لقمان ديركي في مذكرات تجمع الضحك بالبكاء

سخرية لاذعة عن أحلام المنفيين

لقمان ديركي في مذكرات تجمع الضحك بالبكاء

جمع الشاعر السوري لقمان ديركي في كتابه الجديد "مذكرات سائح بالصرماية" مجموعة من المقالات التي تحوي الكثير من الذكريات واليوميات وحكايات بعض الذين يعرفهم أو سمع قصصهم.

في الكتاب الصادر أخيرا عن "المتوسط" في إيطاليا، يتنقل ديركي بين الأمكنة والأزمنة، فتحضر الدرباسية، شمال شرقي سوريا، التي ولد فيها عام 1966، ثم حلب ودمشق وتركيا وفرنسا، حيث يعيش الآن. فهو يستعيد طفولته في حلب مع أب يصفه بالديكتاتور لممارسته العنف الدائم ضده، لولا تدخل جدته التي كان يشعر بالأمان أثناء حضورها، فيما الأم "لا تستخدم سوى الشحاطة، إضافة إلى القرص والعض في حالات الغضب الشديد"، ودخوله فصلا دراسيا خاصا بالطلاب المشاغبين، ستطلب السلطات منهم أن يخرجوا يوما للمظاهرة ضد الرئيس المصري أنور السادات هاتفين ضده بالشتائم البذيئة. ثم هروبه من دراسة القسم العلمي إلى القسم الأدبي. وكان فكر بالذهاب إلى الدرباسية، حيث يسمح بالاختلاط في المدرسة بين الفتيان والفتيات على غير ما هو موجود في حلب بداية الثمانينات من القرن الماضي. حلب التي أعجبته فيها فتاة حصل منها على موعد في حديقة، وحين ذهب، حسب الوعد، جاء بدلا منها أبوها وآخرون ليضربوه.

يدخل لقمان بيت عائلة يهودية في دمشق بالصدفة، وهو الذي كان قد مثل دور موشيه دايان في مسرحيات المدرسة ووضع عصابة على عينه مثله. وهناك الكثير من الحكايات المتعلقة بالحارة والزملاء وتدخين السجائر الأولى.

شاعر الجماهير

لا يحكي ديركي قصة حياته بشكل متسلسل عبر فصول أو أزمنة، لكننا إذ نقرأ الكتاب كاملا يمكننا أن نعيد ترتيب حياته بطريقة متتابعة. لذا سنعرف أنه وحيد أبويه من الأولاد، ولذا كان معفى من أداء الخدمة العسكرية، أو خدمة العلم، وكان مضطرا للذهاب سنويا إلى شعبة تجنيد الدرباسية لتجديد الإعفاء. وهناك يستقبله رئيس الشعبة أبو روعة الذي بعد أن عرف أن لقمان شاعر صار يفتح درج مكتبه ليخرج منه مخطوطاته الشعرية ليقرأها عليه طوال ساعات، يقوم خلالها بعض الجنود التابعين للمدير بإنجاز المعاملة. وكان على لقمان أن يبدي إعجابه بالقصائد مجاملة، من خلال هز رأسه أو طلب إعادة قراءة بعض الأبيات. لكنه فكر بأن يدعو الشاعر محمد عفيف الحسيني ليأتي معه. وهناك أوصاه بأن يكيل للشاعر المسؤول المديح لكي تكمل المعاملة بسهولة. فامتدح الحسيني الحضور الجماهيري الكثيف لأمسية هذا الشاعر في عامودا "هذا الأمر حدث مع شاعرين فقط، لكن في مكانين مختلفين، مع أبي روعة في عامودا ومحمود درويش في لبنان". وفي مرة ثانية يأتي معه الشاعر حسين بن حمزة ليعيش الورطة نفسها، لكن أبو روعة أعجب "بتحليلات حسين النقدية لشعره".

لا يحكي ديركي قصة حياته بشكل متسلسل عبر فصول أو أزمنة، لكننا إذ نقرأ الكتاب كاملا يمكننا أن نعيد ترتيب حياته بطريقة متتابعة

يشير لقمان إلى أنه درس في معهد التمثيل، لكنه لا يذكر أي تفاصيل عن دراسته أو نشاطه الفني باستثناء مجيء مبلغ محكمة إلى بيته في يوم ما ليخبره أن إحدى الفنانات رفعت عليه قضية بالمحكمة لأنه كتب مقالا ساخرا عنها.

عراقيون في دمشق

يكتب لقمان عن مقاهي دمشق، وبالذات مقهى الروضة، وعن الأدباء والمثقفين الذين يرتادونها. ويلاحظ أنه أعطى مساحة لافتة في معظم هذه المقالات لوجود العراقيين في دمشق الذين توافدوا إليها هربا من الحروب والاضطهاد السياسي.

سنتعرف على الممثل العراقي فاروق صبري الذي تنتابه حالة حزن شديد فيبكي كلما سهر وتذكر العراق، أو ذكر أحدهم بغداد وأسماء شوارعها كالمتنبي والرشيد وباب المعظم أو مقهى العجمي ونهر دجلة. مما اضطر بعض الندماء إلى منع تداول بعض الكلمات في السهرات لكي لا تثير الفنان المنفي. والبعض كان يشترط ألا يجهش فاروق بالبكاء في أي جلسة يشارك فيها، كما فعل الفنان التشكيلي الفلسطيني مصطفى الحلاج. والذي كان يشترط أيضا ألا يعزف الفنان التشكيلي السوري تركي محمود بيك على الناي.

SABAH ARAR / AFP
صورة للمطرب العراقي فؤاد سالم، الذي توفي عام 2013 بعد مسيرة فنية بارزة

ومن الطرائف التي يذكرها لقمان أنه لم يستطع مرة شراء هدية لأم صديقته العراقية في حفل عيد الميلاد "الكريسماس"، فاضطر أن يطلب من الفنان العراقي فؤاد سالم أن يأتي معه إلى الحفل، لمعرفته أن السيدة العراقية معجبة جدا بالفنان الذي كانت أغانيه ممنوعة في العراق. فكان حضوره مفاجأة كبيرة لها وعوضا عن الهدية، وأدرك لقمان أن ما عمله أفضل مما لو كان يملك المال واشترى هدية معتبرة.

وفي مقهى الروضة هناك شخص يدعى أبو حالوب، كانت طاولته في المقهى تعد بمثابة سفارة للعراق في دمشق. كان العراقيون، كما يكتب لقمان، يلجأون إليه ليسألوه عن أي عراقي في سوريا أو غادر منها إلى أوروبا. ولذا حين فتحت سفارة للعراق في دمشق دعا لقمان في مقال له إلى تكريم ما وصفه بالسفير السابق. ووصله بعدها أن أبو حالوب استدعي إلى السفارة لكنه رفض وقال إذا كان يريدني يجيء إلى المقهى.

ANWAR AMRO / AFP
أشخاص يجلسون في مقهى وسط دمشق، 28 كانون الأول 2024.

وبصورة قريبة من حال مثقفي المنافي وعذاباتهم اليومية يكتب لقمان عن سجالات العراقيين المعهودة التي لا تنتهي "أي البدء بالبوح بالأشواق والحنين، والسؤال عن فلان وعن علان، ومن ثم التدرج في السكر وقرع الأنخاب وتبادل المدائح مع قليل من العتابات، إلى النهاية الحتمية بتبادل الاتهامات والتخوين، ومن ثم استخدام الأيدي في عراكات، لا بد منها على طاولة ثقافية أو سياسية عراقية".

اللجوء والأحلام

هناك موضوع ينثره لقمان في معظم المقالات، وهو حال اللاجئين العرب في أوروبا وأمريكا، وبالذات السوريين والعراقيين. يتحدث عن مغامراتهم في البر والبحر، من سوريا إلى تركيا، ثم إلى اليونان وإيطاليا، وصولا إلى بلدان ومدن لا حصر لها. يتحدث عن علاقتهم بالمهربين وعن المبالغ التي يدفعونها لهم، وعن تعامل شرطة الحدود معهم. ومع كل هذا، هناك أهداف تتحقق وأخرى تجهض بعد محاولات للعبور أو الحياة.

غلاف كتاب مذكرات سائح بالصرماية للقمان ديركي

يستعيد لقمان موجات اللجوء الأولى، خاصة تلك التي خرجت في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، مع اضطهاد الأكراد في العراق وسوريا. ومحاولة البعض تقمص جنسيات أخرى غير جنسياتهم ليسهل له الحصول على حق اللجوء. وكيف يصرح البعض منهم، حين لا يحصل على هذا الحق، باتهام هذه البلدان بالعنصرية. وذلك بأسلوب ساخر ميز كل مقالات الكتاب وقصصه، وهو أسلوب يذكر بمحمد الماغوط وكتابه "سأخون وطني".

ما هو مفهوم في الكتاب هو حجم الألم الذي يبثه لقمان بسخرية لاذعة، يختلط فيها الضحك بالبكاء

يجمع لقمان في سرده للقصص بين الفصحى والعامية، وهناك جمل لازمة في الكتاب مثل "ما لكم بالطويلة" و"يا أبو شريك" و"اللي بيحب النبي يخلي"، وبالطبع معظمها لا يعرفها سوى السوريين، كما في إيراد بعض الكلمات المحلية التي تحتاج الرجوع إلى محرك بحث أو ذكاء اصطناعي.

لكن، ما هو مفهوم في الكتاب هو حجم الألم الذي يبثه لقمان بسخرية لاذعة، يختلط فيها الضحك بالبكاء. فنواصل القراءة ونحن نقهقه بصوت عال، كأن الحياة تصير جميلة حين تسرد بهذا الشكل.

في الكتاب الذي أشير في غلافه إلى أنه جزء ثان، فيما لم يصدر جزؤه الأول بعد، يعرف لقمان ديركي "السائح بالصرماية" بأنه "شخص يحوم حول بلاده في دول الجوار على أمل أن تتحسن أخلاق الوطن فيعود، ثم يتحول تلقائيا إلى نفر بعد فقدان الأمل". والنفر هو "شخص من جذوره انخلع، ومن وطنه انقلع. وقد أطلق المهربون عليه هذا الاسم، اسم يدل على رقم، فالنفر بالنسبة إلى كل العالم وللمهربين أيضا هو مجرد رقم".

font change

مقالات ذات صلة