والبسكويت والكعك الجاهز، وكذلك المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة والعصائر الصناعية الغنية بالسكر.
اعتمدت الدراسة المنشورة في مارس/آذار الماضي في دورية "هيومن ريبرودكشن" على تصميم طويل الأمد شمل متابعة مجموعة كبيرة من الأزواج منذ ما قبل الحمل وخلال مراحله الأولى، بهدف فهم العلاقة بين النظام الغذائي والخصوبة وتطور الجنين.
وضمت العينة 831 امرأة و651 رجلا من شركائهن، فتم جمع بيانات مفصلة حول عاداتهم الغذائية باستخدام استبيانات في الأسابيع الأولى من الحمل. كما تم رصد مدة حدوث الحمل كمؤشر الى الخصوبة، إلى جانب استخدام فحوص الموجات فوق الصوتية لقياس نمو الأجنة وحجم كيس المح في الأسابيع السابع والتاسع والحادي عشر.
وقد أتاح هذا النهج الشامل للباحثين تحليل التأثير المشترك للنظام الغذائي لدى كلا الشريكين على فرص الحمل وتطور الجنين بدقة أكبر.
حساسية الحيوانات المنوية
أظهرت نتائج الدراسة أن الأطعمة الفائقة المعالجة قد يكون لها تأثير مباشر وملحوظ على خصوبة الرجال، إذ ارتبط ارتفاع استهلاكها بانخفاض فرص الإنجاب وزيادة الوقت اللازم لحدوث الحمل.
ويرجح الباحثون أن السبب يعود إلى حساسية الحيوانات المنوية لنوعية الغذاء، إذ تؤثر هذه الأطعمة، الغنية بالدهون غير الصحية والسكريات والمواد المضافة، على جودة وعدد وحركة الحيوانات المنوية. كما قد تسهم في زيادة الالتهابات والإجهاد التأكسدي في الجسم، وهي عوامل معروفة بتأثيرها السلبي على الصحة الإنجابية. وتشير هذه النتائج إلى أن نمط الغذاء لدى الرجل يلعب دورا أساسا في الخصوبة، مما يستدعي إيلاء اهتمام أكبر للنظام الغذائي عند التخطيط للحمل.
أما لدى النساء، فقد أظهرت الدراسة أن استهلاك الأطعمة الفائقة المعالجة لا يرتبط بشكل مباشر بانخفاض الخصوبة أو تأخر حدوث الحمل، لكنه يرتبط بتأثيرات مبكرة على تطور الجنين. فقد تبين أن النساء اللواتي يستهلكن كميات أكبر من هذه الأطعمة لديهن أجنة تنمو بوتيرة أبطأ بشكل طفيف، إلى جانب ملاحظة صغر حجم كيس المح، وهو عنصر أساس في تغذية الجنين خلال الأسابيع الأولى من الحمل.

