في قلب منطقة "وادي السليكون" بمدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأميركية، عاصمة صناعة البرمجيات والتكنولوجيا في العالم، حيث تتقاطع أحلام الابتكار مع صراعات السلطة والمال، اندلعت واحدة من أعنف المعارك القانونية في العصر الحديث بين الملياردير إيلون ماسك، ومجلس إدارة شركة "أوبن إيه آي" (Open AI) ممثلا في سام ألتمان، الرئيس التنفيذي للشركة، رفقاء الأمس وخصوم اليوم، حيث يقوم ماسك باتهام ألتمان وأعضاء مجلس الإدارة بخيانة الرسالة التأسيسية للشركة، وتحويل"أوبن إيه آي"، إلى شركة ربحية عملاقة مدعومة بمليارات "مايكروسوفت"، في مخالفة صريحة للمهمة الأصلية للشركة، مطالبا بعودة الشركة لسابق عهدها كمؤسسة غير ربحية، وتعويضات هائلة، وإقالة "ألتمان" وأعضاء مجلس الإدارة، وإعادة هيكلة جذرية للشركة.
هذه الدعوى القضائية ليست مجرد نزاع شخصي بين رفاق سابقين، بل حرب على مستقبل الصناعات التكنولوجية وصناعة الذكاء الاصطناعي برمته، وتمثل نقطة تحول حقيقية، فإذا انتصر ماسك، قد يُفرض نموذج حوكمة أكثر صرامة يركز على السلامة والمنفعة العامة، مما يحد من سيطرة الشركات الكبرى والشراكات الاحتكارية مثل تلك مع "مايكروسوفت"، مما يعيد رسم قواعد المنافسة في الصناعة، ويشجع على الابتكار المفتوح أو المسؤول، ويؤثر على شركات مثل "xAI" المالكة لأداة الذكاء الاصطناعي جروك "Grok" التي يدعمها ماسك.
أما إذا انتصرت "Open AI"، فسيُعزز ذلك السباق الربحي السريع دون قيود كافية. وعلى المستوى الإنساني، تقف البشرية أمام سؤال مصيري: هل سيُدار الذكاء الاصطناعي لصالح الجميع، أم سيصبح أداة سيطرة لقلة من الشركات؟ "حرب الرفاق" هذه قد تحدد شكل العالم في العقود القادمة.
تأسيس "Open AI" بين ماسك وألتمان
تأسست "Open AI" عام 2015 في ولاية ديلاوير الأميركية كمؤسسة غير هادفة للربح، كرد فعل مباشر على المخاوف المتزايدة من سيطرة الشركات العملاقة، وخاصة "غوغل" و"مايكروسوفت"، على تطوير مبدأ "الذكاء الاصطناعي العام" (Artificial General Intelligence)، المقصود به ذكاء الآلة التي لديها القدرة على فهم أو تعلم أي مهمة فكرية يمكن للإنسان القيام بها، وقد نشأت الشركة وسط مخاوف وجودية عميقة من أن يؤدي السباق التجاري غير المنضبط في هذا المجال إلى تهديدات خطيرة للبشرية، وكان إيلون ماسك أحد أبرز المبادرين بهذه الفكرة بسبب قلقه الشديد من مخاطر الذكاء الاصطناعي.
وقد قامت الشركة في البداية على أسس نبيلة تركز على الشفافية والتعاون، وفقا لما جاء في ميثاقها التأسيسي من أن مهمتها تقوم على ضمان أن يعود "الذكاء الاصطناعي العام" بالنفع على البشرية جمعاء، وأعلنت نيتها التعاون بشكل مفتوح مع المؤسسات الأخرى من خلال جعل بعض براءات الاختراع والبحوث متاحة للمشاع، مع التأكيد على نشر البحوث والاكتشافات علنا.
وقد شارك في التأسيس نخبة من العقول التقنية البارزة كان أهمها إيلون ماسك، وسام ألتمان، وغريغ بروكمان، وغيرهم. وقد تعهد المؤسسون، بالإضافة إلى شركتي "خدمات أمازون ويب" (Amazon Web Services AWS)، و"إنفوسيس" (Infosys) بجمع مليار دولار، لكن المبالغ الفعلية التي تم جمعها كانت أقل بكثير، واستمرت الشركة حتى عام 2018 تعمل كمختبر بحثي مفتوح يركز على السلامة طويلة الأمد والمنفعة العامة، قبل أن تبدأ التحولات الجذرية التي أشعلت "حرب الرفاق" لاحقا.




