الغضب الانتقائي... المقاتلون الأفارقة في الجيش الروسي والنظام العالمي للتخلص من البشر

تجنيد الأجانب في البنى العسكرية ممارسة عالمية وراسخة تاريخيا. فالفيلق الأجنبي الفرنسي التابع للجيش الفرنسي يقبل متطوعين بغض النظر عن بلدانهم الأصلية

 Telegram
Telegram
مرتزق روسي تابع لـ"فاغنر" في جمهورية أفريقيا الوسطى، خريف 2022

الغضب الانتقائي... المقاتلون الأفارقة في الجيش الروسي والنظام العالمي للتخلص من البشر

أصبحت الصور الملتقطة للمقاتلين الأفارقة، سواء من المغرب العربي أو جنوب الصحراء الكبرى، الذين أسرتهم القوات الأوكرانية، موضوعا متكررا في وسائل الإعلام. ووفقا للسلطات الأوكرانية وباحثي المصادر المفتوحة والتحقيقات المستقلة، حدد أكثر من 1400 أفريقي من 35 دولة ينضوون تحت ألوية الجيش الروسي بين عامي 2023 و2025، وتأكد مقتل أكثر من 300 منهم.

وكان التفسير الذي تلى ذلك سريعا ومتسقا: الخداع والإكراه وشبكات التجنيد. إن حقيقة وجودهم في ساحة المعركة ليست موضع خلاف، لكن ما يثار حوله الجدل هو قدرة تلك السردية على فهم الظاهرة والإحاطة بمختلف جوانبها. تبدو سردية الخداع ملائمة، فهي تحدد الأدوار وتتجنب الأسئلة المحرجة وتخلق وهما بالفهم. ولهذا السبب تحديدا، تحتاج تدقيقا، لا سياسيا بل منهجيا.

إن المصدر الرئيس لهذه الرواية هو شهادات المقاتلين الأسرى، وهو مصدر لا يمكن التعويل عليه في التحليل. تعكس التصريحات التي يدلي بها الأسرى استراتيجية نجاة، وهو ما يشوه أي رواية على نحو جوهري. يعيش الأسير في ظل الخوف وعدم اليقين، ولديه حافز قوي لقول أي شيء يحسن فرصه في البقاء على قيد الحياة. وهذا ليس حكما أخلاقيا، بل سمة تميز هذا الوضع، وتمليها غريزة البقاء. إن بناء تفسير لظاهرة اجتماعية على هذا الأساس يعد خطأ منهجيا.

شارك المقاتلون الأفارقة في صراعات امتدت من الشيشان وأفغانستان وصولا إلى سوريا. وهذا ليس جديدا، ولا يقتصر على روسيا. فتجنيد الأجانب في البنى العسكرية ممارسة عالمية وراسخة تاريخيا. فالفيلق الأجنبي الفرنسي التابع للجيش الفرنسي يقبل متطوعين بغض النظر عن بلدانهم الأصلية، ولا يولي سوى قدر ضئيل من الاهتمام بوضعهم السابق أو وثائقهم. وتوفر القوات المسلحة الأميركية طريقا للحصول على الجنسية من خلال الخدمة العسكرية. كما زود الجيش البريطاني تاريخيا وحدات بأكملها بمجندين من نيبال، إذ يعود تاريخ لواء الغوركا إلى أكثر من قرنين، ويعد مصدر فخر مؤسسي، وليس موضع مساءلة أو تحقيق. وتجند شركات الأمن الخاصة الأفراد على مستوى العالم، بشكل علني ومؤسسي، ودون تدقيق إعلامي مفرط. وبالتالي يطرح سؤال منطقي نفسه: لماذا تقدم الحالة الروسية على أنها حالة شاذة؟

ما نلاحظه ليس مجموعة من مخططات التجنيد المعزولة، بل بروز آليات تنقل بديلة، ومساحات تلتقي فيها الهشاشة الاقتصادية والغموض القانوني ووعد المكانة الاجتماعية

وصل الأفارقة الذين انتهى بهم الأمر في الجيش الروسي إلى روسيا بشكل قانوني، بتأشيرات دراسية وتأشيرات عمل. تنتشر إعلانات التجنيد على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات المراسلة بصياغات جذابة تثير الاهتمام، إلا أن الدخول القانوني إلى روسيا يجري وفق آليات التأشيرات الرسمية. يصل الأفراد بمبادرة شخصية قبل أن يخضعوا لأي عملية تجنيد داخل البلاد. ونادرا ما تكون عملية التجنيد نزيهة، إذ تنطوي على الخداع والضغط واستغلال الظروف الصعبة ونقاط الضعف البشرية. ويظل حجم الخداع في التجنيد مسألة منفصلة وجدية. لكن الخداع يفسر آليات الانتساب، لا المتطلبات البنيوية التي تجعلها ممكنة. وهذه مستويات مختلفة من التحليل، والخلط بينها يعني عدم فهم أي منها.

أ.ف.ب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي بزعيم المجلس العسكري في مالي، أسيمي غويتا، في الكرملين بموسكو في 23 يونيو 2025

ما يهم هنا شيء آخر: يوقع هؤلاء الأفراد عقودا وفق الإجراءات الرسمية نفسها المطبقة على المواطنين الروس، ويخدمون جنبا إلى جنب معهم في الوحدات نفسها. إن خضوع أبناء البلد والمقيمين الأجانب للإجراءات الرسمية ذاتها لا يلغي إطلاقا عدم التكافؤ في مستوى الهشاشة بين الطرفين، ولا التحديات التي يواجهها الوافد الأجنبي، إلا أن هذه الممارسة لا تستهدف فئة منفصلة من "المستغنى عنهم". إنها اندماج في هيكل عسكري مشترك، بكل ما ينطوي عليه ذلك رسميا من مخاطر وحقوق.

إن التشريع الروسي الذي يمنح رعايا أجانب لا يملكون إقامة قانونية مستقرة خيارا بين الترحيل والخدمة العسكرية ينسجم مع نمط عالمي أوسع يستخدم الخدمة العسكرية أداة للتحكم في الهجرة. وبالنسبة لكثيرين منهم، كانت خيارات أخرى متاحة، مثل مواصلة الدراسة أو العمل، أو ببساطة العودة إلى ديارهم من دون عواقب جنائية. كان اختيار الخدمة العسكرية قرارا بحد ذاته، لا مجرد عجز عن تجنبه.

ولفهم منطق هذا القرار، لا بد من مراعاة السياق البنيوي، فهو "البنية الخفية" التي تحدد كيفية عمل العناصر داخل تلك البيئة. إن محدودية الوصول إلى الحراك الاجتماعي واقع معاش في كثير من المجتمعات الأفريقية. وبالنسبة لشخص من بلد تتسم مسارات الارتقاء فيه بالضيق، يمثل العقد العسكري دخلا ومكانة، وفي الحالة الروسية، طريقا إلى المواطنة. وهذا هو المنطق نفسه الذي يحرك الهجرة غير الشرعية: يقبل الناس المخاطرة لتجاوز القيود البنيوية. يكمن الاختلاف في الشكل لا في الآلية.

وبعبارة أخرى، ما نلاحظه ليس مجموعة من مخططات التجنيد المعزولة، بل بروز آليات تنقل بديلة، ومساحات تلتقي فيها الهشاشة الاقتصادية والغموض القانوني ووعد المكانة الاجتماعية. الخدمة العسكرية وعبور الحدود على نحو غير نظامي وعقود الأمن غير الرسمية، كلها تقوم على حسابات أساسية واحدة. لم تخترع روسيا هذا المنطق، لكنها هيأت له إطارا عاما.

استخدام البشر في النزاعات المسلحة ممارسة عالمية، متأصلة في نظام الأمن الدولي إلى حد أنها لم تعد تثير الدهشة

على أن الصورة لا تكتمل إذا اقتصر النظر على الجوانب المادية. فالاستياء من الغرب، المتجذر في الذاكرة التاريخية للممارسات الاستعمارية والاستعمار الجديد، قد يشكل دافعا إضافيا. ينظر إلى روسيا في بعض الثقافات الأفريقية على أنها فاعل قادر على العمل خارج التسلسل الهرمي الدولي القائم. وفي هذا السياق، يعمل "فيلق أفريقيا" بوصفه استعراضا حيا، ودليلا ملموسا على أن روسيا فاعلة في أفريقيا ولا تكتفي بالحديث عنها. إلا أنه يظل رمزا لبديل، لا آلية للتجنيد.

إن إطلاق تسمية "المرتزق" على هؤلاء الأفراد بصورة موحدة يفشل في الإحاطة بهذا التعقيد. فصفة المرتزق تفترض غياب الإقامة القانونية وتختزل المسألة في الدافع المادي وحده. أما من يوجد رسميا في بلد الإقامة ويوقع عقدا وفق الإجراءات القانونية المعتمدة، فلا يندرج ضمن هذه الفئة.

أ.ف.ب
أحد أنصار المجلس الوطني في النيجر يرفع أعلام مالي وبوركينا فاسو والجزائر والنيجر وروسيا خلال تجمعهم في ملعب الجنرال سيني كونتشي في نيامي في 26 أغسطس 2023

لقد بنت روسيا آلية فعالة لجذب المقيمين الأجانب وتجنيدهم، مستغلة نقاط ضعف كانت موجودة مسبقا ولم تكن هي من صنعتها. وهنا يكمن تميزها، لا تفردها. والسؤال الأعمق يوجه إلى البلدان التي ينحدر منها هؤلاء: لماذا يبحث مواطنوها عن آليات تنقل بديلة على بعد آلاف الأميال من ديارهم، سواء عبر الانضمام إلى جيش دولة أجنبية، أو عبر الهجرة غير الشرعية، أو عبر أي هيكل يوفر لهم مخرجا من المأزق البنيوي للجمود الاجتماعي؟

وثمة بعد أوسع. إن استخدام البشر في النزاعات المسلحة ممارسة عالمية، متأصلة في نظام الأمن الدولي إلى حد أنها لم تعد تثير الدهشة. لقد غدا تحويل البشر إلى مواد قابلة للاستهلاك في الحروب أمرا روتينيا. لا تكمن سخرية هذه الممارسة في وجودها، بل في أنها لا ترى إلا حين تصبح ملائمة جيوسياسيا. يبدأ التجريد من الإنسانية قبل التجنيد بوقت طويل، في اللحظة التي يجعل فيها انعدام المساواة البنيوي بعض الأرواح أشياء يمكن التضحية بها، لكنه لا يغدو مرئيا إلا عند ذروة الغضب الانتقائي.

font change

مقالات ذات صلة