بين الدبلوماسية والتصعيد... إلى أين تتجه المفاوضات الأميركية-الإيرانية؟

أما الحرب فثمة احتمال أن تتجه نحو مزيد من التصعيد

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
حارس باكستاني يمر أمام لوحة إعلانية لمحادثات السلام الأميركية-الإيرانية في إسلام آباد، مع إعلان فشل التوصل لاتفاق، 12 أبريل 2026

بين الدبلوماسية والتصعيد... إلى أين تتجه المفاوضات الأميركية-الإيرانية؟

انتهت المفاوضات التي استمرت أقل من يوم واحد بمؤتمر صحافي مقتضب لم يتجاوز الثلاث دقائق، ومن دون اختراق يذكر. فقد بدأت المحادثات الأميركية-الإيرانية عصر السبت، واستمرت طوال الليل لنحو 21 ساعة. وبحلول اللحظة التي ظهر فيها جيه دي فانس أمام الصحافيين في إسلام آباد، كانت الشمس أشرقت على العاصمة الباكستانية. وقال نائب الرئيس الأميركي: "لم نتوصل إلى اتفاق. لقد أوضحنا بصورة جلية للغاية ما هي خطوطنا الحمراء... وهم اختاروا أن لا يقبلوا شروطنا".

كان المزاج في الجانب الإيراني متشائما بالقدر نفسه. فقال إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية، إن المحادثات جرت في أجواء من "انعدام الثقة والريبة". واتهمت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية ما وصفته بـ"المطالب الأميركية التعجيزية" بإفشال التوصل إلى اتفاق. وغادر رئيسا الوفدين عائدين إلى بلديهما، من دون تحديد موعد لجولة جديدة.

غير أن إخفاق قمة واحدة لا يعني أن الدبلوماسية لفظت أنفاسها. فما زالت هناك فرصة لمزيد من المحادثات، إذ يفترض أن يستمر وقف النار الذي أعلنه الطرفان في الثامن من أبريل/نيسان لمدة أسبوعين، مع إمكان تمديده باتفاقهما. ومع أن فانس تحدث وكأن باب التفاوض أوصد تماما، فإن تقديم "عرض نهائي" ثم الانسحاب يمثل في حد ذاته أحد أساليب التفاوض. ولكن ما آلت إليه مباحثات إسلام آباد يكشف مدى الصعوبة الكامنة في إنهاء حرب يعتقد كل طرف فيها أنه يقترب من الانتصار.

(أ.ف.ب)
فانس يتحدث في مؤتمر صحافي بعد فشل المحادثات، بحضور كوشنر وويتكوف، 12 أبريل 2026

ومع ذلك، كان ثمة مؤشرات تدعو إلى التفاؤل. فهذه أرفع مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وشعر الإيرانيون بالارتياح لأن فانس ترأس الوفد الأميركي، على أمل أن يكون الرجل، الذي يعلن تشككه في حروب الشرق الأوسط ويطمح إلى الرئاسة، أكثر حرصا على بلوغ اتفاق. وجلس في مواجهته محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، وهو منصب لا يعكس أهميته الحقيقية، إذ يعد أحد أقوى الرجال المتبقين في السلطة.

فشل قمة واحدة لا يعني موت الدبلوماسية ولا يزال هناك نحو أسبوعين لمزيد من المحادثات

ويقول دبلوماسيون إن المحادثات كانت جادة ومكثفة، وإن التسريبات منها ظلت محدودة للغاية. واصطحب كل طرف فريقا من الخبراء لمناقشة التفاصيل، في ابتعاد مرحب به عن جولات سابقة، عندما كان ستيف ويتكوف، مبعوث ترمب إلى الشرق الأوسط، يحاول التعامل مع الملفات النووية المعقدة بالارتجال أكثر من المعرفة.

وخلال الأيام التي سبقت الاجتماع، هددت إيران بعدم الحضور أصلا ما لم يفض وقف إطلاق النار أيضا إلى وقف الحرب الإسرائيلية في لبنان. وطلبت الولايات المتحدة من إسرائيل الحد من غاراتها الجوية هناك، من دون أن توقف الحرب بصورة كاملة. وفي نهاية المطاف، لم يحتل لبنان موقعا محوريا في المحادثات. ويقول دبلوماسيون مطلعون على المفاوضات إن التركيز انصب على ثلاثة ملفات: الأموال، والسفن، واليورانيوم.

ولمح فانس إلى أن الملف النووي كان العقدة الرئيسة التي أفشلت الاتفاق. وقال: "نحتاج إلى التزام واضح منهم بأنهم لن يسعوا إلى امتلاك سلاح نووي، ولن يسعوا إلى امتلاك الأدوات التي تمكنهم من الوصول بسرعة إلى سلاح نووي". ولم يزد على ذلك شرحا. غير أن الولايات المتحدة أصرت، خلال الجولتين السابقتين من المحادثات، على أن تتخلى إيران، ليس فقط عن مخزونها الذي يزيد على 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، وإنما أيضا عن حقها في تخصيب أي يورانيوم على الإطلاق. ورفضت إيران هذا المطلب مرارا.

(أ.ف.ب)
فانس يصافح مسؤولين باكستانيين قبيل مغادرته إسلام آباد عقب مفاوضات فاشلة بين واشنطن وطهران، 12 أبريل 2026

ومع ذلك، لم يكن مرجحا أبدا أن ينجح الطرفان في تسوية هذا الخلاف خلال أسبوعين، فضلا عن اجتماع واحد. ففي آخر مرة تفاوضت فيها الولايات المتحدة وإيران بشأن اتفاق نووي، خلال العقد الماضي، استغرقت العملية عامين كاملين. والأرجح أن تفضي هذه المحادثات إلى اتفاق مرحلي يتناول اثنتين على الأقل من القضايا الثلاث الرئيسة، وتمنح الطرفين مزيدا من الوقت لمواصلة التفاوض.

لم يكن لبنان محوريا في المحادثات... فالتركيز انصب على ثلاثة ملفات: المال، والسفن، واليورانيوم

وسيكون على إيران أن تتخلى عن سيطرتها على مضيق هرمز، وربما أيضا عن مخزونها من اليورانيوم القريب من درجة الاستخدام العسكري. وفي المقابل، سيكون على الولايات المتحدة أن تقدم حوافز اقتصادية، ربما عبر الإفراج عن مليارات الدولارات من عائدات النفط الإيراني المجمدة في مصارف أجنبية بفعل العقوبات.

وترتبط المعضلة بترتيب الخطوات بقدر ارتباطها بجوهر القضايا. ويتجلى ذلك بوضوح في ملف اليورانيوم. فإيران تنظر إليه على أنه ورقة ضغط ثمينة، يمكن أن تكون ثمنا لاتفاق شامل، لا لتسوية مؤقتة. أما الأميركيون، فيفضلون حسم هذا الملف سريعا، خشية أن يبقى في يد إيران طوال مفاوضات قد تمتد أشهرا طويلة.

ويتوقع كل طرف أن يذعن الآخر في نهاية المطاف. فالإيرانيون يعتقدون أنهم يمسكون بزمام المبادرة، بعدما تحملوا ستة أسابيع من القصف على يد خصوم أشد قوة، وتمكنوا في الوقت نفسه من إلحاق ضرر بالغ بالاقتصاد العالمي. وهم يرون في عامل الوقت حليفا لهم. وفي نظرهم، يبدو ترمب ضجرا من الحرب، ومتلهفا لإنهائها قبل أن تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى إغراق الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني القادم.

أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة تماما. فالحرب، وإن لم تحقق كثيرا من أهدافها الرئيسة، وجهت ضربات موجعة إلى القيادة الإيرانية والقوات المسلحة والاقتصاد. ومن المرجح أن تكون الجولة المقبلة أشد إيلاما. وحتى إذا لم ينفذ ترمب أكثر تهديداته إثارة للفزع، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تمضيان نحو تصعيد الهجمات على البنية التحتية والأهداف الاقتصادية.

(رويترز)
لقاء بين شهباز شريف ومحمد باقر قاليباف في إسلام آباد، 11 أبريل 2026

تكمن المخاطرة في أن يسيء الطرفان فهم بعضهما اببعض على نحو جسيم. فقد ترى إيران أنها قادرة على تحمل جولة جديدة من القتال، فيما تستخف باستعداد ترمب لإشعالها أو تقلل من احتمالات إقدامه عليها. غير أن ترمب سبق أن نفذ مرتين تهديداته بضرب إيران كلما تعثرت الدبلوماسية. ويقول دبلوماسي عربي إن "ثمة قدرا كبيرا من الغرور يهيمن الآن على الموقف الإيراني".

يعتقد الإيرانيون أنهم في موقع قوة، بعدما واجهوا خصوم أقوى بكثير وألحقوا ضررا كبيرا بالاقتصاد العالمي

وتبدو تهديدات ترمب هذه المرة جدية بالقدر نفسه. فقد دفع البنتاغون بالفعل آلافا من عناصر مشاة البحرية إلى المنطقة، فيما تتجه إليها قوات إضافية. وهناك حاملة طائرات ثالثة تعبر المحيط الأطلسي، ومجموعة هجومية برمائية تعبر المحيط الهادئ. ومن المتوقع وصولهما قبل انتهاء وقف إطلاق النار. وفي يوم السبت، عبرت مدمرتان أميركيتان مضيق هرمز، في أول عبور لسفن حربية أميركية عبر المضيق منذ اندلاع الحرب. وقال البنتاغون إن ذلك يمثل بداية عملية لإزالة الألغام الإيرانية من الممر المائي.

وعلى الرغم من تعهد إيران بفتح المضيق خلال فترة وقف إطلاق النار، فإنه ما زال مغلقا إلى حد كبير. وقد تمكنت ثلاث ناقلات نفط من العبور يوم السبت. لكن حين حاولت ناقلتان أخريان دخول الخليج في صباح اليوم التالي، حذرها "الحرس الثوري" الإيراني من المضي قدما.

(رويترز)
ناقلات نفط تبحر قرب مضيق هرمز قبالة رأس الخيمة وسط التوتر الإقليمي، 11 مارس 2026

وبعد انتهاء المحادثات، نشر ترمب عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقالا يدعو الولايات المتحدة إلى فرض حصارها الخاص على المضيق. وما زالت إيران تصدّر كميات من النفط تعادل ما كانت تصدّره قبل الحرب، وربما أكثر، وبأسعار أعلى بكثير. ودعا بعض المسؤولين الخليجيين ترمب إلى البدء في اعتراض السفن الإيرانية. وما زالت فرصة التوصل إلى اتفاق قائمة، لكن احتمال اتساع الحرب، ومعها الفوضى في أسواق الطاقة، يظل قائما أيضا.

font change

مقالات ذات صلة