ما بعد هرمز... الخليج يعيد رسم خريطة الطاقة والتجارة من باب السعوديةhttps://www.majalla.com/node/330620/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%AC-%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%B1%D8%B3%D9%85-%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9
ما بعد هرمز... الخليج يعيد رسم خريطة الطاقة والتجارة من باب السعودية
التنويع اللوجستي الخليجي لتجاوز نقاط الاختناق البحرية
.أ.ف.ب
ميناء رأس الخير الصناعي شمال الدمام، 11 ديسمبر 2019
ما بعد هرمز... الخليج يعيد رسم خريطة الطاقة والتجارة من باب السعودية
لندن - "المجلة"
آخر تحديث
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي حساس، بل أصبح اختبارا حقيقيا لتحديات النموذج الاقتصادي الخليجي. لعقود، بُنيت تجارة الطاقة في المنطقة على افتراض بسيط، أن هذا الشريان سيبقى مفتوحا مهما اشتدت التوترات. إنما أسهم تصاعد المواجهات، وانتقال الصراع من مستوى التهديد إلى مستوى التعطيل الفعلي أو شبه الفعلي، في تآكل هذا الافتراض. وفي لحظة كهذه، لا تبحث الدول عن حلول مثالية، بل عن بدائل ممكنة، حتى ولو كانت جزئية، مكلفة، أو مؤقتة.
تقف السعودية في قلب هذه البدائل. فهي أكبر مصدر للنفط في العالم، إذ تصدر 7 ملايين برميل من الخام يوميا، وهي أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط مع ناتج محلي إجمالي سيبلغ نحو 1.39 تريليون دولار أميركي في العام الجاري، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي.
ومن حيث الجغرافيا، تتميز السعودية بكونها كتلة برية تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، قادرة، نظريا وعمليا، على إعادة توجيه التدفقات بعيدا من المضائق.
في منتصف القرن العشرين، أُنشئ خط التابلاين لنقل النفط السعودي عبر البر إلى البحر المتوسط، من بقيق إلى ميناء صيدا في لبنان، بطول يقارب 1,648 كلم
المملكة اليوم في صدد إعادة اكتشاف هذه الملكة على نطاق إقليمي. لتتحول إلى منصة فعلية تعيد تشكيل طرق التجارة والطاقة لكل دول الخليج.
الفكرة ليست جديدة
في منتصف القرن العشرين، حين أُنشئ خط التابلاين، وهو مشروع هندسي تاريخي لنقل النفط السعودي عبر البر إلى البحر المتوسط، من بقيق إلى ميناء صيدا في لبنان، بطول يقارب 1,648 كلم متجاوزا الخليج بالكامل، لم يكن ذلك استجابة لأزمة هرمز تحديدا، لكنه أسس لقاعدة استراتيجية ستتكرر لاحقا: يمكن تجاوز الجغرافيا البحرية عبر الجغرافيا السعودية.
ميناء مسقط المطل على مضيق هرمز خلال إغلاق مرور السفن، 10 مارس 2026
وقد أثبتت السعودية بعد عقود، ومع اندلاع حرب إيران–العراق، أن هذه القاعدة غدت ضرورة. فهجمات "حرب الناقلات" في الثمانينات دفعت الرياض إلى بناء خط أنابيب شرق–غرب (بترولاين)، الذي نقل النفط من حقول الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بمسافة تقارب 1,200 كيلومتر. كان ذلك أول رد عملي على احتمال اختناق الخليج، وأول نموذج ناجح لنقل الطاقة بعيدا من هرمز.
غير أن هذا الحل ظل سعوديا في الدرجة الأولى. وحين حاول العراق لاحقا استخدام الأراضي السعودية كمسار بديل عبر الخط النفطي العراقي–السعودي (Iraqi Pipeline in Saudi Arabia (IPSA)، وهو خط نفط بطول نحو 1,568 كلم من منطقة الزبير في البصرة، العراق، إلى محطة المعجز على الساحل السعودي، بدا وكأن المنطقة تتجه نحو نموذج إقليمي أوسع. إلا أنه بعد غزو الكويت في أغسطس/آب 1990، توقف المشروع، إذ فرضت الأمم المتحدة عقوبات على العراق، مما أدى إلى إغلاق الخط من الجانبين، ولا يزال خارج الخدمة حتى اليوم.
في العقود التالية، بقيت الفكرة حاضرة في الخلفية دون أن تتحول إلى نظام متكامل. فمشاريع مثل جسر الملك فهد ربطت البحرين بالسعودية، ومنحتها منفذا بريا وحيدا. ومشروع سكة حديد الخليج، الذي أُعلن في 2009، حمل طموحا أكبر. فقد تمثل في ربط كل دول المجلس بشبكة نقل برية تقلل الاعتماد على البحر. لكن هذه المشاريع، على الرغم من أهميتها، لم تُبْنَ تحت ضغط أزمة وجودية، بل ضمن منطق التكامل الاقتصادي التدريجي، مما أثر على تنفيذها وجعله بطيئا ومتقطعا.
استعادة كامل طاقة ضخ النفط عبر خط أنابيب شرق–غرب، والبالغة نحو سبعة ملايين برميل يوميا، بعد أيام من تقييم الأضرار التي لحقت بقطاع الطاقة جراء الهجمات خلال الحرب مع إيران
فقد تمثل في ربط كل دول المجلس بشبكة نقل برية تقلل الاعتماد على البحر. لكن هذه المشاريع، على الرغم من أهميتها، لم تُبْنَ تحت ضغط أزمة وجودية، بل ضمن منطق التكامل الاقتصادي التدريجي، مما أثر على تنفيذها وجعله بطيئا ومتقطعا.
عملية "الغضب الملحمي" تغيّر السياق
مع بدء عمليات "الغضب الملحمي" في 28 فبراير/شباط بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على إيران، عادت قصة البحث عن بدائل لمضيق هرمز تبرز أكثر فأكثر. فأعاد الضغط على المضيق الحيوي إحياء هذه المشاريع، ولكن بمنطق مختلف؛ إذ لم تعد موجهة لتحقيق الكفاءة كما عند الإعلان عنها، بل غدت أدوات استراتيجية لمواجهة المخاطر وتعزيز المرونة.
شاحنات تنقل بضائع عبر الخط الذي يربط الحدود السعودية العمانية في الربع الخالي، 11 يناير 2024
هنا تحديدا تظهر نقطة التحول الحقيقية. إذ لم تعد الدول تفكر في استبدال المضيق بالكامل، وهو هدف صعب التحقيق في المدى القريب، بل في تقليص وزنه تدريجيا، بحيث لا يصبح تعطيله ضربة قاضية.
وفي المدى الفوري، بدأت ملامح هذا التحول تظهر بوضوح. فقد كثفت السعودية استخدام خط شرق–غرب، مستفيدة من طاقته الكبيرة لنقل النفط إلى البحر الأحمر. وفي 12 أبريل/نيسان الجاري، أعلنت السعودية، استعادة كامل طاقة ضخ النفط عبر خط أنابيب شرق–غرب، والبالغة نحو سبعة ملايين برميل يوميا، بعد أيام من تقييم الأضرار التي لحقت بقطاع الطاقة جراء الهجمات خلال الحرب مع إيران.
أما شركات الشحن، من جهتها، بفدأت تلجأ إلى حلول "الجسر البري"، حيث تُنقل الحاويات من موانئ الخليج إلى موانئ البحر الأحمر عبر الشاحنات أو السكك الحديد. ووفقا لشركة البحر الأبيض المتوسط للملاحة (MSC)، تُنقل الحاويات من آسيا إلى موانئ مثل جدة والملك عبدالله، ثم تُستكمل برا إلى دول الخليج ضمن حلول متعددة الوسائط تقلل المخاطر وتسرّع الإمدادات. ويمنح هذا المسار تنوعا في سلاسل التوريد، خاصة للسلع الغذائية من أوروبا والبحر الأسود و الأميركيتين، على الرغم من استمرار اعتماد المنطقة بشكل أساس على موانئ الخليج. وتستغرق عمليات النقل البري من البحر الأحمر إلى أسواق الخليج نحو 4–5 أيام، في ظل تزايد تأخيرات الشحن البحري المباشر عبر هرمز.
يبرز إحياء ممر تجاري تقوده الولايات المتحدة، ويمتد من الهند عبر الخليج وصولا إلى أوروبا، ويُعرف باسم "IMEC". لكن التكلفة تبقى عائقا رئيسا إذ يُقدَّر إنشاء خط مماثل لخط شرق–غرب اليوم بما لا يقل عن 5 مليارات دولار
وإن كانت هذه العمليات مكلفة ومعقدة، إلا أنها تحمل دلالة أعمق، مفادها بأن التجارة بدأت تتحرك بالفعل خارج المسار التقليدي، ولو جزئيا.
غير أن هذه الحلول تظل مؤقتة ومحدودة. فهي لا تستطيع تعويض الحجم الهائل للتدفقات التي تمر عبر هرمز، كما أنها لا توفر بديلا مستداما لجميع الدول.
كيف يمكن تحويل السعودية من ممر طوارئ إلى ممر إقليمي دائم؟
الإجابة عن هذا السؤال تكمن في البنية التحتية. وأحد أبرز السيناريوهات المطروحة هو إنشاء شبكة أنابيب تربط دول الخليج، خصوصا الكويت والبحرين، بموانئ البحر الأحمر وربما بحر العرب عبر الأراضي السعودية. لو تحقق ذلك، فإن ميزان الجغرافيا سيتغير جذريا. ولن يعود النفط الخليجي مرتبطا بممر واحد تهدده إيران، بل موزعا على مسارات متعددة، ما يقلل المخاطر ويعزز الاستقرار.
منشآت نفطية تابعة لـ"أرامكو"، في بقيق، السعودية 12 أكتوبر 2019
لكن هذا المشروع يواجه عقبات سياسية ومالية كبيرة. فهو يتطلب مستوى غير مسبوق من التنسيق والثقة بين الدول، إضافة إلى استثمارات ضخمة. ومن بين الطروحات المطروحة، يبرز إحياء ممر تجاري تقوده الولايات المتحدة، ويمتد من الهند عبر الخليج وصولا إلى أوروبا، ويُعرف باسم "IMEC". لكن التكلفة تبقى عائقا رئيسا، إذ يُقدَّر إنشاء خط مماثل لخط شرق–غرب اليوم بما لا يقل عن 5 مليارات دولار، فيما قد تصل تكلفة المشاريع الأكثر تعقيدا، والتي تعبر دولا عدة مثل العراق والأردن وسوريا أو تركيا إلى ما بين 15 و20 مليار دولار.
في المقابل، تبدو الخيارات الأقرب الى التنفيذ على المدى القريب أقل طموحا، وتتمثل في توسيع خط شرق–غرب السعودي، إلى جانب تعزيز خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام إلى الفجيرة، بما يرفع الطاقة الاستيعابية دون الدخول في تعقيدات مشاريع عابرة للحدود.
لا يتعلق التحول الجاري بإغلاق مضيق أو فتحه، بل بإعادة تعريف الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة. فالسعودية، بحكم موقعها، تملك القدرة على أن تصبح الجسر الذي يربط بين بحرين، وبين نموذجين، أحدهما يعتمد على ممر واحد، والآخر يقوم على شبكة متعددة المسارات
في موازاة ذلك، يعود مشروع سكة حديد الخليج إلى الواجهة كأداة استراتيجية. فيمكن لشبكة قطارات تربط الكويت بالسعودية ثم بالبحر الأحمر، أن تعيد توزيع التجارة البرية، وتوفر بديلا جزئيا للنقل البحري. لكنها، بطبيعتها، أقل قدرة على نقل الطاقة مقارنة بالأنابيب، مما يجعل دورها مكمّلا لا بديلا.
السعودية مركز لوجستي عالمي
أما التحول الأكثر عمقا، فيكمن في إعادة تموضع البحر الأحمر نفسه. فمع تطوير موانئ ينبع وجدة، ومشاريع الساحل الغربي، بما في ذلك الميناء العميق الذي يُبنى ضمن مشروع "نيوم"، يمكن أن يتحول هذا البحر إلى محور تجاري رئيس. في هذه الحالة، لن يكون الأمر مجرد التفاف على هرمز، بل إعادة توجيه للتجارة العالمية نحو مسارات جديدة. وهذا التحول، إذا اكتمل، سيتكامل مع خطة السعودية في "رؤية 2030" التي جعلتها مركزا لوجستيا عالميا.
رافعات وحاويات الشحن في رصيف التحميل في ميناء جدة الإسلامي على الساحل الغربي للبحر الأحمر بالمملكة العربية السعودية، 1 مارس 2022
ومنذ تصاعد التوترات في مضيق هرمز، أطلقت السعودية خمس خدمات شحن بحري جديدة بالتعاون مع شركات ملاحة عالمية شملت "أم إس سي"، و"سي إم أيه س جي إم"، و"ميرسك"، "وهاباغ لويد"، في خطوة تعزز بشكل ملموس ارتباطها بالأسواق الإقليمية والدولية.
وكان سبق للسعودية أن أطلقت استثمارات في القطاع اللوجستي خلال الفترة ما بين 2023 و 2034 بقيمة 1.6 تريليون ريال (427 مليار دولار)، وأطلق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان "المخطط العام للمراكز اللوجستية" في 2023، الذي يهدف إلى تطوير 59 مركزا لوجستيا بمساحة تزيد على 100 مليون متر مربع في حلول عام 2030.
عقدة قطر
مع ذلك، تبقى هناك عقدة فنية متمثلة في حالة قطر. فاقتصادها يعتمد على تصدير الغاز الطبيعي المسال، الذي يتطلب شحنا بحريا ولا يمكن استبداله بسهولة بأنابيب. وتُظهر صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال في مارس/آذار 2026 تراجعا حادا وغير مسبوق بنسبة 88.8 في المئة على أساس سنوي، بما يعادل انخفاضا قدره 6.4 مليون طن. وقد أدت الهجمات الأخيرة على مدينتي رأس لفان ومسيعيد إلى إعلان قطر للطاقة حالة القوة القاهرة في مطلع الشهر المنصرم.
وفي مطلع الشهر الحالي، بدأت قطر حشد المهندسين والعمال تمهيدا لاستئناف الإنتاج في منشأة رأس لفان لتصدير الغاز الطبيعي المسال، عقب وقف إطلاق النار في المنطقة. وكانت المنشأة متوقفة منذ مارس/آذار إثر هجوم صاروخي أثّر على نحو 17 في المئة من طاقتها التصديرية. غير أن العودة الى الإنتاج لا تزال تدريجية ومشروطة بقدرة السفن على عبور مضيق هرمز، في ظل غموض يحيط بتفاصيل إعادة فتحه. وعلى الرغم من الحديث عن مشاريع مستقبلية لربط قطر بريا عبر السعودية، فإن هذه الأفكار تظل ممكنة ومعقدة في آن.
في نهاية المطاف، لا يتعلق التحول الجاري بإغلاق مضيق أو فتحه، بل بإعادة تعريف الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة. فالسعودية، بحكم موقعها، تملك القدرة على أن تصبح الجسر الذي يربط بين بحرين، وبين نموذجين، أحدهما يعتمد على ممر واحد، والآخر يقوم على شبكة متعددة المسارات. هذا التحول لن يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه بدأ بالفعل.
وإذا استمر الضغط على هرمز، فقد نشهد خلال العقد المقبل انتقالا تدريجيًا من نظام هش يعتمد على نقطة واحدة، إلى نظام أكثر تعقيدا ومرونة، تتوزع فيه المخاطر على مسارات عدة. وحين يحدث ذلك، ستكون أكبر نتيجة للأزمة الحالية ليست تعطيل التجارة، بل إعادة رسم طريقها.