"التوحش" كاستراتيجية... المفهوم الإسرائيلي للردع ولشن الحروب

حروب بلا سقف

أ ب
أ ب
امرأة تسير بين أنقاض المباني المدمرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان، يوم الجمعة 17 أبريل 2026، عقب وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله"

"التوحش" كاستراتيجية... المفهوم الإسرائيلي للردع ولشن الحروب

منذ إقامتها (1948)، وخلال قرابة ثمانية عقود، خاضت إسرائيل كثيرا من الحروب، أكثر من أية دولة أخرى في العالم، بيد أن الحرب الحالية التي تشنها إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، غيّرت تماما الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية.

هكذا فإن إسرائيل التي اعتادت انتهاج استراتيجية تتأسّس على خوض حروب سريعة، إذا بها هذه المرة تخوض حربا طويلة جدا، بل وتصر على الاستمرار بها. ثم إن إسرائيل التي كانت تركّز على نقل الحروب إلى خارجها، للنأي بجبهتها الداخلية عنها، أظهرت في الحرب الحالية قدرة على التكيّف مع انتقال الحرب إلى داخلها، بهذا الشكل القوي والكبير، ربما لأول مرة في تاريخها. أيضا، فإن إسرائيل التي كان يعرف عنها حساسيتها للخسائر البشرية تبدو هذه المرة قادرة على تحمل الكلفة البشرية الباهظة المترتبة على الحرب الراهنة، قياسا بالحروب السابقة.

بيد أن أكثر ما يميز الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في حربها الراهنة ضد الفلسطينيين وضد لبنان وإيران هو ذهابها إلى الحد الأقصى، أو حد التوحش، وإعدام الحياة، بما يعنيه ذلك من لامبالاة إزاء تدمير العمران البشري وتقويض البني التحتية، وقتل المدنيين.

محاولة تفسيرية

مفهوم أن إسرائيل دولة مقاتلة، مدججة بالسلاح، وتتمتّع بالتفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي والاستخباراتي على جوارها، وأنها بمثابة قلعة في المنطقة، وأنها تعيش على هاجس الخطر الوجودي، في منطقة تعتبرها معادية، إلا أن التحول الحاصل في استراتيجيتها العسكرية، نحو التوحش، لا يمكن تفسيره إلا بمجموعة من العوامل، أهمها: أولا، ما شكلته عملية "طوفان الأقصى"، التي كانت أقسى، وأوجع، ضربة عسكرية تعرضت لها، منذ إقامتها.

ثانيا، الدعم السياسي والعسكري والاستخباراتي والاقتصادي والتكنولوجي، اللامحدود الذي تتلقاه من الولايات المتحدة.

ثالثا، سعيها للتخلص نهائيا من الخطر الذي يشكله النظام الإيراني في المنطقة، والذي بات بمثابة الفاعل الإقليمي الرئيس في المشرق العربي، طوال العقدين الماضيين، أي منذ غزو الولايات المتحدة للعراق (2003).

رابعا، استثمار التوتر الناشئ في المنطقة، نتيجة التدخلات الإيرانية فيها، كفرصة سانحة لها لاستعادة مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة في المنطقة، وإزاحة إيران، والتخلص من الجماعات الميليشياوية المرتبطة بها، وفرض صيغتها لـ"السلام بالقوة" وفقا لاعتباراتها ومصالحها. خامسا، ثمة عامل داخلي، فإسرائيل اليوم بقيادة اليمين القومي والديني المتطرف، لا تريد فقط تأكيد هيمنتها على الفلسطينيين، وفي منطقة الشرق الأوسط، إذ إنها تريد أيضا إجراء تغييرات تطال تغيير طبيعتها من دولة ديمقراطية، إلى دولة يهودية، ومن دولة ليبرالية، إلى دولة دينية.

هكذا، تضافرت عوامل خارجية وداخلية للسير في تلك الحرب، بتلك الطريقة، مع ملاحظة أن الحرب هي الوسيلة التي يمكن أن تقوي وترسخ تيار اليمين القومي والديني، وهو ما حصل، باعتبار أن حالة الحرب، أو الصراع، مع الخارج، أو الدفاع عن الوجود، هي العوامل التي يمكن أن توحد، أو تصهر، أو تشد عصب الإسرائيليين، علما أن حكومة نتنياهو شبهت عملية "الطوفان"، التي انتهت في يوم واحد، بـ"الهولوكوست"، وبأنها محاولة لتدمير إسرائيل، ما يستنتج منه أن تلك العملية كانت بمثابة فرصة كي تقوم إسرائيل بما قامت به، كحرب إبادة شاملة، وإن كانت ليست السبب الكافي.

أ ب
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش خلال الجلسة الأسبوعية لمجلس الوزراء، 7 يناير


إسرائيل التي كان يعرف عنها حساسيتها للخسائر البشرية تبدو هذه المرة قادرة على تحمل الكلفة البشرية الباهظة المترتبة على الحرب الراهنة، قياسا بالحروب السابقة


فكرة الإبادة والجدار الحديدي

مع كل ما تقدم، يجدر التنويه إلى أن فكرة حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل ضد فلسطينيي غزة، لم تأت فجأة، بل هي في صميم الفكر العسكري الصهيوني-الإسرائيلي، ربما كانت بدايتها مع طرح زئيف جابوتنسكي، قبل مئة عام، فكرته الشهيرة عن "الجدار الحديدي"، الذي يعني بناء حائط صد مسلح حول الدولة اليهودية المفترضة آنذاك، لردع أعدائها الرافضين لوجودها، وفرض "السلام بالقوة"، وهي ذات الفكرة التي يرددها نتنياهو.


أيضا، إبان الانتفاضة الثانية، أي قبل ربع قرن، قدم البروفيسور مارتين فان-كرفيلد (أستاذ الدراسات العسكرية في كلية التاريخ في الجامعة العبرية، وأحد أهم المتخصصين الإسرائيليين في الاستراتيجية العسكرية)، أطروحة نظّر فيها صراحة لخيار حرب الإبادة، إذ يقول: "على مدار سنوات طويلة دبرنا أمورنا مع العرب... خارج دولة إسرائيل... فكل عشر سنوات قاموا بافتعال مشكلة ما كنّا نأخذ مطرقتنا الكبيرة ونضربهم بعنف، مما أحدث بعد ذلك عشر سنوات من الهدوء، حتى إنهم في النهاية يئسوا من الأمر".

أما بما يخص التعامل مع الفلسطينيين، فيقول: "لا بد من فصل تام بيننا وبينهم، لا جسور مفتوحة ولا علاقات اقتصادية ولا سياسية. فصل مطلق على مدار جيل أو جيلين، أو وفقاً لما يحتاجه الأمر... نتحدث عن سور كسور برلين، بل وإن كان بالإمكان فليكن أكبر، وعاليا جداً حتى إن الطيور لا يمكنها أن تطير من فوقه... ثمة ضرورة لإعادة ميزان الردع بيننا... أنا  في مثل هذه الحالة سأستعمل المدفعية وليس الطيران، لأنني أريد أن أنظر إليهم في عيونهم، إذ لا فائدة من هذه الحملة إن لم تبرهن بأعمالك أنك يمكن أن تعمل كل شيء... علينا أن نضربهم بقسوة بكل ما بوسعنا حتى لا نعود إلى ذلك، وحتى لا يهاجموننا من الخلف عند خروجنا... نضرب بكل قوة وقسوة بحيث لا نحتاج إلى ضربة ثانية، إذ يمكن أن نقتل منهم 5000 أو 10000، وإن لم يكن هذا كافياً، عندها علينا أن نقتل أكثر. من الأفضل جريمة واحدة وثقيلة نخرج بعدها ونغلق الأبواب من خلفنا".


مما تقدم يمكن الاستنتاج أن توحّش إسرائيل له جذوره في العقيدة الصهيونية والإسرائيلية، وأنه ناجم عن طبيعة نشوء إسرائيل، كدولة استيطانية غريبة عن المنطقة، وترى نفسها محاطة بجبهة من الأعداء.

ما يمكن ملاحظته أن إسرائيل، في استراتيجيتها العسكرية السابقة، إبان الحروب النظامية، التي خاضتها ضد الدول العربية، لم تنتهج تماما حرب الإبادة الوحشية، بذات القدر الذي انتهجته في الحرب الحالية، لأنها في الحالة الأولى كانت تقوم بتقويض وتدمير القدرات العسكرية لهذه الدول، وتفرض عليها ما تريده.


وعليه، فبعد انتهاء الحروب الدولتية/النظامية، إثر حرب 1973، التي سجلت كآخر الحروب العربية-الإسرائيلية، وجدت إسرائيل نفسها إزاء حروب غير نظامية، ضد فصائل، أو ميليشيات، فيما يسمى الحروب غير المتناظرة، وهي حروب لا يمكن لجيش نظامي فرض ما يريده عبر كسر القوة العسكرية للطرف الآخر فقط، الأمر الذي جعل إسرائيل تذهب نحو إدخال تغييرات على استراتيجيتها العسكرية.


هكذا قامت إسرائيل بغزو لبنان (1982)، ومحاصرة بيروت ثلاثة أشهر، مع كل أعمال القتل والتدمير، بحيث فرضت على قيادة "منظمة التحرير"، والفصائل الفلسطينية، الخروج من لبنان، وإسقاط خيار الكفاح المسلح الفلسطيني من الخارج نهائيا.
أيضا، إبان الانتفاضة الثانية (2000-2004)، والتي غلب عليها شكل المواجهات المسلحة، قامت إسرائيل بشن حملتين عسكريتين أدتا إلى تقويض الانتفاضة، وتمخضت عن زرع الضفة الغربية بالنقاط الاستيطانية والعسكرية، وقامت ببناء الجدار الفاصل حول التجمعات السكانية الفلسطينية (القرى والبلدات والمخيمات والمدن)، ثم قامت بالانسحاب الأحادي من غزة مع فرض الحصار عليها.


بيد أن أكثر مظهر للتوحش الإسرائيلي، قبل الحرب الحالية، ظهر في انتهاج إسرائيل ما يسمى "عقيدة الضاحية"، وهذا ما تم تمثله في حرب لبنان (2006)، من خلال استخدام إسرائيل قوتها المفرطة، لتدمير العمران والبني التحتية، واستهداف المدنيين، وإحداث موجات من التهجير، وقد كررت إسرائيل ذلك، أيضا، في مختلف الحروب الوحشية التي خاضتها ضد قطاع غزة (2008، 2012، 2014، 2021)، وكلها حروب توخّت رفع كلفة المقاومة البشرية والمادية، إلى أقصى حد، والأهم خلق واقع يؤدي للضغط على المدنيين، وبالتالي فك العلاقة بينهم وبين الفصائل.

فكرة حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل ضد فلسطينيي غزة، لم تأت فجأة، بل هي في صميم الفكر العسكري الصهيوني-الإسرائيلي

التأصيل النظري لحرب الإبادة

مع ذلك، فإن إسرائيل بدت في الحرب الحالية في أقصى وحشيتها، ولامبالاتها بحياة البشر، أو بالعمران، ولا بالمعايير الدولية والإنسانية. أيضا، فإن إسرائيل في هذه الحرب وجدت نفسها أمام حرب تجمع شكلين، فهي حرب نظامية من جهة، في مواجهة إيران، وحرب ضد فصائل من جهة أخرى، إن في قطاع غزة، أو في لبنان، أو ضد الحوثيين في اليمن، و"الحشد الشعبي" في العراق.

على ذلك، فإن إسرائيل في هذه المرحلة، ومنذ عامين ونصف العام، تشن حرب إبادة وحشية لا هوادة فيها، ولا حلول وسطا، ضد مختلف الأطراف، باعتبارها، من وجهة نظرها، تخوض حربا على وجودها، وعلى مكانتها كقوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، مستغلة الدعم اللامحدود من الولايات المتحدة، في ظل إدارة الرئيس ترمب، وهي حرب لا تستهدف تقويض القدرات العسكرية للأطراف الأخرى فقط، وإنما  تستهدف إلحاق أكبر قدر من تدمير العمران والبني التحتية، وتحويل الحياة في غزة ولبنان وإيران إلى جحيم، في محاولتها تغيير الواقع السياسي والديموغرافي والأمني في فلسطين، بين النهر والبحر، وفي سوريا ولبنان وصولا لإيران.

عن ذلك كتب الصحافي الإسرائيلي رون بن يشاي: "أحد مسارات العمل التي يُمكن أن تُنهي القتال بسرعة أكبر، تطبيق ما يُعرف في إسرائيل بـ(مبدأ الضاحية). يتضمن هذا المبدأ أجلاءً استباقيًا للسكان المدنيين من أحياء ومناطق العاصمة المعادية عبر إنذارات مُسبقة تُبث عبر جميع وسائل الإعلام. بعد إجلاء المدنيين، يُدمر الحي أو المنطقة تدميرًا كاملًا بالقصف الجوي. وقد نجح هذا المبدأ في ضاحية بيروت خلال حرب لبنان الثانية... هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن هذا سيحدث أيضاً في طهران، لا سيما إذا ما تم تدمير التقاطعات والجسور متعددة المستويات في طهران، بالإضافة إلى قصف الأحياء".

أ ف ب
مدفع هاوتزر ذاتي الحركة إسرائيلي يطلق قذائف باتجاه جنوب لبنان من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود في 15 مارس 2026

 

لم تعد إسرائيل، تبالي بخسارة ادعائها احتكار مكانة الضحية، أو أنها ضعيفة ووحيدة في مواجهة بيئة معادية، ولا بصورتها كدولة ديمقراطية، في حين تصر على مواصلة حرب إبادة جماعية، ضد مجموعة من الأطراف، بوحشية منقطعة النظير

وهذا أيضا الصحافي إيال زيسر، يدعو قادة إسرائيل لاحتلال لبنان، بقوله: "لنحتل لبنان كأن لا دولة هناك... لبنان ليس دولة، ولم يكن هكذا أبداً، طوال وجوده. لبنان ليس سوى جملة الطوائف والعائلات الشريفة، كل منها غير ملتزمة إلا بنفسها ومفاهيم مثل السيادة والوطنية بعيدة كل البعد على أي حال، خصوصاً في دولة الولاء فيها للعائلة وللطائفة يسبق الولاء للدولة... الدولة اللبنانية أمرت بطرد سفير إيران في بيروت، لكنها غير قادرة على تنفيذ القرار، فكيف ستنزع سلاح (حزب الله)؟... على إسرائيل أن تعمل ضد (حزب الله) وكأنه لا توجد دولة لبنانية، وأكثر من ذلك؛ أن تعمل ضد الغلاف اللبناني الذي يغلف (حزب الله)، فتسمح له بذلك بالعمل بل وحتى تساعده. ما لا نفعله نحن، لن يفعله أحد نيابة عنا".

بدوره، فإن كلا من اللواء المتقاعد دكتور يعقوب بنغو والدكتور تال توفي (باحثان في الشؤون الاستراتيجية)، يدعوان إسرائيل إلى استهداف كل حلقات الأطراف التي تعاديها بدءا من صف القيادة، إلى البنية التحتية الصناعية والمراكز السكانية. يقولان إن مهاجمة هذين النظامين من شأنه أن يُحدث شللاً استراتيجياً، بتكلفة عسكرية واقتصادية منخفضة نسبياً.

وإن ضرب "جميع أنظمة الإنتاج والتوزيع الحيوية... بما في ذلك الطاقة فضلاً عن المياه وتوزيع الغذاء، وغيرها من المدخلات الأساسية، هي الوظائف التي تُحوّل الموارد إلى أنماط عمل. فالجيش دون وقود لا يستطيع المناورة، والاقتصاد دون كهرباء لا يستطيع الإنتاج، والسكان دون غذاء لا يستطيعون دعم المجهود الحربي. إن التركيز على هذه الحلقة لا يُرعب السكان المدنيين فحسب، بل يقطع الصلة بين نوايا القيادة والعمل العسكري" أيضا يصل ذلك إلى تدمير "شبكات النقل والاتصالات التي تُمكّن النظام من نقل الأفراد والمعدات والمعلومات. وتشمل هذه الشبكة الطرق والجسور والسكك الحديدية والموانئ والمطارات ومراكز الاتصالات. وتُعدّ البنية التحتية بمثابة النسيج الذي يربط القيادة بالعناصر النظامية. إن تعطيل النقل والاتصالات من شأنه أن يعزل القوات العسكرية عن الموارد الأساسية لعملياتها، ويحرم القيادة من السيطرة على مرؤوسيها".

في كل ذلك لم تعد إسرائيل، تبالي بخسارة ادعائها احتكار مكانة الضحية، أو أنها ضعيفة ووحيدة في مواجهة بيئة معادية، ولا بصورتها كدولة ديمقراطية، في حين تصر على مواصلة حرب إبادة جماعية، ضد مجموعة من الأطراف، بوحشية منقطعة النظير، فالمهم عندها أن تبقى، ولو على شكل دولة استعمارية وعنصرية ودينية، ولو على شكل قلعة في الشرق الأوسط، فهذا هو معنى كلامها عن فرض "السلام بالقوة".  

font change