مكتبا "الكرار" و"الفرقان"... شبكة "داعش" المالية في أفريقيا

الفروع الخاضعة لمكتب "الفرقان" بعد إعادة دمجه مع مكتب "الكرار" صامدة ومتطورة

 أ ف ب
أ ف ب
مقاتلون من تنظيم "داعش" يحتفلون بهجومهم على دورية للجيش في النيجر في مايو 20219

مكتبا "الكرار" و"الفرقان"... شبكة "داعش" المالية في أفريقيا

بينما تشهد أفريقيا ارتفاعا غير مسبوق في العمليات الإرهابية، قام تنظيم "داعش" بخطوات لتطوير قدراته الإدارية، وإعادة هيكلة مكاتبه المسؤولة عن وضع السياسات العامة وتطوير مصادر دخل مالية إضافية، ودمجها تحت إدارة مكتب "الفرقان"، الذي يقع مقره الرئيس في نيجيريا.

توافرت معلومات أن "فرع الولايات البعيدة والخارجية" لـ"داعش"، تخضع له عدة مكاتب، أهمها "الكُرار" الذي يغطي مناطق شرق ووسط وجنوب أفريقيا، ويشرف على الفروع في الصومال والكونغو الديمقراطية وموزمبيق. ومكتب "الفرقان"، الذي يُشرف على التنظيم في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد وغرب أفريقيا، ومكتب "أبو الفدا"، المتمركز بجنوب أفريقيا.

وذكر "مركز الأهرام للدراسات السياسية" في دراسة بحثية عن الإرهاب في أفريقيا أن "داعش" اتخذ قراراً بدمج كافة المكاتب المالية في غرب أفريقيا والساحل ووسط أفريقيا وموزمبيق والصومال تحت إشراف مكتب "الفرقان" الذي يضم فرع التنظيم في نيجيريا، وتشاد، والكاميرون ودول الجوار، و"ولاية الساحل"، بالإضافة لتبعية مكتب "الأنفال" الذي يضم النيجر، ومالي، وبوركينافاسو، ودول الجوار، و"ولاية وسط أفريقيا"، ومكتب "الكرار" والذي يضم الصومال والكونغو وموزمبيق ودول الجوار، لمكتب "الفرقان" وهو الأمر نفسه الذي تكرر في آسيا بضم فرع التنظيم في تركيا إلى مكتب "الأرض المباركة"، والذي أصبح يضم أفرع التنظيم في سوريا وتركيا وبعض دول الجوار. وفرع التنظيم في الهند وأفغانستان وشرق آسيا، تحت إشراف مكتب "بلاد الرافدين" (العراق)، وهو ما يجعل من قيادة التنظيم مزدوجة الرأس: قيادة للتنظيم في أفريقيا، وقيادة للتنظيم في آسيا، كبديل عن الشكل التنظيمي التقليدي المتبع منذ إعلان نشأته في عام 2014.

ويعطي "منبر الدفاع الأفريقي للأخصائيين العسكريين والأمنيين في أفريقيا" تفاصيل أكثر عن هذه المكاتب، فيقول إن مكتب "الكُرار" ومقره في الصومال، كان هو المكتب الرئيس، ويشرف على تمويل النشاطات في شرق ووسط وجنوب أفريقيا (بما في ذلك الكونغو الديمقراطية وموزمبيق). ويعتمد على الابتزاز من الشركات المحلية وتحويلات عبر الهواتف المحمولة، إلا أن رئيسه عبد القادر مؤمن، تم استبداله، عقب الهجوم الكبير من قوات الحكومة المحلية في بونتلاند على التنظيم، ولم يعد رئيسا للولايات البعيدة، أي إنه لم يعد زعيما لـ"داعش في أفريقيا".

وكُشف تقرير آخر أعده فريق خبراء تابع لمجلس الأمن معني بمكافحة الإرهاب، أن معلومات وردت بأن رئيس "مكتب الفرقان" (الذي يتولى الآن شؤون شرق وغرب أفريقيا)، هو أبو بكر المنوكي، وأنه ربما أصبح رئيسا لفرع الولايات البعيدة، بعد أن تم عزل عبدالقادر مؤمن، رئيس مكتب الكرار (الذي يتولى شؤون شرق أفريقيا)، بسبب الضغوط المستمرة الناجمة عن أنشطة مكافحة الإرهاب.

وتؤكد شبكة "GNET" المختصة في الإرهاب أن مكتب الفرقان استمد اسمه من أبي محمد الفرقان، وزير الإعلام السابق في "داعش"، الذي قُتل في غارة جوية أميركية في الرقة، سوريا، في 7 سبتمبر/أيلول 2016. ويتشارك اسمه مع "مؤسسة الفرقان الإعلامية"، وهي الذراع الدعائية للتنظيم. وتوضح الشبكة أن الخلافات الشخصية بين المنوكي وزعيم جماعة "بوكو حرام"، مامان نور، ساهمت في انقسام علني حاد بين التنظيمين، ومع ذلك، لا يزال مكتب "الفرقان" أحد أقوى الشبكات الإقليمية وأكثرها رسوخًا لتنظيم "داعش".

غيتي
شنت المجموعات الارهابية في شمال نيجيريا عشرات الهجمات على قواعد الجيش في ولايتي بورنو ويوبي في الاشهر ال16 الماضية

ما تجب الإشارة إليه أنه في عام 2023، فرض وزير الخارجية الأميركي آنذاك، أنتوني بلينكن، عقوبات على المنوكي وثلاثة آخرين بسبب مناصبهم القيادية، شملت تجميد جميع أصولهم ومنع جميع عمليات تحويل الأصول المرتبطة بهم في النظام المالي العالمي.

يتمتع مكتب "الفرقان" بقاعدة قوية في غرب أفريقيا، ويشرف على "داعش" وفروعه الأخرى في منطقة الساحل وتونس والجزائر وليبيا والكاميرون والنيجر وتشاد

وكان مكتب "الفرقان" يشرف على ولايتين تابعتين لـ"داعش"، هما ولاية غرب أفريقيا ("داعش غرب أفريقيا") وولاية الساحل ("داعش-الساحل") التي أعيد تنظيمها حديثًا، حيث أصبحت تتخذ من شواطئ بحيرة تشاد في شمال نيجيريا مركزًا لعملياتها، وتجني إيراداتها من الضرائب المحلية المفروضة على المزارعين والصيادين، فضلًا عن عمليات السطو على المدنيين والاختطاف مقابل فدية. والآن أصبح المكتب يشرف أيضا على عمليات مكتب "الكرار" في شرق أفريقيا، فيما خلصت مجموعة عمل أسستها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) إلى أن "ولاية غرب أفريقيا" كانت تُحوّل نحو 36 مليون دولار أميركي سنويًا من الأموال المتولدة في أراضيها عبر النظام المالي النيجيري الشرعي، على الأرجح بتورط مكتب الفرقان.

التحويلات وطريقة العمل


تعمل مكاتب "داعش" كمركز تمويل، وهي جزء من الإدارة العامة للولايات البعيدة، مثل مكتبي "الكرار" في شرق أفريقيا و"الصديق" في أفغانستان، التي تجمع الإيرادات من الفدية والابتزاز والاتاوات، ثم تقوم بتوزيعها عبر نظام الحوالات المالية، أو العملات المشفرة.
يقول مالك صمويل، الباحث في "معهد الدراسات الاستراتيجية" إن مصادر التمويل الرئيسة لـ"داعش" في أفريقيا مثل الابتزاز والزكاة والسيطرة على التجارة المحلية، وتداول العملات المشفرة تذهب عبر وسطاء إلى المكاتب، التي تقوم باستثمارها أو توزيعها. ويُعوِّل فرعا "داعش" في شرق وغرب أفريقيا على العملات المشفرة الحديثة والحوالة، وهي وسيلة تقليدية لإرسال الأموال واستلامها بين الأفراد، لتمويل عملياتهما، ويشرف "مكتب الفرقان" على هذه العمليات المالية التي تصل إلى ملايين الدولارات من مزيج معقد من الابتزاز والاختطاف. ففي بحيرة تشاد، على سبيل المثال، على كل صياد أن يدفع 40 دولاراً ليحصل على تصريح. ويفرض "داعش-غرب أفريقيا" زكاة على كل صندوق سمك أو رأس ماشية في المناطق التي يسيطر عليها.
وفقا لتقرير صادر عن وزارة الخزانة الأميركية في مايو/أيار 2024 فإن التنظيم يتعامل مع القطاع المالي الرسمي باستخدام الحسابات المصرفية لتحويل الأموال. ويتمتع مكتب "الفرقان" بقاعدة قوية في غرب أفريقيا، ويشرف على "داعش" وفروعه الأخرى في منطقة الساحل وتونس والجزائر وليبيا والكاميرون والنيجر وتشاد.
وفي مقال نشرته "الشبكة العالمية للتطرف والتكنولوجيا" أن مكتب "الفرقان"، على عكس نظيره "الكرار"، يجمع 50 في المئة من الأموال ويرسلها للتنظيم الأم، بل ويعيد توزيع الباقي على فروع أصغر في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد، والتي تقع ضمن نطاقه في منطقة الساحل بعد إعادة هيكلته. 

علاوة على ذلك، ونظرا لأن نيجيريا تُعد الآن ثاني أكبر سوق لتداول العملات المشفرة في العالم، فمن المرجح أن يلعب مكتب "الفرقان" دورا محوريا في تمويل "داعش" على الصعيدين الإقليمي والعالمي، بحسب الخبير في شؤون الإرهاب مصطفى زهران في تصريح لـ"المجلة"، الذي قال إن في نيجيريا وحدها يستثمر ما يُقدّر بنحو 33 في المئة من النيجيريين في هذه العملات، وهذا يُمكن التنظيم وغيره من الجماعات الإرهابية من إخفاء معاملاتهم بسهولة، ويُمكن لمكتب "الفرقان" على الأرجح إخفاء أنشطته بشكل أكبر داخل سوق العملات المشفرة النيجيرية. علاوة على ذلك، أنه وفق زهران تُكثّف جماعات التنظيم الإرهابي من طلب التبرعات بعملة "مونيرو" عبر منافذ دعائية مثل "وكالة الفرقان الإعلامية"، ومن المحتمل أن يُوجّه التنظيم بعض هذه التبرعات عبر كيانات مرتبطة بمكتب "الفرقان"، نظرا لحجم سوق العملات المشفرة في الذي يزداد في أفريقيا.
وأشار زهران إلى ممرات تجارة المخدرات المربحة وتعاون المهربين المحليين مع عصابات لتهريبها إلى الأسواق الأوروبية، وسيطرة مكاتب التنظيم المالية على عمليات المرور والطرق، الذي يوجه جزءا من هذا الدخل لتمويل هجمات عالمية تشنها فروع أخرى، مثل "داعش" في خراسان.
يقول الباحث في "مركز سلام لمكافحة الإرهاب" محمود الطباخ في تصريح لـ"المجلة" إن الفروع الخاضعة لمكتب الفرقان بعد إعادة دمجه مع مكتب "الكرار" صامدة ومتطورة، والمعلومات المحدودة المتوفرة حول النشاط المالي للتنظيم في غرب أفريقيا تستدعي مزيدا من البحث من قبل جهات إنفاذ القانون الدولية والمؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا المالية. نظرا لاعتماد شبكات التنظيم بشكل كبير على عملة "مونيرو" الرقمية، التي توفر خصوصية معززة مقارنةً بعملتي "بيتكوين" و"تيثر"، وينبغي على المختصين في هذا المجال وجهات إنفاذ القانون الدولية التعاون بشكل وثيق مع السلطات لتتبع المعاملات المشبوهة التي قد تكون مرتبطة بمكتب "الفرقان" أو الجماعات التي يشرف عليها.
في السياق نفسه، أوضحت مجموعة "صوفان غروب" دور كل من دادي ولد شعيب، وأمية أغ البكاي، واندين اغ المنير، وأبو ياسر حسنو، واندين اغ المنير الملقب بـ"أبو هريرة"، وعبد القادر مؤمن، كمسؤولين في الهيكل الإداري اللامركزي لمكاتب التنظيم الإدارية والمالية، وعملهم كحلقة وصل وربط مع فرع الولايات البعيدة لتنسق العمليات بين الولايات المختلفة. 

من أهداف الهيكلة والدمج هو التكيف مع بعض السياقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في القارة الأفريقية

أشارت مجموعة صوفان أيضا لما نشرته جريدة "O País" (وهي صحيفة موزمبيقية محلية) عن تحديد الولايات المتحدة لأفراد مقيمين في جنوب أفريقيا يُعتبرون مُيسِّرين ماليين لـ"داعش" في موزمبيق وباقي أفريقيا. كما يستغلون النظام المالي الجنوب أفريقي لتحويل الأموال وشراء أسلحة ومعدات.

أ ف ب
جنود ماليون في منطقة ميناكا التي تنتشر فيها مجموعات من تنظيم "داعش"

وتأتي عملية دمج مكاتب إدارة المالية لـ"داعش" كمرحلة جديدة لتطوير استراتيجيات تتحدى مجابهة المكافحة المتبعة في أفريقيا حالياً، وهذا تطورٌ مثيرٌ للقلق من حيث التكتيكات والتطور الذي سيؤدي إلى نتائج تتعلق بتزايد حجم وعدد العمليات الإرهابية من فروع التنظيم الخمسة في أفريقيا، وهي ولاية موزمبيق، ولاية وسط أفريقيا، ولاية شرق أفريقيا، ولاية غرب أفريقيا، ولاية الساحل والصحراء. 
كما ستدفع استراتيجيات هيكلة المكاتب المالية إلى أن تجعل "داعش" برؤوس متعددة، مما سيؤدي إلى تنوع الأهداف والعمليات، وشراء أسلحة متطورة مثل المسيرات، التي يمكن أن تشكل خطورة كبيرة. 
إضافة إلى ما سبق، فإن من أهداف الهيكلة والدمج هو التكيف مع بعض السياقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في القارة الأفريقية، وتطوير عملية "تشبيك" مع شبكات الجريمة المنظمة وعمليات التهريب، وتمديد نشاط التنظيم بالقرب من المناطق الغنية، والحصول على أموال من مصادر متنوعة.
والخلاصة هي أن "داعش" يمر الآن في عملية إدماجه لمكاتبه المالية ويستغل الصراعات الداخلية وتفشي الجريمة المنظمة والعنف، والمظالم المحلية وسوء الخدمات الحكومية ونقص الفرص الاقتصادية، وهكذا يطور عمليات التمويل التي تعمل جنبا إلى جنب مع خطوات معارك تمكين الخلايا العسكرية التابعة له، من أجل جذب للشباب المهمشين الذين لا يستطيعون كسب لقمة عيشهم عن طريق دمج مكاتبه تحت قيادة مكتب "الفرقان".

font change

مقالات ذات صلة