لا يمكن لإيران الاعتماد على مضيق هرمز... لماذا؟

صمد النظام لكن نجاته لا تعني أنه يملك تلك القوة التي يتوهمها

(رويترز)
(رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العُمانية، في ظل التوترات التي تهدد الملاحة في الممر الحيوي، 12 أبريل 2026

لا يمكن لإيران الاعتماد على مضيق هرمز... لماذا؟

لا يُعرف عن مجتبى خامنئي ولعه برياضة الغولف، ولا استعراضه قوته برفع الأوزان الثقيلة. لكن في عالم المبالغة والتباهي، قد لا يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الحرب بيت هيغسيث من ينافسهما سوى الزعيم الأعلى في إيران. فبمجرد أن توقفت القنابل الأميركية والإسرائيلية عن الهطول على إيران، سارع خامنئي، الذي اعتلى المنصب عقب مقتل والده في الضربة الافتتاحية في الحرب، إلى إعلان أن الجمهورية الإسلامية حققت "النصر النهائي". ولم يبتعد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني كثيرا عن هذا الخطاب، إذ أكد أن "معظم أهداف الحرب" تحققت. وسرعان ما أخذت وسائل الإعلام الرسمية، على عادتها، تروج لصورة بلد دخل طورا جديدا من القوة.

وفي الغرب أيضا، يروج بعض المعلقين لرواية تقول إن إيران خرجت من هذه الحرب أكثر قوة مما كانت عليه قبل ستة أسابيع فقط. ووفق هذا التصور، نجح الإيرانيون في امتصاص الحملة الجوية الأميركية-الإسرائيلية، ثم ردوا بضربة حاسمة عبر إغلاق مضيق هرمز، فأحدثوا هزة في الاقتصاد العالمي دفعت الولايات المتحدة إلى السعي لعقد لقاء في باكستان.

يخلط هذا التحليل بين مجرد البقاء ومظاهر القوة. نعم، كما رأى كثيرون، وأنا منهم، تخسر الولايات المتحدة في هذا النزاع إذا عجزت عن تحقيق نصر واضح، فيما تكسب إيران بمجرد قدرتها على الصمود. لكن ما لا خلاف عليه هو أن حملة القصف الأميركية الإسرائيلية ألحقت بالجمهورية الإسلامية أضرارا جسيمة. ولا يحتاج التعافي من هذا الوضع إلى الوقت والمال وحدهما، بل يتطلب أيضا قدرا كبيرا من الاستقرار السياسي والجيوسياسي، وهي أمور لا تملك طهران، حتى في أفضل الظروف، سوى هامش ضيق للتأثير فيها.

(رويترز)
تصاعد الدخان في منطقة الفجيرة النفطية بعد حريق ناجم عن حطام مسيرة جرى اعتراضها، 4 مارس 2026

أما ورقة هرمز، فعلى رغم جدواها في سياق هذه الحرب، فلا شيء يضمن أن يبقى تكرارها في أي مواجهة مقبلة ممكنا، أو أن يفضي إلى الأثر نفسه.

والآن، ومع استمرار وقف إطلاق نار هش، تبدو اللحظة مواتية لإجراء مراجعة واقعية وهادئة لما آلت إليه الأمور.

لن يجد دونالد ترمب ووزير حربه في عالم المبالغة والتباهي من ينافسهما سوى الزعيم الأعلى في إيران مجتبى خامنئي

لنبدأ بحجم الخسائر التي تكبدتها إيران، فالقائمة هنا طويلة. شكّل استهداف قمة الهرم القيادي ضربة قاسية للنظام. إذ قُتل الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي في 28 فبراير/شباط، ومعه عشرات من أبرز رموز السلطة، بينهم قادة بارزون في الجيش وأجهزة الاستخبارات. ثم تواصل سقوط المزيد من القتلى منذ ذلك الحين.

قد يفهم انتقال المنصب من "مرشد أعلى" أمضى عقودا في ترسيخ هيمنة المؤسسة الدينية والسياسية إلى نجله الأقل حضورا، مجتبى خامنئي، الذي نُصب خلال أيام قليلة في اجتماع طارئ لـ"مجلس خبراء القيادة، على أنه دليل على قدر من التماسك المؤسسي، لكنه لا يوحي أبدا بمشهد قوة.

ثم هناك فصول الدمار التي طاولت البنية العسكرية الإيرانية وكوادرها. وحتى على افتراض أن أطراف الحرب بالغت في بعض رواياتها، يصعب إنكار أن القدرات التقليدية لإيران في سلاحي البحر والجو تلقت ضربات قاسية، وكذلك قطاع واسع من منظومتها الدفاعية الجوية، بما يشمل الرادارات ووسائل الرصد والإنذار. أما ترسانة الصواريخ الباليستية، التي قُدرت بنحو ثلاثة آلاف صاروخ عام 2022، فقد كانت تراجعت أصلا بعد حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل في العام الماضي، قبل أن تنحسر أكثر في المواجهة الراهنة. وإلى جانب ذلك، واصلت الولايات المتحدة وإسرائيل طوال ستة أسابيع استهداف منشآت تصنيع الصواريخ ومخازنها والبنية المرتبطة بإطلاقها على نحو منتظم.

(أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجانب ملصق يحمل صورة مجتبى خامنئي في طهران، بعد فشل محادثات السلام بين واشنطن وطهران، 13 أبريل 2026

تتعمد طهران إخفاء الكلفة البشرية للحملة العسكرية. إذ اكتفت وزارة الصحة الإيرانية بنشر أرقام تخص المدنيين وحدهم، فيما حجبت أي حصيلة موثوقة لقتلى الجيش. وما يسعى النظام إلى حجبه هو الحجم الحقيقي لخسائره في صفوف العسكريين. وبالنظر إلى كثافة القصف وطبيعة الضربات التي استهدفت عناصر القوة العسكرية الإيرانية، يمكن الافتراض بأن عدد القتلى يتجاوز بفارق كبير رقم 3,000 الذي أعلنه كبير مسؤولي الطب الشرعي في البلاد.

قدرات إيران في سلاحي البحر والجو تلقت ضربات قاسية، وكذلك منظومتها الدفاعية الجوية، وترسانة الصواريخ الباليستية

ثم يأتي الضرر الذي أصاب البنية التحتية المدنية، من الجسور إلى الجامعات، والقاعدة الصناعية للبلاد. فالاقتصاد الإيراني، الذي يعاني الضعف أصلا، بات مثقلا الآن بأعباء إضافية هائلة لإعادة الإعمار، ومن المستبعد أن تكفي الرسوم المفروضة على السفن العابرة لمضيق هرمز لتغطية هذه الكلفة. ولا تملك إيران فرصة حقيقية لتأمين أموال كبيرة إلا إذا وافقت إدارة ترمب على تخفيف عقوباتها الاقتصادية، وهو أمر لا يمكن التعويل عليه.

كذلك لا تستطيع طهران أن تنتظر دعما كبيرا من جيرانها، بعدما أغضبت كثيرين منهم طوال الحرب. وهذه خسارة قد لا تقاس بالدولار، لكنها لا تقل وطأة عنها.

مع بداية الحرب، راهنت إيران في حساباتها الاستراتيجية على أن قصف عواصم الخليج العربية بالصواريخ والطائرات المسيرة، من أبوظبي والكويت إلى الدوحة، سيدفع تلك الحكومات إلى ممارسة ضغط على واشنطن للتراجع. لكن هذا الرهان أخفق، بل انقلبت نتائجه عليها تماما. ولم يسع أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات وأحد أكثر الاستراتيجيين تقديرا في الخليج، إلى تلطيف موقفه. إذ قال لصحيفة "ذا ناشيونال" إن إيران "خدعت جيرانها قبل الحرب بشأن نواياها، وكشفت عن عدوان مبيت رغم جهودهم الصادقة لتفاديه". وأضاف أن إطلاق آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة على البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة لا يعكس قوة، بل يجسد "غرورا وفشلا استراتيجيا".

(أ.ف.ب)
أنقاض مبنى منهار في جامعة شريف بطهران عقب ضربات، مع عودة إمدادات الغاز بعد هجوم استهدف منشآت الضغط والتوزيع، 7 أبريل 2026

وأفضت هذه الحملة إلى ترسيخ اصطفاف دول الخليج إلى جانب واشنطن. ويظهر ذلك من خلال ما أظهرته دولة الإمارات من استعداد واضح للانضمام إلى ائتلاف عسكري في مواجهة تهديد إيران لمضيق هرمز. كذلك خلص مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى موقف موحد يطالب بأن يتضمن أي اتفاق سلام كبحا دائما لقدرات إيران الصاروخية وقدراتها في مجال الطائرات المسيرة.

على مدى أربعة عقود، سعت طهران إلى إبقاء الخليج في منطقة رمادية، عبر مزيج من الترهيب والانفتاح المتقطع، في محاولة لثني جيرانها عن الارتماء الكامل في الحضن الأميركي. لكن هذه الضبابية تبددت اليوم.

راهنت إيران على أن قصف عواصم الخليج سيدفع حكوماتها لممارسة الضغط على واشنطن... لكن هذا الرهان أخفق، وانقلبت نتائجه عليها تماما

في مقابل كل ذلك، تبدو خانة "الانتصار" في ميزان المكاسب والخسائر شبه خالية على نحو لافت. فالإنجاز الاستراتيجي الوحيد الواضح الذي يمكن لإيران أن تستند إليه في هذه الحرب هو إغلاق مضيق هرمز. ولوقت طويل، ظلت القدرة على خنق 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية مجرد تهديد نظري تلوح به طهران. أما الآن، فقد غدت واقعا مؤكدا. وقد وصفت الوكالة الدولية للطاقة ذلك بأنه "أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية".

لكن هل يمكن التعويل على استخدام سلاح هرمز مرة أخرى؟ لقد نجح الإغلاق إلى حد بعيد لأنه باغت خصما لم يكن مستعدا. فلم يكن ترمب يملك خطة طوارئ، ولا تصورا متفقا عليه سلفا لتقاسم الأعباء مع حلفائه في الخليج، ولا آلية استجابة منسقة. غير أن طهران لا تستطيع أن تراهن دائما على هذا القدر من الارتباك لدى خصومها.

استهانت إدارة ترمب باحتمال أن تقدم إيران على إغلاق هرمز، وتصرفت بطيش حين لم تتهيأ لهذا السيناريو. لكن من غير المرجح أن يتكرر هذا الخطأ. فعندما يبدأ المخططون العسكريون في الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية رسم تصوراتهم لأي حرب مقبلة، سيفترضون منذ البداية أن طهران قد تتحرك سريعا لخنق الملاحة في المضيق، وسيعملون على إعداد خطط استباقية وإجراءات مضادة. ويمكن أن يشمل ذلك مواجهة بحرية أشد حزما، وضربات وقائية تستهدف بطاريات الصواريخ التي تمثل التهديد الأكبر لطرق الشحن، إلى جانب توظيف الطائرات المسيرة في مواجهة الزوارق الإيرانية السريعة.

ولن يقتصر الاستعداد لأسوأ الاحتمالات على المخططين العسكريين وحدهم. فمستهلكو السلع الحيوية التي تعبر المضيق، من الهيدروكربونات إلى الأسمدة والألومنيوم، سيعيدون هم أيضا ترتيب حساباتهم. كما ستراجع الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند تصوراتها الخاصة بإمدادات الطوارئ، على أساس أن إغلاق هرمز لم يعد احتمالا ثانويا، بل فرضية أساسية ينبغي البناء عليها. ونتيجة لذلك، ستتجه الاستثمارات إلى التوسع في قدرات التخزين، وسيرتفع الإنفاق على مصادر الوقود البديلة.

(رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العُمانية، في ظل التوترات التي تهدد الملاحة في الممر الحيوي، 12 أبريل 2026

وبالمثل، سيتحرك المنتجون والموردون استعدادا لأي إغلاق مقبل. فالخياران المتاحان حاليا لتجاوز المضيق في نقل النفط، وهما خط الأنابيب السعودي بين الشرق والغرب وصولا إلى ينبع، وخط حبشان الفجيرة في الإمارات، لا تتجاوز طاقتهما القصوى المشتركة ما بين 8 ملايين و9 ملايين برميل يوميا. ومن المرجح أن يجري توسيع هذين المسارين بأقصى سرعة تسمح بها الموارد السعودية، بالتوازي مع ضخ استثمارات إضافية لتحصينهما من الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيرة. كذلك ستتجه الوكالة الدولية للطاقة، التي أشرفت في الأسبوع الثاني من هذه الحرب على أكبر عملية سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، إلى إعداد خطط طوارئ خاصة بأي مواجهة مقبلة.

طهران لا تستطيع أن تراهن دائما على الارتباك لدى خصومها بإغلاق مضيق هرمز ففي أي معركة مستقبلية سيكون لدى الأميركيين خطط طوارئ

ثمة معضلة أعمق في سلاح هرمز لا يستطيع صناع القرار في طهران تجاهلها، فهو سلاح يرتد على مستخدمه. فإيران نفسها تصدر نفطها عبر هذا المضيق، والنظام في أمسّ الحاجة إلى تلك العائدات. في هذه الجولة، سمحت إدارة ترمب لناقلاتها بمواصلة الإبحار داخل الخليج، لأنها كانت تسابق الوقت لاحتواء القفزة الحادة في أسعار النفط. لكن خصما أكثر جاهزية وأطول نفسا يمكنه أن يختار ببساطة التريث حتى تستنفد إيران حصارها لهرمز، أو يمضي إلى تطويق صادراتها وخنقها، كما يحاول ترمب الآن أن يفعل، ولكن من دون إعداد كاف.

لطالما انطلق كثيرون من فرضية أن إيران أقدر من جيرانها على تحمل الألم، وأنها تستطيع الصمود في وجه حصار طويل. لكن هذه الفرضية لم تُختبر فعليا على هذا النحو. ومع تداخل جميع العوامل المذكورة آنفا، من اقتصاد بات في وضع أسوأ مما كان عليه قبل اندلاع الحرب، إلى عدو أكثر استعدادا وسوق أشد تأهبا، فإن مستوى الألم الذي ستواجهه إيران سيتغير، وكذلك حدود الصبر لدى خصمها.

في المحصلة، قامت العقيدة الأمنية الإيرانية منذ عام 1979 على سلسلة أدوات غير متماثلة نجح كل منها في مرحلة، ثم جرى تحييده تدريجيا وبصورة منهجية. وكانت بدأت إسرائيل تفكيك شبكة الوكلاء التي تضم "حزب الله" و"حماس" والحوثيين وقوات "الحشد الشعبي" في العراق قبل اندلاع هذه الحرب. كذلك خضعت استراتيجية إنهاك الدفاعات بوابل من الصواريخ، أي الفكرة القائلة إن إيران قادرة على إرباك الدفاعات الإسرائيلية والأميركية بمجرد الكثافة العددية، للاختبار في أبريل/نيسان وأكتوبر/تشرين الأول 2024، لكنها بدت عاجزة عن تحقيق ما وعدت به. وخلص تحقيق نشرته صحيفة "هآرتس" إلى أن الصواريخ الباليستية الإيرانية تعاني كثافة في المكونات متدنية الجودة، إلى حد دفع أحد المحللين إلى التساؤل عما إذا كانت "صواريخ ألعاب للأطفال".

يمكن لمضيق هرمز أن يمنح طهران بالفعل أداة ردع بصيغة جديدة. لكن إذا تكرر المسار نفسه، فالأرجح أن هذا السلاح سيفقد بدوره فاعليته بعد استخدامه الأول. فقد استنفد عنصر المفاجأة الاستراتيجية، والعالم سيبحث عن وسائل تحد من الكلفة التي تستطيع إيران فرضها.

قد يضاهي مجتبى خامنئي ترمب في لغة التباهي، لكن الدولة التي ورثها عن والده خرجت مثقلة بدمار واسع، فيما تبدو فرص التعافي قاتمة. فجميع الأزمات التي كانت قائمة قبل 28 فبراير/شباط ما زالت على حالها، بل ازدادت تعقيدا بفعل ما خلفته الحرب.

قد ينجو، لكن ذلك لا يعني أنه خرج من هذه الحرب أقوى.

font change

مقالات ذات صلة