منذ إقامتها (1948)، وخلال قرابة ثمانية عقود، خاضت إسرائيل كثيرا من الحروب، أكثر من أية دولة أخرى في العالم، بيد أن الحرب الحالية التي تشنها إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، غيّرت تماما الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية.
هكذا فإن إسرائيل التي اعتادت انتهاج استراتيجية تتأسّس على خوض حروب سريعة، إذا بها هذه المرة تخوض حربا طويلة جدا، بل وتصر على الاستمرار بها. ثم إن إسرائيل التي كانت تركّز على نقل الحروب إلى خارجها، للنأي بجبهتها الداخلية عنها، أظهرت في الحرب الحالية قدرة على التكيّف مع انتقال الحرب إلى داخلها، بهذا الشكل القوي والكبير، ربما لأول مرة في تاريخها. أيضا، فإن إسرائيل التي كان يعرف عنها حساسيتها للخسائر البشرية تبدو هذه المرة قادرة على تحمل الكلفة البشرية الباهظة المترتبة على الحرب الراهنة، قياسا بالحروب السابقة.
بيد أن أكثر ما يميز الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في حربها الراهنة ضد الفلسطينيين وضد لبنان وإيران هو ذهابها إلى الحد الأقصى، أو حد التوحش، وإعدام الحياة، بما يعنيه ذلك من لامبالاة إزاء تدمير العمران البشري وتقويض البني التحتية، وقتل المدنيين.
محاولة تفسيرية
مفهوم أن إسرائيل دولة مقاتلة، مدججة بالسلاح، وتتمتّع بالتفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي والاستخباراتي على جوارها، وأنها بمثابة قلعة في المنطقة، وأنها تعيش على هاجس الخطر الوجودي، في منطقة تعتبرها معادية، إلا أن التحول الحاصل في استراتيجيتها العسكرية، نحو التوحش، لا يمكن تفسيره إلا بمجموعة من العوامل، أهمها: أولا، ما شكلته عملية "طوفان الأقصى"، التي كانت أقسى، وأوجع، ضربة عسكرية تعرضت لها، منذ إقامتها.
ثانيا، الدعم السياسي والعسكري والاستخباراتي والاقتصادي والتكنولوجي، اللامحدود الذي تتلقاه من الولايات المتحدة.
ثالثا، سعيها للتخلص نهائيا من الخطر الذي يشكله النظام الإيراني في المنطقة، والذي بات بمثابة الفاعل الإقليمي الرئيس في المشرق العربي، طوال العقدين الماضيين، أي منذ غزو الولايات المتحدة للعراق (2003).
رابعا، استثمار التوتر الناشئ في المنطقة، نتيجة التدخلات الإيرانية فيها، كفرصة سانحة لها لاستعادة مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة في المنطقة، وإزاحة إيران، والتخلص من الجماعات الميليشياوية المرتبطة بها، وفرض صيغتها لـ"السلام بالقوة" وفقا لاعتباراتها ومصالحها. خامسا، ثمة عامل داخلي، فإسرائيل اليوم بقيادة اليمين القومي والديني المتطرف، لا تريد فقط تأكيد هيمنتها على الفلسطينيين، وفي منطقة الشرق الأوسط، إذ إنها تريد أيضا إجراء تغييرات تطال تغيير طبيعتها من دولة ديمقراطية، إلى دولة يهودية، ومن دولة ليبرالية، إلى دولة دينية.
هكذا، تضافرت عوامل خارجية وداخلية للسير في تلك الحرب، بتلك الطريقة، مع ملاحظة أن الحرب هي الوسيلة التي يمكن أن تقوي وترسخ تيار اليمين القومي والديني، وهو ما حصل، باعتبار أن حالة الحرب، أو الصراع، مع الخارج، أو الدفاع عن الوجود، هي العوامل التي يمكن أن توحد، أو تصهر، أو تشد عصب الإسرائيليين، علما أن حكومة نتنياهو شبهت عملية "الطوفان"، التي انتهت في يوم واحد، بـ"الهولوكوست"، وبأنها محاولة لتدمير إسرائيل، ما يستنتج منه أن تلك العملية كانت بمثابة فرصة كي تقوم إسرائيل بما قامت به، كحرب إبادة شاملة، وإن كانت ليست السبب الكافي.

