ما تداعيات انسحاب أميركا "الحتمي" من سوريا؟

من المرجح أن يصب ذلك في مصلحة "داعش"

AFP
AFP
جنود أميركيون يقومون بدورية في ريف الرميلان بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا في 7 يونيو 2023

ما تداعيات انسحاب أميركا "الحتمي" من سوريا؟

لأكثر من ثماني سنوات، حافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري في شمال شرقي سوريا، بدأ ببضع عشرات من الجنود، وزاد لاحقا إلى 2500 جندي، واستقر الآن عند حوالي 900 جندي. ومن عام 2015 حتى عام 2019، لعبت هذه القوات دورا محوريا في تدريب وتجهيز قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وساعدت بشكل كبير في القتال لتفكيك سيطرة "داعش" الإقليمية. وتوجت هذه المهمة في مارس/آذار 2019 بهزيمة تنظيم "داعش" داخل معقله الأخير في الباغوز.

بعد عام 2019، كانت القوات الأميركية توحد وتعزز الجهد الوحيد الهادف والمؤثر لاحتواء تمرد "داعش" والقضاء عليه، في منطقة تضم ثلث الأراضي السورية، حيث كانت "قوات سوريا الديمقراطية" الشريك المخلص والمتمكن. ولكن مما لا شك فيه، أنه من دون الوجود العسكري الأميركي وجميع المعلومات الاستخباراتية واللوجستية والدعم الناري والدعم السياسي الذي تجلبه معها، فإن القبضة التي تلف عنق "داعش" في شمال شرقي سوريا سوف تضعف بشكل كبير، وربما تزول نهائيا.

ومع ذلك، وعلى الرغم من الدور الحاسم الذي يلعبه الانتشار الأميركي وفعاليته من حيث التكلفة (مع وجود 900 جندي يشكلون 1.5 في المئة فقط من القوات الأميركية في الشرق الأوسط الكبير)، فإن الدعوات المطالبة بالانسحاب الأميركي تتزايد. ولعل ما زاد كثيرا في هذه الضغوط هو القرار الذي اتخذته حكومات إقليمية كثيرة بإعادة التعامل مع نظام الأسد عام 2023. ولكن في الآونة الأخيرة، زاد في ذلك أيضا ارتفاع نسبة الفوضى الإقليمية وعدم القدرة على التنبؤ بما يمكن أن يقع.

بينما تستعد الولايات المتحدة لإجراء محادثات وشيكة مع بغداد بشأن مستقبل مهمتها العسكرية في العراق، يبدو بالفعل أن الطريق بات ممهدا لانسحاب أميركي من سوريا

لقد شهدت المنطقة، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، أكثر من 450 هجوما لـ"حزب الله" على إسرائيل، وأكثر من 175 هجوما شنها وكلاء إيرانيون على القوات الأميركية في العراق وسوريا، وأكثر من 30 ضربة صاروخية للحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر، وغيرها من الهجمات الصاروخية والطائرات دون طيار التي وُجِّهت من مصادرها في إيران واليمن والعراق إلى جميع أنحاء المنطقة من إسرائيل إلى باكستان، مرورا بالعراق وسوريا.

وفي هذا السياق من الاضطرابات الإقليمية ووسط الصراع في غزة، تفكر الحكومة الأميركية في انسحاب محتمل من سوريا.

AP
صورة لغارة جوية أميركية في 8 نوفمبر 2023 على مستودع أسلحة شرق سوريا

وكما ناقشتُ في مقال نشرْتُه في مجلة "فورين بوليسي" مؤخرا، على الرغم من عدم اتخاذ قرار نهائي، فإن المراجعات الجارية للسياسة السورية والانتشار العسكري الإقليمي تدرس معايير الانسحاب المحتمل. ويشمل ذلك تحديد المتطلبات الأساسية لخروج آمن ومنظم لا يخلق فراغا في السلطة يمكن استغلاله من قبل كيانات معادية.

ووفقا لكثير من كبار المسؤولين المشاركين في المناقشات الجارية، فقد ثبت أن فكرة الانسحاب العسكري الأميركي من سوريا تلوح فعلا في الأفق، على الرغم من أن تفاصيل كيف ومتى وتحت أي ظروف لا تزال قيد التداول. وبينما تستعد الولايات المتحدة لإجراء محادثات وشيكة مع بغداد بشأن مستقبل مهمتها العسكرية في العراق– التي وصفتها الولايات المتحدة بـ"المرحلة الانتقالية"، ووصفها العراق بـ"الانسحاب"– يبدو بالفعل أن الطريق بات ممهدا لانسحاب أميركي من سوريا، وإن لم يكن وشيكا بأي حال من الأحوال.

الوجود الأميركي في شمال شرقي سوريا وفي العراق المجاور يظل حيويا لمنع عودة "داعش" بشكل خطير

ولا ريب في أن إدراج انسحاب الولايات المتحدة في المناقشات السياسية الداخلية يفتح مجالا كبيرا للتخمين. أحد هذه التكهنات أن الولايات المتحدة قد تسهل التوصل إلى اتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية ونظام الأسد بشأن حملة مشتركة ضد "داعش". ومع ذلك، تبدو هذه الفكرة غير قابلة للتنفيذ تقريبا ويمكن أن تغذي "داعش" على النقيض مما ترغب فيه واشنطن، فلئن كان أحد أطراف "قسد" يجري اتصالات دورية مع نظام الأسد، فإن الاثنين أبعد ما يكونان عن أن يصبحا حليفين طبيعيين، ولن يسمح النظام بأي حال من الأحوال لـ"قوات سوريا الديمقراطية" بأن تعزز وجودها واستقلالها. ومن جهة أخرى، ستبذل تركيا كل ما في وسعها لتقضي على ما يتبقى منها. وبينما ستشعر الدائرة الكردية في "قوات سوريا الديمقراطية" بحق بأنها قد خُذِلت، فإن المكونات العربية في "قسد"، والتي نشأ معظمها في المعارضة السورية المسلحة، ستجد نفسها أمام فرقة إعدام حقيقية. أما "داعش" فسترى في ذلك فرصتها الحقيقية للعودة.

AP
موقع التنف العسكري في جنوب سوريا

بالإضافة إلى ذلك، فإن السعي وراء مثل هذه الصفقة قد يعني ضمنا أن الحكومة الأميركية ستمنح نظام الأسد، المسؤول عن جرائم حرب واسعة النطاق وجرائم ضد الإنسانية على مدى اثني عشر عاما، شرعية فعلية، خاصة وأن سلوك الأسد نفسه قد أسهم بشكل كبير في نمو تنظيم "داعش".

وفي حال انسحاب الولايات المتحدة، من المرجح أن يصب ذلك في مصلحة "داعش". والحقيقة أن التنظيم، على الرغم من نجاح الشراكة بين الولايات المتحدة و"قوات سوريا الديمقراطية" في شمال شرقي سوريا، يستعيد بعضا من عافيته بهدوء في أجزاء أخرى من سوريا، ولا سيما في منطقة البادية الواقعة تحت السيطرة الاسمية لنظام بشار الأسد.

هناك، أعاد تنظيم "داعش" فرض سيطرته على الأراضي الريفية، ويُنظر إليه على نحو متزايد كسلطة ظل. وبحسب ما ورد، أدى تواتر هجمات "داعش" وشدتها إلى انشقاقات في صفوف قوات النظام. وفي عام 2022، نفذ "داعش" ما لا يقل عن 212 هجوما في البادية، ما أدى إلى مقتل أكثر من 500 شخص. وفي الأيام العشرة الأولى من عام 2024 وحدها، نفذ التنظيم 35 هجوما في سوريا، معظمها في البادية، وهو ما يمثل أكثر من ثلث أنشطته العالمية.

وفي حين أنه لا يوجد الكثير مما يمكن للولايات المتحدة القيام به لمواجهة انتعاش "داعش" في المناطق التي يسيطر عليها النظام في سوريا، فإن الوجود الأميركي في شمال شرقي سوريا وفي العراق المجاور يظل حيويا لمنع عودة "داعش" بشكل خطير. ومع عدم حل الأزمة السورية بالكامل، ومع تزايد قوة شبكة وكلاء إيران الإقليمية من الإرهابيين أكثر من أي وقت مضى، فإن آخر شيء ينبغي على الولايات المتحدة أن تفعله الآن هو التفكير في خفض مستوى قواتها أو سحبها من مثل هذه المسارح الحساسة والحيوية.

font change

مقالات ذات صلة