الكويت تحت ضغط الحرب... التقشف رهينة النفط؟

تذبذب الإيرادات النفطية وضغوط الإنفاق الدفاعي يعيدان رسم أولويات المالية العامة

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
دخان يتصاعد من مطار الكويت الدولي، عقب الاستهداف الإيراني 1 أبريل 2026

الكويت تحت ضغط الحرب... التقشف رهينة النفط؟

أعلنت الكويت موازنة الحكومة السنوية للسنة المالية 2026/2027. قد يكون إعلان الموازنة في هذا الوقت وفي ظل حرب دائرة في المنطقة من الأمور الصعبة التي تمثل تحديات حقيقية، لكن التزام المواعيد الدستورية يظل من الأعمال الواجبة.

قُدرت الإيرادات بـ 16.3 مليار دينار (52.8 مليار دولار) منها 12.8 مليار دينار (41.5 مليار دولار) إيرادات نفطية ما نسبته 79 في المئة. وقد احتُسِبت الإيرادات النفطية على أساس 57 دولارا لبرميل النفط الكويتي. قد يتساءل البعض عن أسباب تحديد هذا السعر علما بأن سعر برميل النفط شارف 150 دولارا في الآونة الأخيرة، لكن الكويت توقفت عن الإنتاج والتصدير واستخدمت القوة القاهرة في عقود مبيعات النفط نظرا للحرب الدائرة وإغلاق مضيق هرمز. في طبيعة الحال، لا يمكن الاعتداد بالأسعار العالية للنفط وقد تتراجع دراماتيكيا بعد أن تصمت المدافع.

وحُدِّد إجمالي الانفاق بـ26.1 مليار دينار (84.3 مليار دولار). وتشكل الرواتب والدعوم 76 في المئة من إجمالي المصروفات، ويتوقع أن يتم توظيف 14,518 من الكويتيين خلال السنة المالية الجديدة، مما يؤكد استمرار الاعتماد على الدولة في توظيف الكويتيين.

قُدرت الإيرادات بـ 16.3 مليار دينار (أو 52.8 مليار دولار) منها 12.8 مليار دينار أو (41.5 مليار دولار) إيرادات نفطية

ورصدت الموازنة 3.1 مليار دينار (10 مليار دولار) للإنفاق الرأسمالي، أما العجز المتوقع فقد يبلغ 9.8 مليار دينار (31.7 مليار دولار)، وهو عجز قياسي، كثاني أكبر عجز في تاريخ البلاد، بعد العجز القياسي المسجل في عام 2021، وتجاوز آنذاك حاجز 10 مليارات دينار (32.59 مليار دولار).

الموازنة وآثارها الاقتصادية

تمثّل الموازنة العامة في الكويت أهم المؤشرات لقياس الأوضاع الاقتصادية حيث لا تزال الدولة تلعب الدور المهيمن في الحياة الاقتصادية وتطبّق آليات الاقتصاد الريعي.

تؤثر آليات الإنفاق العام على أوضاع المؤسسات الخاصة وعلى الحياة المعيشية للمواطنين والمقيمين. وهنا يُطرَح سؤال مهم هل ستكون هذه الموازنة ومخصصاتها كافية لمواجهة أوضاع البلاد بعد نهاية الحرب؟

.أ.ف.ب
مقر البورصة الكويتية، 1 مارس 2026

تضررت الكويت، مثل بقية دول الخليج، من الاعتداءات الإيرانية التي طالت مرافق حيوية مثل المطار والموانئ ومحطات الكهرباء ومحطات تقطير المياه ومبان حكومية ومنها مبنى التأمينات الاجتماعية ومجمع الوزارات، ناهيك بمصافي النفط وغيرها من منشآت نفطية وقواعد عسكرية جوية وبحرية. وتتطلب هذه الأضرار تخصيص أموال طائلة لإصلاحها ومعالجتها. يضاف إلى ذلك أن هناك إمكانات لتخصيص أموال لحساب الدفاع بعدما تبينت أهمية الاستثمار في وسائل الدفاع الجوي واعتماد أنظمة متقدمة تكنولوجيا.

الإيرادات النفطية

قد يكون من الصعب تقدير الإيرادات النفطية خلال السنة المالية الجديدة إلا بعد أن تصل الأطراف المتحاربة إلى توافق على إنهاء الحرب بشكل تام. صحيح أن الولايات المتحدة أعلنت اتفاقها مع إيران يوم الأربعاء 8 أبريل/نيسان على هدنة لمدة أسبوعين. سيتم خلالها التفاوض على مختلف القضايا الخلافية تمهيدا لإعلان نهاية النزاع وتسوية الأمور المتعلقة بالتخصيب النووي وإنتاج الصواريخ والمسيرات. بالإضافة إلى وقف دعم المنظمات الموالية لإيران في لبنان والعراق واليمن وفلسطين والتوقف عن إثارة العنف من قبل خلايا نائمة في بلدان المنطقة تعمل لحساب إيران. حتى الآن، يبدو أن الاتفاق لا يزال هشا، خصوصا في ما يتعلق بفتح مضيق هرمز للملاحة العالمية الحرة ووقف الاعتداءات على بلدان الخليج. 

ومع تعثّر المفاوضات التي اجتمع فيها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في باكستان للتباحث في شأن وقف الحرب، قفزت أسعار النفط متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل، في ظل استعداد البحرية الأميركية لفرض سيطرتها على حركة الملاحة في مضيق هرمز

لكن لو افترضنا أن الأمور سارت كما تتمنى الإدارة الأميركية وقررت إيران التحول إلى بلد مسالم ينشد علاقات حسن الجوار وينفق الإيرادات النفطية وغيرها لصالح الشعب الإيراني، فهل تتمكن دول الخليج من استئناف إنتاجها من النفط والغاز وبأي مستويات؟

بلغ إنتاج النفط الخام في الكويت خلال شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/ شباط من العام الجاري ما يقارب 2.6 مليون برميل يوميا، مع العلم أن إنتاج النفط توقف خلال شهر مارس/آذار، نتيجة الحرب. فهل يمكن أن نأمل باستئناف الإنتاج حول هذا المستوى خلال الأشهر المتبقية من العام المالي الحالي؟ وهل سيكون التصدير متاحا دون عراقيل؟

.أ.ف.ب
ميناء الشويخ، الكويت 28 فبراير 2026

إذا تعدلت الأوضاع الأمنية وأصبحت حركة النقل متاحة في مضيق هرمز،  يمكن افتراض بلوغ إيرادات النفط بموجب السعر المحدد في الموازنة، 57 دولارا للبرميل، 54.1 مليار دولار (16.7 مليار دينار كويتي)، وهو يزيد على ما ورد في مشروع الموازنة المعتمد، مع العلم أن هناك تكاليف تُخصَم من الإيرادات. بيد أن إمكانات تحقيق إيرادات أعلى مما هو متوقع محتملة في ظل أوضاع سوق النفط بعد الحرب وتعطل الإمدادات.

وتشير أسواق النفط إلى أن سعر برميل خام غرب تكساس بلغ 95.5 دولارا و 95.2 دولارا لخام برنت يوم الأربعاء 8 مارس/آذار. ومع تعثّر المفاوضات التي اجتمع فيها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في باكستان للتباحث في شأن وقف الحرب، قفزت أسعار النفط متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل، في ظل استعداد البحرية الأميركية لفرض سيطرتها على حركة الملاحة في مضيق هرمز. وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت لتصل إلى 102.31 دولار للبرميل. أما في 14 أبريل/نيسان، ومع عودة الآمال باستئناف المفاوضات العالقة، فعادت أسعار وتراجعت وانخفض خام برنت إلى نحو 97 دولارا للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة وصلت إلى 3.4 في المئة إلى 95.69 دولارا.

تتجه الكويت لتعزيز الإيرادات غير النفطية المقدّرة عبر الرسوم والضرائب والاستثمارات، بالتوازي مع اللجوء إلى قانون الدين العام لتمويل العجز والمشاريع

قد لا تكون هذه الأسعار متاحة بعد إعلان التوصل إلى نهاية النزاع في هذه المنطقة. في المقابل، وفي "سيناريو وردي" أكثر، قد تتراجع الأسعار إلى نطاقات بين 60 إلى 70 دولارا، كما توقع المراقبون لأسعار النفط خلال العام قبل بداية الحرب. لكن الأهم في الأمر هو القدرة على استئناف الإنتاج والتصدير، وكما سبق لمؤسسة البترول في الكويت الإعلان بأن إعادة تشغيل المنشآت النفطية تتطلب ثلاثة إلى ستة شهور وهي مدة طويلة ستؤكد فاقد الإيرادات.

.أ.ف.ب
حقل الزور النفطي في وسط البحر جنوب الكويت، 29 مايو 2024

يذكر ان منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) خفضت في تقريرها الشهري الصادر الاثنين في 13 أبريل/نيسان توقعاتها للطلب العالمي على النفط خلال الربع الثاني بنحو 500 ألف برميل يوميا، بسبب تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

تمويل الموازنة

في ظل الضبابية السائدة في شأن إنتاج وتصدير النفط لا بد من البحث عن إيرادات غير نفطية لمواجهة الالتزامات المستحقة في بنود الاتفاق. قدرت الإيرادات غير النفطية في موازنة 2026/2027 بـ3.5 مليار دينار كويتي (11.4 مليار دولار) وتمثل 21 في المئة من إجمالي قيمة الموازنة، مصدرها زيادة الرسوم الحكومية، وتطبيق ضرائب على الشركات الأجنبية، واستثمارات الهيئة العامة للاستثمار، وتحفيز القطاعين السياحي واللوجستي. وقد اعتمدت الكويت قانون الدين العام رقم 60 لسنة 2025 الذي أجاز الاقتراض لسقف 30 مليار دينار (97 مليار دولار) بأجل يصل إلى 50 عاما. وأجاز القانون تمويل عجز الموازنة وتمويل المشاريع الرأسمالية والتنموية وسداد الالتزامات الحكومية المتنوعة.

وبدأت الحكومة الكويتية بإصدار سندات وأذونات الخزانة وبلغت هذه الديون الحكومية في سبتمبر/أيلول 2025 ما يعادل 1.6 مليار دينار (5.2 مليار دولار). وبموجب التوقعات الحكومية يمكن أن ترتفع إلى 2.5 مليار دينار  (8.3 مليار دولار) في نهاية فبراير/شباط  2026. ولا شك أن هذه الديون قد ترتفع خلال الشهور المقبلة في ظل الحرب وتبعاتها على النفط.

ترشيد الانفاق العام

هل يمكن أن تعمل الإدارة المالية في البلاد على ترشيد الإنفاق العام من أجل خفض النفقات؟

قد يكون من الصعب ترشيد بند الرواتب والأجور في ظل الشكوى المستمرة من ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف القدرات الشرائية. كما أن توظيف المواطنين خارج إطار الدوائر الحكومية ومؤسساتها بات صعب المنال، ولذلك ربما يكون الترشيد متاحا في بنود الدعم الذي تبلغ قيمته 4 مليار دينار كويتي (نحو 13 مليار دولار)، وتشكل دعومات الطاقة والوقود ما يمثل 45 في المئة. قد تبتدع الإدارة المالية تصورات لتعديل شرائح الاستهلاك بما يعزز الترشيد ورفع التعرفة، وهذا يخضع لاعتبارات سياسية.

مهما يكن من أمر، أمام الحكومة فرصة جيدة على ضوء الأوضاع الراهنة لإقناع المواطنين بأهمية تبني برامج ترشيد للإنفاق في مختلف المجالات للوقاية من فخ الدين العام. وفي الوقت نفسه، توفير الأموال اللازمة لمواجهة الأضرار وإنجاز المشاريع التنموية فضلا عن التمكن من الإنفاق على أنظمة الدفاع بموجب التنسيق مع دول الخليج الأخرى.

font change