أبعد من المنشآت النووية... الخلاصة الإسرائيلية التي تجعل النظام الإيراني هو الهدف الرئيس

اغتيال العقول

سارة بادوفان
سارة بادوفان

أبعد من المنشآت النووية... الخلاصة الإسرائيلية التي تجعل النظام الإيراني هو الهدف الرئيس

ثمة مفهوم يُعرف بالمعرفة الضمنية، وهو ذلك الفهم العملي غير المكتوب الذي لا يمكن احتواؤه كاملا في المخططات أو المعادلات أو كتيبات التعليمات. فمخطط سلسلة أجهزة الطرد المركزي يبيّن ما ينبغي بناؤه، لكن أربعين عاما من الخبرة الهندسية المتراكمة هي التي تفسر لماذا يتعطل هذا النظام باستمرار، وكيف يمكن إصلاحه.

في عام 1995، نشر عالما الاجتماع في جامعة إدنبرة، دونالد ماكنزي وغراهام سبيناردي، دراسة أصبحت مرجعا في المجلة الأميركية لعلم الاجتماع، ذهبا فيها إلى أن هذا النوع من الخبرة المتجسدة والمرتبطة بالأشخاص يشكل عنصرا حاسما إلى درجة أنه إذا انقطع انتقاله من جيل إلى آخر بين مصممي الأسلحة النووية، فقد يصبح بالإمكان محو اختراع السلاح النووي نفسه. وكتب ماكنزي وسبيناردي أن إعادة تطويره لاحقا سوف تحمل بعض سمات إعادة الاختراع من جديد، وليس مجرد استنساخه.

بالنسبة لإسرائيل، فإنها راحت تختبر هذه الفكرة على نحو أقل تجريدا وأكثر مباشرة. ولذلك، لم تستهدف حملتها الأخيرة الرامية إلى تقويض البرنامج الإيراني المنشآت النووية وحدها، وإنما استهدفت أيضا المعرفة النووية نفسها ومن يحملونها. لكن هل يمكن حقا الخروج من هذا النوع من المعضلات عبر القتل؟

حملة تمتد على أربعة عقود

مضت حرب إسرائيل على البرنامج النووي الإيراني في مسارات متوازية ثلاثة، استهدفت دوائر مختلفة تتجسد فيها القدرة النووية فعليا.

استهدف المسار الأول المنشآت النووية ذاتها، عبر الغارات الجوية أو القنابل أو الفيروسات. ففي مطلع العقد الثاني من الألفية، دمّر سلاح سيبراني طورته الولايات المتحدة وإسرائيل معا، وعُرف باسم "ستكسنت"، نحو ألف جهاز طرد مركزي في منشأة نطنز، بعدما جعلها تدور بصمت بما يتجاوز حدود احتمالها. وفيما بعد، أصابت عدة عمليات- يُشتبه في أن تكون إسرائيل هي من نفذتها- أجزاء مختلفة من برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم، وهو البرنامج الذي يحول اليورانيوم المستخرج من المناجم إلى مادة صالحة للاستخدام النووي العسكري.

أما المسار الثاني، فاستهدف أكثر صور المعرفة النووية الإيرانية مادية. ففي يناير/كانون الثاني 2018، اقتحم عناصر من الموساد مستودعا في طهران، واستولوا في ليلة واحدة على 110 آلاف وثيقة تمثل كامل الأرشيف الإيراني الخاص بالأسلحة النووية. وكشفت العملية، من حيث لا تقصد، حقيقة مهمة، هي أن إيران دوّنت جانبا كبيرا من خبرتها المتعلقة بالأسلحة على نطاق واسع. لكن التدوين شيء، والمعرفة شيء آخر.

أ.ف.ب
لوحة إعلانية تعرض صورا لعلماء نوويين وأجهزة طرد مركزي وعبارة مكتوبة بالفارسية: "العلم قوة"، في ميدان انقلاب بطهران، في 29 أغسطس 2025

أما المسار الثالث، فاستهدف علماء إيران النوويين أنفسهم. وبين عامي 2010 و2012، اغتال الموساد خمسة علماء نوويين إيرانيين باستخدام مسلحين على دراجات نارية وقنابل مغناطيسية لاصقة بالسيارات. وكان أكثر فصول هذه الحملة جرأة، قبل الحروب المباشرة بين إيران وإسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، عندما قتل محسن فخري زاده، العالم الذي عدته أجهزة الاستخبارات الغربية والإسرائيلية مهندس برنامج الأسلحة النووية الإيراني، باستخدام رشاش آلي مستقل يعمل عبر الأقمار الصناعية، هُرّب إلى داخل الأراضي الإيرانية قطعة قطعة، ثم جُمِّع في الموقع.

وكان المساران الأخيران، اللذان يسعيان إلى تدمير المعرفة ذاتها، يفضيان إلى المعضلة الصلبة نفسها. فالمعدات يمكن إعادة بنائها، أما الأشخاص الذين يعرفون كيف تُبنى فلا يمكن تعويضهم بسهولة. ثم جاء عام 2025، فشهد أوسع جهد إسرائيلي لاستهداف المعرفة النووية بالقتل.

كان المساران الأخيران، اللذان يسعيان إلى تدمير المعرفة ذاتها، يفضيان إلى المعضلة الصلبة نفسها. فالمعدات يمكن إعادة بنائها، أما الأشخاص الذين يعرفون كيف تُبنى فلا يمكن تعويضهم بسهولة

عملية نارنيا

في ليلة 12 إلى 13 يونيو/حزيران 2025، وبينما كانت مئات الطائرات الإسرائيلية تشن عملية "الأسد الصاعد" على البنية التحتية العسكرية الإيرانية ومنشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، كانت مهمة أخرى أكثر هدوءا تجري بالتوازي. وحملت الاسم الرمزي "عملية نارنيا"، وهو اسم اختير لأنه يعكس كيف نظر كثير من المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين إلى العملية على أنها شبه مستحيلة. وفي تلك الليلة، قتل عناصر إسرائيليون، في وقت واحد، تسعة من أصل عشرة من كبار العلماء النوويين الإيرانيين، بينما كانوا نياما في منازلهم. وقُتل العاشر بعد ساعات.

وبلغ العدد الإجمالي للعلماء الذين اغتيلوا خلال حرب الأيام الاثني عشر ما لا يقل عن 14، في حين يصل العدد في بعض التقديرات إلى نحو 20. وكان من بين القتلى فريدون عباسي دواني، الرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية، وأحد الخبراء في بادئات النيوترونات، وهي المكونات التي تطلق التفاعل النووي المتسلسل. وكان عباسي دواني قد نجا عام 2010 من محاولة اغتيال بسيارة مفخخة نفذها الموساد. كذلك قُتل محمد مهدي طهرانجي، الفيزيائي النظري ورئيس جامعة آزاد الإسلامية في إيران، وعبد الحميد منوشهر، الذي كان يرأس قسم الهندسة النووية في جامعة الشهيد بهشتي، وأحمد رضا ذو الفقاري درياني، الأستاذ البارز في الهندسة النووية والفيزياء.

أ.ف.ب
محطة فوردو لتخصيب الوقود النووي بعد أسبوع من الضربات الأميركية على ثلاثة مواقع نووية إيرانية في الساعات الأولى من صباح 22 يونيو 2025

ولم يكن هذا التزامن المتعمد أمرا عرضيا. فقد أوضح مسؤول إسرائيلي رفيع أن العلماء قُتلوا في الوقت نفسه لكي لا يأخذ أي منهم حذره. وكانت الاستخبارات الإسرائيلية قد حددت هذه المجموعة المؤلفة من عشرة علماء للتصفية منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بعدما تعقبت عناوين منازلهم وأنماط حياتهم اليومية لأشهر. ويبدو أنهم كانوا يعتقدون أن بيوتهم آمنة، إذ إن عمليات الموساد السابقة كانت تستهدف العلماء أثناء توجههم إلى العمل. وقامت فكرة الضربات المتزامنة داخل المنازل على استغلال هذا الاطمئنان الذي كان خاطئا إلى أقصى حد.

لكن إسرائيل ذهبت أبعد من استهداف الأفراد. فقد استهدفت ضربات يونيو/حزيران 2025 أيضا الذاكرة المؤسسية للبرنامج نفسه، عبر قصف جامعة الشهيد بهشتي وجامعة الإمام الحسين، وكلتاهما متغلغلتان بعمق في المجمع النووي العسكري الإيراني. ثم قصفت أيضا مبنى ربما يكون قد ضم نسخة من الأرشيف النووي الإيراني في الطابق السفلي من مقر منظمة "SPND" في طهران، وهي جهة تضطلع جزئيا بمسؤولية البحث النووي، في ما بدا محاولة لتدمير أرشيف مادي للمعرفة المرتبطة بالأسلحة.

هذه المرة، جاء القتل على نطاق مختلف جذريا، واقترن بتحذيرات صريحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي توعدت بالموت كل عالم يستأنف العمل في مجال الأسلحة النووية، في مسعى إلى ردع استقطاب الكفاءات ومنع استدامة هذا المسار ذاتيا. وقد أكد رد إيران أن الضغط كان حقيقيا، إذ نُقل العلماء الذين نجوا إلى فيلات محصنة في طهران على امتداد الساحل الشمالي للبلاد، وانتقلت عائلاتهم معهم، واستُبدل الأساتذة الذين كانوا يدرّسون في الجامعات.

ذهبت إسرائيل أبعد من استهداف الأفراد. فقد استهدفت ضربات يونيو 2025 أيضا الذاكرة المؤسسية للبرنامج نفسه، عبر قصف جامعة الشهيد بهشتي وجامعة الإمام الحسين، وكلتاهما متغلغلتان بعمق في المجمع النووي العسكري الإيراني

المعرفة الموزعة

كانت إيران، بطبيعة الحال، على وعي بهذا التهديد، وقد شرعت بالتعامل معه حتى قبل "عملية نارنيا". ففي أبريل/نيسان 2025، قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية الأسبق فريدون عباسي: "إن المعرفة النووية في بلادنا موزعة بين القطاعين التعليمي والبحثي، وليست محصورة في منظمة الطاقة الذرية أو مقيدة بمنشآت ومواقع بعينها تابعة لها. نحن نمارس التعليم والبحث النوويين على امتداد البلاد".

ولم يكن ذلك من قبيل التباهي الفارغ. فكما كانت المنشآت المادية نفسها موزعة في أنحاء إيران، كذلك كانت المعرفة التقنية الإيرانية موزعة أيضا على عدد من الأفراد والمؤسسات. وبالفعل، يتوزع الجهاز النووي الإيراني بين المواقع المعلنة التابعة لمنظمة الطاقة الذرية، والمؤسسات العسكرية–التقنية التابعة لـ"الحرس الثوري"، والوحدات البحثية السرية التابعة لمنظمة "SPND"، وشبكة من الأقسام الجامعية التي تعمل تحت غطاء أكاديمي ذي استخدام مزدوج.

رويترز
أفراد من القوات الإيرانية يحملون نعش العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده خلال مراسم جنازته في طهران، إيران، 30 نوفمبر 2020

لهذا ركزت إسرائيل على الجانب الأكثر تحديدا في البرنامج النووي الإيراني، أي جانب التسليح. أما تخصيب اليورانيوم، وهو المسار الذي يوفر المادة الانشطارية اللازمة لصنع قنبلة أو أكثر، فقد بات أصعب بكثير على الإلغاء الكامل. صحيح أن الضربة الأميركية على منشأة فوردو العام الماضي يُرجح أنها طمرت جزءا كبيرا من اليورانيوم الإيراني المخصب، ودمرت عددا من أجهزة الطرد المركزي. لكن من المرجح أن تتمكن إيران، مع مرور الوقت، من نصب أجهزة جديدة وتأمين ما يكفي من المادة الانشطارية. في المقابل، يظل جانب التسليح غير مكتمل، إذ يتطلب تصنيع رأس حربي صغير بما يكفي، فضلا عن تصميم مفجر نووي وإجراء الاختبارات اللازمة. ومن دون استكمال هذه الحلقة، يبقى أي مسعى إيراني لامتلاك قنبلة ناقصا.

ربما يكون اغتيال عالم يعمل في مجال التسليح قد أخّر البرنامج، لكنه لا يوحي بأنه أوقفه. والأكثر إرباكا في الحسابات الإسرائيلية أن استكمال هذه المعرفة بدأ يتجاوز الداخل الإيراني حتى قبل الضربات. فقد أجرى علماء إيرانيون على صلة بمنظمة "SPND" زيارتين سريتين على الأقل إلى مؤسسات عسكرية علمية روسية خلال عام 2024، سعيا إلى تقنيات ليزر تتيح محاكاة ديناميات الانضغاط النووي من دون اختبار فعلي، وهي قدرة كانت ستمنح إيران وسيلة للتحقق من تصميم سلاح نووي من غير العلامة الكاشفة التي يتركها التفجير النووي. وأي محاولة لاكتساب المعرفة عبر أطراف خارجية، سواء من روسيا أو كوريا الشمالية، يرجح أن تتعزز بفعل الحملة الإسرائيلية على الخبرة النووية الإيرانية المحلية، بما قد يوسع هذا الجهد السري في اتجاهات يصعب ضبطها.

قد تكون النتيجة الملازمة لهذا الاستنتاج، من وجهة النظر الإسرائيلية، على القدر نفسه من الأهمية: فإذا كانت المعرفة اللازمة لإنتاج سلاح نووي لا يمكن القضاء عليها تماما، فإن النظام الذي قد يمتلك هذا السلاح هو الذي ينبغي إزالته

نجاحات وحدود

أين يضع هذا الأمر إسرائيل؟ إنه يضعها أمام إنجاز حقيقي، وإن ظل محدود الأثر. فقد قتلت الضربات جيلا من العلماء حمل أربعة عقود من الخبرة المتراكمة في مجال التسليح النووي، وهم أشخاص لا يمكن تعويضهم بسرعة أو بكلفة يسيرة. وهذا إضعاف فعلي، لكن أثره يُقاس بالسنوات، لا بما هو أكثر ديمومة.

أما أطروحة ماكنزي وسبيناردي عن إلغاء الاختراع، فتتطلب أمرا أشد من ذلك: لا مجرد انتكاسة، وإنما انقطاع حاسم، أي فجوة زمنية طويلة بما يكفي في العمل التصميمي النشط على امتداد جيل كامل، من دون انتقال المعرفة إلى الخلفاء. لقد قصرت إسرائيل الجدول الزمني الإيراني، وربما بعثرت تماسك جيل من الخبراء. لكنها لم تحقق، وربما لا تستطيع أن تحقق، هذا الانقطاع الكامل. فما زال لدى إيران علماء نجوا ويختبئون، وروسيا تمثل خزان خبرة خارجيا، كما أن لديها مسارا أكاديميا موزعا، ومنطقا استراتيجيا يدفعها إلى التسلح النووي وقد ازداد رسوخا تحت وطأة الهجوم.

إن قصف المعرفة النووية ممكن، ولعله ينجح في تأخير البرنامج النووي الإيراني. لكنه لم يفض إلى إزالة البرنامج من أساسه، إذ إن ذلك يتطلب حملة أوسع وأكثر استمرارا، أي حربا مفتوحة ستكون باهظة الكلفة على إسرائيل والمنطقة. وقد تكون النتيجة الملازمة لهذا الاستنتاج، من وجهة النظر الإسرائيلية، على القدر نفسه من الأهمية: فإذا كانت المعرفة اللازمة لإنتاج سلاح نووي لا يمكن القضاء عليها تماما، فإن النظام الذي قد يمتلك هذا السلاح هو الذي ينبغي إزالته.

font change

مقالات ذات صلة