الأنا والآخر في "حواليس" محمد اليحيائي

مساءلة تاريخ المكان

الأنا والآخر في "حواليس" محمد اليحيائي

ما إن نقرأ الصفحات الأولى من رواية "حواليس" للروائي العماني محمد اليحيائي حتى نكتشف أننا أمام لعبة روائية تنقلنا بين عدة أزمنة عمانية، كان بعضها دليلا على إرهاصات وتحولات تاريخية لهذا المكان الخليجي، فيما بدا بعضها الآخر صورة عن الواقع الاجتماعي بهوياته وممارساته اليومية خلال ما يقرب من نصف قرن.

في الرواية الصادرة أخيرا عن "دار عرب" في لندن يبتكر الكاتب شخصيات لها حق مراقبة السارد، وهو كاتب روائي ومحرر ثقافي. فنجدها تبدي ملاحظاتها عن طريقة عمله وعن طريقة تشكيله لقصصها، وهي قصص تتوازى مع قصة خاصة بالكاتب/السارد لا ترتبط بهم إلا من خلال أثرها على نشاطه الكتابي.

استذكار ما مضى

الشخصيات المختلقة تمثلت في "القومندان"، وهو جنرال سابق لقي حتفه في ظروف غامضة، ويمثل فئة من الفئات التي جاءت إلى عمان من الخارج في فترات مختلفة، وعملت في إداراتها الأمنية والمجتمعية وأسست شركاتها الخاصة بدعم من المتنفذين.

والشيخ عبدالله بن راشد الذي اغتيل هو الآخر ولا يعرف من قتله ويمثل أولئك الذين قاوموا أي تدخل أجنبي لتنصيب حكام على البلاد، حيث أعلنت القبائل الحرب على الدولة مرتين، الأولى كان فيها أبوه راشد عبدالله في عام 1895 وكانت ثأرا لإمامهم المغدور عزان بن قيس، والثانية في عام 1915 وشارك فيها الشيخ عبدالله حين كان شابا، فأبلغ فيها رسالة الإمام سالم بن راشد إلى حكومة الساحل التي كانت توصف بـ"دولة الأجانب". وظن أن مقتله بعد سبعة وخمسين عاما بطعنات خنجر كان ثأرا منه "قلب الدولة لا ينسى، مهما أدعوا الصفح والتسامح".

يذهب اليحيائي إلى قراءة جوانب من تاريخ عمان الحديث والمعاصر من زاوية روائية تؤكد أن هناك قصصا ما زالت لم ترو 


في ظهورهما كشخصيتين ميتتين تتناقشان في ما بينهما (ومعهما علي عامر مساعد القومندان وأبناء الشيخ عبدالله الثلاثة)، نجدهما يتجادلان حول تاريخهما ومكانتهما. فالقومندان يرى الشيخ عبدالله "رجل قبيلة انتهى زمنه وزمن قبيلته يوم أشرقت شمس العهد الجديد"، فيما يرى الشيخ وجماعته أنفسهم محاربين من أجل البلد على عكس أجداد القومندان الذين "وضعوا أيديهم في يد الأجنبي". وإذا كان القومندان يعرف أن هذا القول صحيح "والصحيح، أيضا، أن الدولة دولة السركال، مسلموها ونصاراها وهندوسها، أحببنا أم كرهنا. وأنها لولا النصارى والهندوس لما بلغت ما بلغته اليوم من مكانة على خارطة العالم".

ومع مناقشاتهما يتساءلان إذا كان مؤلف الرواية سيكتشف أثناء كتابتها قاتليهما. ويظن أحدهما أن اكتشاف قاتل أحدهما بمثابة اكتشاف قاتلهما معا.

REUTERS/Christopher Pike
مشهد عام لمسقط القديمة بعد تشييع السلطان قابوس بن سعيد، 2020.

الكتابة والحب

يعطي المؤلف اسم غانم سالم ناصر لشخصية الكاتب الذي يقوم باللعبة السردية ما بين سرد قصص شخوصه وسرد قصته الخاصة. فهو ابن أحد الأشخاص الذين أعدموا بتهمة التآمر على الدولة أثناء حروب "الجبهة الوطنية الديمقراطية لتحرير عمان والخليج العربي" (1973)، يتحايل عليه رجال الأمن حين كان طفلا في المدرسة الابتدائية ليدلهم الى مكان أبيه المختبئ بالمزرعة.

 REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa
زوار في قلعة الميراني في مسقط، 2025.

 يصبح ابن عضو "خلية الباطنة" محررا ثقافيا في الصحيفة نفسها التي نشرت خبر إعدام أبيه مع الخلية المتآمرة، ويستدعى ذات يوم بسبب مقال كتبه ليذكروه بأنهم يعرفون من يكون. يعيش حياة حرة من دون زواج، فيتعرف الى صوفيا وسميرة وسلوى، وهذه الأخيرة يتخلى عنها حين يعرف أنها حبلى، ليندم بعدها وقد صار في عمر الستين "لم يخطر في بالك أن الحرية والحب ليسا على طرفي نقيض، بل قد يكون أحدهما دواء لأوجاع الآخر". ومع سلوى تتشعب العلاقة، فنتعرف من خلالها الى أختها شمسة وأمها أمينة التي اختفت فجأة، بعد قصة حب مع زوجها سيف الذي خلصها من مجموعة استغلتها جنسيا، ثم مات، أو قتل ربما، في حادث.

يخشى الشخوص المختلقون من علاقة الكاتب بسلمى، لأن هذه العلاقة تعني فتوره عن استكمال الرواية "سيتركنا ويتفرغ لها"، وكأن الكتابة هنا تصبح بديلة للحب، أو معادلة له. وهو لا يريد من روايته الجديدة أن تخلد اسمه "ولكن اسم سالم ناصر (والده)، الرجل الذي مات من أجل قضية، وخلف في نفس ابنه حسرة مقيمة، وجرحا لا يندمل، لكن محاولاته فك الغموض الذي أحاط بمقتل الشيخ عبدالله بن راشد والسيد القومندان، ومعرفة القاتل، وإيجاد الأسباب المقنعة لارتكاب جريمتي قتل رجلين، لهما مكانتهما، لا تزال تراوح مكانها دون نجاح".

هناك شخوص آخرون لهم مكانتهم في هذا السرد، فراشد أخوه يصبح ضابطا، فصار يحمل صفة "الشيخ الرائد" وهي الصفة التي ما كان أبوهما "ليقبل بها لو كان على قيد الحياة"، كما لم تقبل بها أمه صالحة التي ربتهما ولم تتركهما بحاجة إلى أحد بما في ذلك معونة الحكومة. وهناك استعادة لحياة المسرودين الأولى، وعلاقة عمان بزنجبار وبأولئك الذين جاؤوا لتأدية خدمات إدارية من خارجها وحاولوا أن يتعلموا لعبة "حواليس".

معهم تبرز أسئلة عن العلاقة مع الآخر، ومن هو الآخر؟ ولماذا جاء؟ وهل نحن في حاجة إليه؟

آخرون كانوا على قرب من تونس والأردن واليمن، وهناك من جاء ضمن بعثات أو مهمات عسكرية. إلا أن كل هذه القصص المسرودة تتخللها لواعج علاقات الحب، سواء تلك المبثوثة في الرواية، خاصة نصفها الأول، بين سلوى والكاتب أو بين آخرين كانت لهم مغامراتهم الخاصة، وذلك بلغة كاشفة عن الاشتهاء الحسي الذي لا يخمد أبدا.

وصف وأصوات

ما يلاحظ في قصص الحب أن النساء سيدات قرارهن، فلا يخشين علاقات الحب، حتى لو أدى بهن ذلك إلى التمرد على المؤسسة الزوجية، كحال صوفيا وسميرة. وهناك تبعات مؤلمة تصاحب هذه العلاقات أحيانا، كحال سلوى حين أجهضت وصارت تتخيل أن لديها مولودا ترعاه بصورة هذيانية موجعة.

يعتمد السارد على لغة الوصف، ومنها نعرف أسماء الملابس العمانية كـ"الدشداشة" و"الكمة" و"الشيلة"، ومساحات النخيل وأسماء الأودية والشوارع، لكنه وصف لا يهتم بالانفعالات الداخلية التي تصبح زوائد أحيانا في بناء السرد المعاصر.

Photo by PETER MARTELL / AFP
رسم جداري لسفينة في كهوف أجانتا في الهند، استوحي منه تصميم السفينة الشراعية الهندية «INSV Kaundinya» المتجهة في رحلتها الأولى إلى عُمان، 2025.

يعتمد في السرد على أصوات عدة لا تأتي منتظمة أو بالتناوب، وإنما تظهر كلما استدعتها الحاجة. فالصوت الأول الذي يفتتح به الرواية، هو صوت الموتى المسرودين الذين يظهرون، في خمسة أجزاء، وكأنهم "جوقة ساردة" فنقرأ: "نظرنا في وجوه بعضنا البعض" و"صرنا نعلم". وهناك راو عليم، وآخر يسرد بأسلوب الأنا، ويوضع بين قوسين، وهو صوت الكاتب/السارد.

يسائل محمد اليحيائي التاريخ، تاريخ عمان، لكنه لا يكتبه. وهو كروايته السابقة "الحرب" يذهب إلى قراءة جوانب من تاريخ عمان الحديث والمعاصر من زاوية روائية، تؤكد أن هناك قصصا ما زالت لم ترو، وأن مكان سردها لن يكون سوى الرواية، لما تحمله من بعد إنساني في سرد التفاصيل التي لا تقال عادة، أو التي تقال في أطر محددة لا تقبل إمكان الاختلاف.

font change