"داعش خراسان" في أفغانستان...تحول التطرف إلى هدف وعنوان

تستقطب الأجانب بعد إغلاق ساحة العراق وسوريا، وتظهر "طالبان" على أنها "معتدلة"

أ.ف.ب
أ.ف.ب
علم روسي يرفرف بالقرب من قاعة الحفلات الموسيقية "كروكوس سيتي هول" الواقعة في ضواحي العاصمة موسكو

"داعش خراسان" في أفغانستان...تحول التطرف إلى هدف وعنوان

يشير اسم "خراسان" إلى المنطقة التاريخية الممتدة في وسط غربي آسيا الذي يشكل اليوم أجزاء من أفغانستان وباكستان وتركمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وإيران. و"داعش خراسان"، جزء مما أطلق عليه "دولة الخلافة" المزعومة، التي بدأها "داعش" في العراق وسوريا قبل أن يعلن عن دعوته عموم المسلمين لمبايعته.

تأسس تنظيم "داعش خراسان" عام 2014 على يد بعض المنشقين من مقاتلي حركة "طالبان" الأفغانية، وحركة "طالبان باكستان"، وفلول "القاعدة"، الذين بايعوا التنظيم استجابة لدعوة من مبعوثي "داعش" في الرقة شمال شرقي سوريا والعراق. وأعلن التنظيم المتطرف مسؤوليته عن الهجوم على قاعة حفلات موسيقية قرب موسكو، والذي أسفر عن مقتل العشرات.

وفي يناير/كانون الثاني 2015، أعلنت "داعش" عن تشكيل إقليم "خراسان"، حيث عين أبو بكر البغدادي حافظ خان سعيد كأول "أمير" لـ"ولاية خراسان". كان خان سعيد قد خدم سابقا كقائد لحركة "طالبان باكستان" وتولى مسؤولية العمليات في أوراكازي في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الفيدرالية الباكستانية (FATA)، مما أعطى التنظيم فرصة اختراق المجتمعات القبلية في المنطقة الحدودية الباكستانية وتجنيد الشباب.

ومن أبرز تجليات الاختراق الذي قام به التنظيم قيام مجموعة من قادة تلك المناطق القبلية بمبايعة "داعش" مما أدى إلى تعميق نفوذ "داعش خراسان"، في هذه المنطقة الحدودية الاستراتيجية.

ومنذ تأسيسه، انخرط "داعش خراسان" في عمليات دموية ضد القوات الحكومية الأفغانية (المخلوعة)، قوات التحالف الدولي، ومقاتلي "طالبان". وقد شنت القوات الأميركية والقوات الحكومية الأفغانية السابقة حملة شرسة ضد قوات تنظيم "داعش خراسان" شرقي أفغانستان، وقد تمكنت تلك القوات من قتل الكثير من قادة "داعش خراسان". إضافة لذلك، تمكنت القوات الأفغانية من القبض على زعيم التنظيم أسلم فاروقي والكثير من القادة الآخرين، مثل قاري زاهد وسيف الله (المعروف أيضا باسم أبو طلحة) في مقاطعة قندهار في مارس/آذار 2020. كما تعاون الجيش الإيراني مع طالبان لتأمين الحدود البرية الإيرانية مع أفغانستان وحرمان مقاتلي "داعش خراسان" من حرية الحركة.

"داعش خراسان" يتلقى الدعم من "داعش" في العراق وسوريا منذ تأسيسه

استثمار الغضب من التفاوض مع واشنطن

وقد رفع تنظيم "داعش خراسان" شعار عدم التسوية مع الغرب، مما ساهم في جذب بعض أعضاء "طالبان" السابقين الغاضبين من المفاوضات التي دخلتها طالبان مع الولايات المتحدة قبل انسحاب قوات التحالف من البلاد في أغسطس/آب 2022. وقد وصفت "داعش خراسان" حركة "طالبان" بأنها حليفة لـ"الصليبيين"، وتعهدت بالانتقام من "طالبان" بسبب اتفاق السلام مع الولايات المتحدة. ووفقا لمفهوم توحيد الحاكمية، فإن "داعش خراسان"، لا تعترف بشرعية ولاية حكام "طالبان"، لأنهم وفق تفسيرها لا يحكمون وفق الشريعة الإسلامية، كذلك فإن التنظيم يصف "طالبان" بأنهم مجرد جماعة قومية ذات حدود ضيقة تسعى لتأسيس دولة أفغانية بدلا من الانخراط في "الجهاد العالمي" المزعوم.

ويشير تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن المنشور نهاية عام 2018 إلى تلقي "داعش خراسان" الدعم من القيادة الأساسية لتنظيم "داعش" في العراق وسوريا منذ تأسيسه عام 2015. ومع خسارة "داعش" لأراضيها، تركزت جهود التنظيم الدولي بشكل متزايد على أفغانستان لتكون مركزا لـ "خلافة" عالمية مزعومة. وبعد مبايعة "داعش خراسان" رسميا للخلافة العالمية التي يترأسها "تنظيم الدولة الإسلامية" لتكون جزءا من الأمة، أعلنت ولايات "داعش" في العراق وسوريا تهنئتها على توسع نطاق نفوذها في آسيا الوسطى. ومن أجل تحسين شبكاته وتنظيمه في آسيا الوسطى، استثمر تنظيم "داعش" بعض الموارد المالية في إقليم خراسان بمبالغ قدرت بمئات الآلاف من الدولارات. وفي هذا الصدد، صدر تعليق للأمم المتحدة يفيد بأن نواة "داعش" تواصل "تسهيل نقل بعض عناصرها الرئيسة إلى أفغانستان"، بما في ذلك أبو قتيبة، الزعيم السابق لتنظيم "داعش" في محافظة صلاح الدين العراقية. وعليه، فإنه يمكن الجزم بكون أفغانستان هي الوجهة الأولى للمقاتلين الإرهابيين الأجانب في المنطقة، وعلى رأسهم المقاتلون الذين يغادرون ساحات القتال في بلاد الشام. كما أن براعة تنظيم "داعش" في خراسان في تدبير شؤونه، والتسويق لنفسه دوليا بين المسلمين، إضافة لقدراته اللوجستية، كلها أمور تسهل تجنيد هؤلاء المقاتلين الإرهابيين الأجانب، مما يبعدهم عن الحركات المسلحة الأخرى لصالح تنظيم "داعش خراسان".

أ.ف.ب
أحد أفراد القوات العراقية يمر بجانب لوحة جدارية تحمل شعار تنظيم "داعش" في نفق بالموصل

وتأخذ الولايات المتحدة تهديدات "داعش خراسان" على محمل الجد، فقد صنفت وزارة الخارجية الأميركية تنظيم "داعش" الإرهابي كمنظمة إرهابية أجنبية في 14 يناير 2016، وصعدت القيادة المركزية للولايات المتحدة حملتها الجوية ضد الجماعة منذ عام 2016 عندما توسعت قواعد الاشتباك في عهد الرئيسين أوباما ثم ترمب. ووفقا للبيانات التي نشرها الموقع الإلكتروني لمشروع مواقع الصراعات وجمع البيانات (ACLED)، فإنه خلال أقل من عامين (1 يناير 2017 إلى 12 أكتوبر 2018) شنّت الولايات المتحدة وحلف "الناتو" أكثر من 300 غارة جوية ضد تنظيم "داعش خراسان". وعلى الرغم من تزايد أعداد التنظيم في جميع أنحاء أفغانستان، فإن أغلب الغارات الجوية كانت متركزة في مقاطعتي ننجرهار وكونار (٩٦ في المئة من جميع الغارات الجوية) في محاولة لاستهداف القيادة وقواعد عملياتها.

ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان

كان تفجير مطار كابل يوم 26 أغسطس/آب 2021 رسالة من تنظيم "داعش خراسان" إلى "طالبان" بأنهم لم يُحكِموا بعدُ سيطرتهم على البلاد، وأن المرافق الحيوية ليست بمنأى عن هجمات "داعش". وقتها، كانت قوات تنظيم "داعش خراسان" تتمركز في إقليم ننجرهار، شرقي أفغانستان قرب طرق تهريب المخدرات والإتجار بالبشر إلى باكستان، مما يخلق بؤرة توتر وإزعاج لحكومة "طالبان" ودولة باكستان. مثل هذه المعطيات تؤيد التحليل الذي يذهب لكون "داعش خراسان" ورقة ابتزاز أميركي لكل من "طالبان" وحكومة إسلام آباد.

وفي اليوم التالي لعملية المطار، نشرت شبكة "إيه بي سي" الإخبارية تقريرا حول أجندة تنظيم "داعش خراسان"، وأجرت لقاءات مع بعض الخبراء ومن ضمنهم كولين كلارك خبير مكافحة الإرهاب وكبير الباحثين ومدير السياسات والبحوث في مركز صوفان الذي وصف التنظيم بأنه يتّبع نموذج "القاعدة" في تطوير نموذج للتنظيم اللامركزي حتى يتمكن من الإفلات من ملاحقة القوات الأميركية. ويضيف كلارك أن "داعش خراسان" لديها ما يقدر بنحو 1500-2200 مقاتل قدموا من البلاد العربية ومجمل الشرق الأوسط وباكستان وجنوب آسيا. وبحسب كلارك، فإن من أهم نقاط الاختلاف بين التنظيم و"طالبان" أن "داعش خراسان" تنظيم عابر للحدود يهدف لأن "يبقى ويتمدد"، بينما "طالبان" جماعة متجانسة من البشتون. ويضيف كلارك أنه عندما يصل التنظيم إلى النقطة التي يشعر فيها بالاطمئنان، فإنهم سيسعون إلى إعلان الخلافة مرة أخرى. ويتفق معه هوفمان من مجلس العلاقات الدولية الأميركية بخصوص أن هجمات "داعش" المستقبلية لا ينبغي أن تكون مفاجئة.

وفي الأسبوع التالي لعملية المطار، نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية التابع لجامعة جورج تاون بواشنطن العاصمة لقاء مع كولين كلارك حدد فيه خطورة "داعش" بأنه ستلعب دور المخرب ضد حكومة "طالبان"، لكنه استبعد قدرتها على انتزاع حكم أفغانستان. بمعنى أنها ستبقي حالة التوتر واللامركزية السياسية في أفغانستان. ويضيف كلارك أن الأجندة الطائفية لـ"داعش خراسان" ستدفعها لمهاجمة المصالح الإيرانية في المنطقة. واختتم بأن أهم أوراق نجاح التنظيم هي نجاحه في تجنيد الكثير من أتباع الجماعات الجهادية على طول الحدود الأفغانية الباكستانية، مما يعزز قوته في البقاء وممارسة نشاطه.

خبراء أميركيون يبحثون إمكانية احتواء "داعش خراسان" دون مساعدة "طالبان" وباكستان

التواصل مع "داعش خراسان"

وبعد شهر من عملية المطار، نشر موقع "فورين بوليسي" تقريرا حول "داعش خراسان"، ومن أبرز ما جاء فيه أن خبراء مكافحة الإرهاب الأميركيين يتباحثون حول إمكانية احتواء تنظيم "الدولة الإسلامية في خراسان" دون مساعدة "طالبان" وراعيتهم الرئيسة باكستان. ويذهب بعضهم إلى أن "طالبان" تستغل موضوع تهديدات "داعش خراسان" لتحسن صورتها وتقدم نفسها بأنها ضحية للإرهاب، وشريك محتمل في القتال ضده. ويشير التقرير إلى أن قلة قليلة من الخبراء يعتقدون أن التعاون بين الغرب و"طالبان" لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان سيكون فكرة جيدة.

وفي هذا الصدد، يقول برادلي بومان، المدير الأول لمركز القوة العسكرية والسياسية في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، حيث يركز في حديثه على استراتيجية وسياسة الدفاع الأميركية: "داعش خراسان أمر مروع... هم أعداء البشرية جمعاء... ولكن مجرد قتالهم لطالبان يجب أن لا يجعلنا نخدع أنفسنا ونغير الموقف من القتلة والمضطهدين للمرأة (أي طالبان)".

وينقل التقرير عن خبير مكافحة الإرهاب كولين كلارك أن الولايات المتحدة تتعامل مع تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان على أنه تهديد، وعليه "ستستفيد طالبان دون الحاجة إلى إجراء أي تغييرات ملموسة في الطريقة التي تحكم بها".

وبحسب تقرير "فورين بوليسي"، يعتقد بعض الخبراء في واشنطن أن أوزبكستان وطاجيكستان بالإمكان أن يكونوا شركاء أكثر فاعلية في محاربة الإرهاب في أفغانستان. وبحسب كلارك، فإن "القواعد في آسيا الوسطى مفضلة على القواعد في باكستان، لأن الباكستانيين كانوا من البداية على خلاف مع الأميركيين بشأن علاقتهم مع طالبان".

ويضيف كلارك: "لا أعتقد أن الولايات المتحدة تستطيع ولا ينبغي أن تثق في وكالة المخابرات الباكستانية، التي لعبت لعبة مزدوجة على مدى العقدين الماضيين. ربما لا تزال الولايات المتحدة تحت رحمة القادة المتلونين في آسيا الوسطى، لكنهم يبقون بديلا أفضل من باكستان".

ويشير التقرير كذلك إلى أن الظروف الحالية تزيد من مخاوف قدرات تنظيم "داعش خراسان" على التجنيد والتوسع. وتؤكد "فورين بوليسي" قلة عدد مقاتلي "داعش خراسان" مقارنة بعدد مقاتلي "طالبان" الذي يبلغ قرابة 100 ألف مقاتل، غير أن ما يميز تنظيم "داعش خراسان" هو القدرة على جذب المنشقين إلى صفوفه. يؤكد ذلك نشاطه المتزايد، والذي من ضمنه- بحسب بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان- أنه خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2021، نفّذ التنظيم 77 هجوما قتل خلالها جنودا أميركيين، مما عزز من صورة التنظيم كمقاتل لأميركا، وساهم في جذب مجموعة من مقاتلي "طالبان" السابقين الذين يشعرون بأن منظمتهم الأم خذلتهم. وفي هذا الخصوص، قد يفضّل أعضاء الميليشيات العرقية الأخرى أيضا الانضمام إلى "داعش خراسان" لمحاربة عدوهم التاريخي، أي "طالبان" الذي يهيمن عليه البشتون.

أ.ب
مقاتلون من حركة طالبان يحملون أعلامها في كابول، أفغانستان، الاثنين 30 أغسطس 2021

منافس شرس لـ"طالبان"

تشير عدة تقارير لكون "طالبان" تتعمد إيجاد منافس أكثر تطرفا حتى تظهر بصورة الخيار الأقل سوءا. فعندما فتحت "طالبان" السجون النظامية لإخراج السجناء منها، خرج الكثير من المتطرفين الذين انضموا إلى "داعش". وينقل تقرير "فورين بوليسي" عن رحمة الله نبيل، رئيس مديرية الأمن الوطني الأفغاني السابق، أن "سجن بل الشرقي، القريب من جلال آباد، وسجن باغرام [سجن باروان] قد زوّدا تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان بالجنود". فكثير من هؤلاء السجناء انضم إلى "داعش خراسان" التي تقاتل "طالبان". وعليه، فإن "طالبان" تبدو القوة الأقل تطرفا إذا ما قورنت بـ"تنظيم الدولة". وتؤكد شبكة "بي بي سي" هذا القول بنشرها تقريرا حول استهداف قضاة الدولة الأفغانية المنهارة من قبل السجناء الذين حررتهم "طالبان".

وتضيف صحيفة "وول ستريت" في تقرير أعده سون إنجل راسموسن، أن تنظيم "داعش خراسان" تهديد لـ"طالبان"، وذلك لأن "تشكيلته في أصلها تتكون من أعضاء سابقين في طالبان أفغانستان وطالبان باكستان والذين يعتقدون أن طالبان غير متطرفة بما فيه الكفاية".

وقد أشار التقرير إلى تمدد تنظيم "داعش خراسان" في إقليم زابول جنوبي أفغانستان حيث استقر الملا داد الله ومعه مئات من مقاتلي التنظيم، وأقاموا تحالفا مع مسلحين من الحركة الإسلامية في أوزبكستان، وهي جماعة متطرفة أخرى تعهدت أيضا بالولاء لتنظيم الدولة الإسلامية في خراسان. حوّل التحالف زابول إلى أحد معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان.

وقد نشرت شبكة "CBS NEWS" تقريرا بتاريخ 8 أكتوبر 2021 جاء فيه: يُعتقد أن بعض مقاتلي "طالبان" قد تخلوا عن الجماعة للانضمام إلى "داعش خراسان" أو "القاعدة"، مفضلين تفسيرا أكثر تطرفا ووحشية للإسلام، لكن هذه المصادر تقول إن "داعش خراسان" يعمل عمدا على تقويض سلطة "طالبان" من داخل وخارج الجماعة، "وهذا ينطوي على مخاطر لا تمس أفغانستان فقط، ولكنها تطال الولايات المتحدة وحلفاءها".

أوزبكستان وطاجيكستان بالإمكان أن يكونوا شركاء أكثر فاعلية لمحاربة الإرهاب في أفغانستان

وذكر التقرير أنه على مدار أربع سنوات من تأسيس "داعش خراسان"، قُتل أربعة من كبار قادته بطائرات أميركية دون طيار أو على يد القوات الحكومية الأفغانية الحليفة للولايات المتحدة. وفي يونيو/حزيران 2020، انتقلت القيادة إلى متشدد يُدعى سانا الله غفاري وهو معروف باسم شهاب المهاجر، الذي يُعتقدُ من اسمه أنه من أصل عربي وليس أفغانيا. وقال اثنان من كبار المسؤولين الأمنيين السابقين في الحكومة الأفغانية وعضو بارز في نظام "طالبان" الحالي لشبكة "سي بي إس نيوز"، إن شهاب من قدامى المحاربين في التمرد الداخلي في أفغانستان، وأن اسمه الحقيقي هو سناء الله. يقولون كذلك إنه خريج معهد كابل للفنون التطبيقية ومن مواليد أكتوبر 1994 وفقا لبطاقة تسجيل الناخبين التي عثرت عليها قوات الأمن الأفغانية. ويقول المسؤولون الأفغان السابقون إن الرجل المعروف الآن باسم المهاجر تلقى تدريبات في باكستان من جماعتين متطرفتين مختلفتين متمركزتين هناك، بما في ذلك "شبكة حقاني" التابعة لـ"طالبان" والتي تشارك في الحكم حاليا. وبحسب تقرير منظمة "Ex-Trac" المتخصصة في تحليل التهديدات التي تشكلها الجماعات المتطرفة، "مهما كان أصله العرقي، فقد انتهى به الأمر إلى أن يكون في وضع أفضل بكثير من أسلافه لإحياء (داعش خراسان) وقد توّج توليه مقاليد زعامة التنظيم في أبريل/نيسان عام 2020 بتغيير جذري في التنظيم، وهو التغيير الذي جعله ينتقل من شبكة مجزأة ومتدهورة إلى كتيبة عدوانية كما هي عليه اليوم".

وفي يونيو/حزيران 2023 شنت قوات "طالبان" هجمات عنيفة ضد "داعش" في مقاطعة سيركاناي في كونار وقد دمرت عددا من مواقعهم وقتلت عددا من كوادرهم. وقتها، تداولت وسائل الإعلام الباكستانية أنباء عن مقتل المهاجر في ظروف غامضة وعن تولي السوري أبو محمد سعيد الخراساني موقع أمير التنظيم. غير أنه يصعب تأكيد الخبر في ظل تكتم التنظيم على مسألة مصير قادته.

تقويض "حكومة طالبان"

ويضيف التقرير- نقلا عن بعض المسؤولين الأفغان- أنه في حين ركز قادة "داعش" الآخرون على السيطرة على الأرض، فإن المهاجر يتبع تكتيكا أكثر استراتيجية يهدف إلى تقويض الحكومة الأفغانية ليتمكن من ممارسة أنشطته بحرية. ويضيف المسؤولون الأمنيون السابقون في حكومة أفغانستان أن المهاجر نجح في إخفاء هويته الحقيقية ومواصلة العمل كمتلاعب بـ"طالبان". وقال أحد المصادر الأمنية بالحكومة الأفغانية السابقة إن المهاجر تمكن من عقد اجتماع مع نائب رئيس مخابرات "طالبان" الملا تاجمير جواد، دون أن يدرك المسؤول أنه يتحدث مع زعيم "داعش خراسان" شخصيا. ويشير التقرير نفسه إلى أن معظم مقاتلي "داعش خراسان" لم يقابلوا المهاجر ولا يعرفون شكله!

وفي نهاية عام 2021، نشرت مجلة "بولتيكو" لسارا تشيس بعنوان "طالبان في موقع ضعف: كيف يتم اغتنام الفرصة". وجاء في المقال أن "طالبان" و"داعش خراسان" يتنافسان على تجنيد العاطلين ليصبحوا مقاتلين في صفوفهم، "فينعمون بالمال وهم أحياء وبالنعيم الأبدي إذا استشهدوا". وأشار المقال إلى مشاكل النزوح والفقر بوصفها محفزات للانضمام إلى "طالبان" أو "داعش خراسان".

أ.ب
جنود أميركيون وأفغان في مراسم الانسحاب الأميركي في 2021

جدير بالذكر أنه منذ وصول "طالبان" إلى السلطة، نفذ تنظيم "داعش خراسان" عدة هجمات أسفرت عن مقتل أكثر من مئة مدني. ورغم ذلك، زعمت حركة "طالبان" أن تنظيم الدولة الإسلامية ليس له وجود مادي في أفغانستان، وعزت الهجمات إلى الأفغان الذين ربما تبنوا أيديولوجية "داعش". ويُفهم من موقف "طالبان" هذا أنها لا تريد الاعتراف بوجود منافس قوي على الأرض.

ويؤكد مسؤولو "طالبان" باستمرار أنهم يحكمون قبضتهم على البلاد. ففي 11 أكتوبر 2021 صرح وزير الخارجية أمير خان متقي لوكالة "رويترز" قائلا إن حكومة "طالبان" الجديدة في أفغانستان "قادرة على السيطرة على التهديد الذي يشكله متشددو تنظيم الدولة الإسلامية الذين شنوا سلسلة من الهجمات القاتلة في الأسابيع الأخيرة". وهذا أمر مثير للاستغراب كون التصريح يقع زمنيا بين تفجيري المسجدين الشيعيين اللذين نفذهما تنظيم "داعش خراسان" عن طريق هجومين انتحاريين أثناء صلاة الجمعة يومي 8 و15 أكتوبر.

"طالبان" لا تريد الاعتراف بوجود منافس قوي على الأرض

وقد نُفذ الهجوم الأول في مدينة قندوز الواقعة شمال شرقي أفغانستان بواسطة شخص من أقلية الإيغور الصينية المسلمة، وقد تسبب الهجوم في مقتل 72 شخصا وإصابة أكثر من 140. أما الهجوم الآخر فقد نُفذ في مسجد بيبي فاطمة في مدينة قندهار الواقعة جنوبي البلاد، وقد تسبب الهجوم في مقتل 63 شخصا وإصابة أكثر من 70. وقد نفذ الهجوم مجموعة من الانتحاريين لم تكشف هويتهم.

وفي هذا الصدد، نشرت "رويترز" مقالا بعنوان "عنف تنظيم الدولة الإسلامية يضعف مزاعم طالبان بأن أفغانستان أكثر أمنا"، ذكرت فيه أن التحدي الأكبر لـ"طالبان" كسلطة حاكمة يُنتظر منها توفير الاستقرار للبلاد يتمثل في مواجهة الفوضى التي يحدثها تنظيم "داعش خراسان". ونقل المقال عن أنطونيو جوستوزي، المتخصص في الجماعات الجهادية من المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، أن "داعش" يحاول "تقويض وتشويه سمعة إمارة طالبان. وأن الإمارة وعدت بالأمن ولكن داعش يحاول إظهار عدم تمكنهم من تحقيق ذلك".

تزايد شعبية "داعش خراسان" في أفغانستان

في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، كتبت الباحثة المختصة في الشأن الأفغاني رينا أميري في "فورين أفيرز" حول تزايد شعبية "داعش خراسان": "مع تزايد الإحباط من حكم طالبان، قد يكون تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان، الذي صعّد بالفعل هجماته في جميع أنحاء البلاد، قادرا على حشد المزيد من الدعم، لا سيما بين الشباب والجماعات الأخرى المنزعجة من حكم طالبان. نستذكر أنه في سوريا والعراق، نجح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في تجنيد الجماعات الطائفية والنساء من خلال تسخير إحباطاتهم وتبني خطاب المقاومة وحث الجميع على المساهمة في نصرة داعش".

مقال أميري يعزز فكرة المزايدة في التطرف الراجعة إلى الإحباط الذي تعيشه بعض الفئات المهمشة في المجتمع. ما حصل في العراق، وسوريا، وأفريقيا، وأفغانستان من الممكن أن يكون قابلا للتطبيق في أي مكان من العالم.

"داعش خراسان" أضحى الوجهة المفضلة للمتطرفين الذين يزايدون على "طالبان" و"القاعدة"

كذلك فإن التقارير الاستراتيجية تشير إلى أن "داعش خراسان" قد أضحى الوجهة المفضلة للمتطرفين الذين يزايدون على حركة "طالبان" وتنظيم "القاعدة". وقد أشار جريج كورتس إلى أن المتطرفين الحقيقيين بين الأصوليين مرتبطون بـ"داعش"، وخاصة "داعش خراسان"، الفرع الأفغاني لـ"داعش". لكن "طالبان" تكره "داعش خراسان" أكثر مما تكره الأميركيين، وتوجد بالفعل حرب مفتوحة بين الجماعتين الأصوليتين. كما أن تنظيم "داعش الدولي" و"داعش خراسان" يشكلان بالتأكيد تهديدا للغرب (وإن لم يكن هذا التهديد في المستقبل القريب)، لكن ليس لديهما فرصة للحصول على حماية "طالبان"، بل على العكس تماما".

ويكمل كورتس أن "طالبان في أمسّ الحاجة إلى المساعدة من دول مثل الصين وروسيا وإيران، نظرا إلى أن معظم الدول لا ترغب في الانخراط في الشأن الأفغاني. وفي المقابل، فإن هذه الدول الثلاث قلقة للغاية من مسألة الإرهاب ولن تتسامح مع تحول أفغانستان إلى ملاذ للإرهاب".

تهديد دول الجوار

تداولت عدة تقارير مسألة استهداف "داعش خراسان" للصين عن طريق استخدام عناصر من أقلية الإيغور في تنفيذ هجمات انتحارية، تحديدا فيما يتعلق بمساجد الشيعة. ويأتي استهداف الصين في سياق إحياء قضية الإيغور والذي تتهم "داعش خراسان" حركة "طالبان" بخذلانها بسبب علاقاتها الطيبة مع الحكومة الصينية. وبحسب مقال نشره أبو بكر صديقي، فإن استهداف "داعش خراسان" لمساجد الشيعة في منطقة قندهار "يهدف إلى تسليط الضوء على محنة الأقلية السنية الإيرانية".

وفي مطلع عام 2024 قام التنظيم بتفجيرين انتحاريين في إيران أسفر عن مقتل 100 شخص. جاء الهجوم في تجمع لإحياء الذكرى الرابعة لمقتل قاسم سليماني. وهذه ليست المرة الأولى التي يهاجم فيها التنظيم الأراضي الإيرانية. فقد سبق له مهاجمة مزارات منها مزار  "المرشد" الايراني الراحل الخميني في عام 2017.

ولم تكن باكستان بمنأى عن هجمات التنظيم الذي يستهدفها بين فترة وأخرى. ومن أبرز تلك الهجمات محاولة اغتيال السفير الباكستاني في كابل رحمان نزماني في ديسمبر/كانون الأول 2022. ومن الجدير بالذكر أن "داعش خراسان" تستغل التوتر بين حكومة باكستان وطالبان باكستان لتهاجم المصالح الحكومية الباكستانية التي تدعم "طالبان أفغانستان" وتضيق على الفصيل الباكستاني.

 خلاصة القول، إن "داعش خراسان" تعمل على توتير علاقة "حكومة طالبان"- التي تسيطر على أفغانستان- مع دول الجوار بهدف إضعافها دبلوماسيا وتأخير الاعتراف الدولي بها. إضافة لتوتير العلاقة مع دول الجوار التي تهدف "داعش" لاستعدائهم على أفغانستان من خلال جعلها نقطة انطلاق لهجمات عليهم.

"داعش" مقابل "طالبان"

الفكر المتطرف بحد ذاته ليس مستغربا، ولكن أن يوجد من يزايد حتى على المتطرفين ويكفرهم فقط لأن درجة تطرفهم أقل منه، فإن ذلك يُوضح الفارق بين المتطرف صاحب المشروع، والمتطرف الذي مشروعه التطرف.

بالنسبة للمتطرف صاحب المشروع، فإن التطرف وسيلة لتحقيق هدفه. وحركة "طالبان" مثال حي على ذلك، فتطرفها سبيل لتحقيق حلم "الإمارة الإسلامية" والاستمرار في حكمها. لذلك نجد أن لديهم مرونة وبرغماتية ستجعل الحوار معهم ممكنا عندما يجدون "مصلحة" في الاتفاق.

أما من كان مشروعه التطرف، فإن التطرف عنده غاية في حد ذاتها. فليس يهمه بناء دولة أو المحافظة على مكتسبات، فكل ما يهمه أن يطبق فهمه المحدود للنصوص بشكل حرفي بغض النظر عن العواقب. وهذا مثال لحركة "طالبان" في فترتها الأولى، ولتنظيمي "القاعدة" و"داعش" اليوم. فإن لم يصل إلى هدفه الأصيل (النصر)، فإنه سيصل لهدفه البديل (الشهادة).

"داعش خراسان" تعمل على توتير علاقة "حكومة طالبان" مع دول الجوار بهدف إضعافها دبلوماسيا

أمل "داعش" في الإقليم

بعد الهزائم الكبرى التي مني بها تنظيم "داعش" في بلد المنشأ (العراق وسوريا)، لم يعد له سوى أن يستثمر في مناطق الصراع الكبرى، وعلى رأسها أفغانستان وأفريقيا. وإذا كانت "داعش أفريقيا" تعتمد على القيادات المحلية، فإن "داعش خراسان" تستوعب قيادات أجنبية، وذلك بسبب خبرة سابقة لتنظيم "القاعدة" في أفغانستان والذي سبق وقاده أجانب.

إن المزايدة على "حكومة طالبان"، هي النقطة التي ينطلق منها "داعش" لتجنيد الشباب اليائسين من سوء الأوضاع في أفغانستان، والذين لم يلحظوا تغييرا ملموسا في حياتهم بعد الانسحاب الأميركي في أغسطس 2021. ووفقا لإحصائيات الأمم المتحدة، فإن أعداد مقاتلي "داعش خراسان" قد نما ليصل لما بين 4-6 آلاف مقاتل يتوزعون في 13 إقليما، إضافة لشبكة- غير معروفة- من الخلايا النائمة التي قد تنشط في أي وقت.

أ.ف.ب
مقاتل من حركة طالبان يقف في موقع التفجير الانتحاري المزدوج الذي وقع في 26 أغسطس/آب في مطار كابول في 27 أغسطس/آب 2021

لا يبدو أن "داعش" قادرة على إحكام السيطرة على أفغانستان، أو حتى على جزء متكامل منها. لذلك سيظل نشاطها في إطار قوى اللادولة، وهنا يكمن التهديد الحقيقي. هذا النوع من النشاط يضمن عدم استقرار البلاد؛ مما سيؤدي إلى تنامي الجريمة وأنشطة تهريب المخدرات والتي ستعيد أفغانستان للمربع الأول كبؤرة توتر وتجميع للمتطرفين من جميع أنحاء العالم.

يضاف لذلك أن توتر الوضع في أفغانستان يعطي أوراق تفاوض وضغط قوية لكل من الصين وإيران وباكستان من أجل الحصول على مكتسبات سياسية ستكون بالنسبة للولايات المتحدة أقل تكلفة من الدخول المباشر الذي جربته على مدار أكثر من عقدين دون أن تصل لنتيجة تستحق ذلك المستوى من الاستثمار المالي والعسكري.

إن سنوات الفساد الذي رعته الولايات المتحدة في أفغانستان خلّفت جيلا ناقما على التدخل الأميركي من جهة، وناقما على التطرف من جهة أخرى. فإذا كان الوجود الأميركي ووكلاؤه يمثلون نقطة النقمة الأولى، فإن "داعش"- وليس "طالبان"- هو من يمثل نقطة النقمة الأخرى. لذلك فإن "طالبان"- بكل سلبياتها- قد أضحت أخف الضررين عندما تقارن بـ"داعش".

السؤال الذي يستحق الطرح: ماذا ستفعل القوى الإسلامية الكبرى لتحمي أبناءها من خطر تنامي "داعش خراسان" المرشح الأقوى لخلافة تنظيم "القاعدة" في استقطابه للشباب وتجنيدهم لـ"الجهاد" العابر للحدود؟

إذا كان "داعش أفريقيا" خزانا مرشحا لتصدير التطرف والعنف للخارج، فإن "داعش خراسان" نقطة جذب للمتطرفين الفارين من دولهم.

font change

مقالات ذات صلة