3 روايات خليجية تدور بين عالمي القرية والمدينة

حنين لا يستعاد وصراعات تولد عبر المسافات

AFP PHOTO / YASSER AL-ZAYYAT
AFP PHOTO / YASSER AL-ZAYYAT
يعمل رجال على نحت رملي في قرية الرمال بأرض المعارض في مشرف، الكويت، في ١٣ يناير ٢٠١٤، ضمن مشروع يحمل ثيمة "ألف ليلة وليلة" ويعدّ من أكبر القرى الرملية في العالم

3 روايات خليجية تدور بين عالمي القرية والمدينة

بدا ملاحظا في عدد من النصوص الحديثة، سواء في الرواية أو القصة القصيرة، المكتوبة في دول الخليج العربي، من الكويت حتى عمان، مرورا بالإمارات، اهتمام بعض الكتاب بعرض آثار القرية القديمة، ورصد التغيرات التي أحدثتها المدينة في حياة المجتمع على اختلاف بيئاته وثقافته. هنا عرض لبعض تلك التجارب.

"ما لم يرد ذكره من سيرة أضحية"

تقدم مثايل الشمري من الكويت في روايتها الأولى "ما لم يرد ذكره من سيرة أضحية" (منشورات تكوين)، حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها من خلال قصة تجمع ثلاث شخصيات، سلطان وسالم وأضحية، ويبدو أن لكل واحد منهم عالمه الخاص، نتعرف من خلال أصغرهم سالم الى ذلك العالم، بكل ما فيه من غموض وغرابة، منذ سطور الرواية الأولى، حيث حادثة اختفاء "سلطان وأضحية وابنهما"، وكيف يتعامل سالم من خلال استدعاء ذكرياته وتعريفنا بتفاصيل ذلك الاختفاء. تحضر هنا أضحية من البادية، من قرية من قرى الكويت لكي يتزوجها سلطان ابن المدينة، ولكن يبدو أثر القرية باقيا على البنت/العروس، التي ترفض الانصياع له في أول الأمر، لكنه يجبرها على الامتثال لطلباته، حتى ينجب منها الولد، ويحدث له ما أراد، لكن الأمور لا تستقيم على هذا الحال.

تتحول "سيرة أضحية" من مجرد حكاية لامرأة تخرج من قريتها إلى بيت في المدينة، إلى أمثولة تصور بشكل مجازي تلك العلاقة الملتبسة بين عالم القرية وعالم المدينة في الكويت. فسلطان لم يبحث عن أصوله ولم يشأ أن يتزوج من مدينته التي عاش فيها وتعود عليها، وإنما اختار أن يقترن بتلك الفتاة التي تمثل ذلك الأصل البعيد والغريب في الوقت نفسه، فيما بقي سالم متأملا لذلك العالم الذي تحمله أضحية، حريصا على استكشاف ما تبوح به. لم يجد غيرها ليحكي حكاياته، اقترب منها بحذر وبدا أن اقترابه هو السبب في تلك النهاية التي لا يعرف كيف جاءت، فيما بقيت أضحية بكل ما تمثله من ثراء وغرابة وغموض، ابنة للصمت الذي تتلحف به، ورغم قدرتها على أن تأتي بالولد رغما عنها، إلا أنها استطاعت أيضا أن تختفي بتلك الطريقة الغريبة التي لم يتمكن السارد من محو آثارها.

تتحول "سيرة أضحية" من مجرد حكاية لامرأة تخرج من قريتها إلى بيت في المدينة، إلى أمثولة تصور بشكل مجازي تلك العلاقة الملتبسة بين عالم القرية وعالم المدينة في الكويت

صراع هادئ ولكنه شديد الفعالية بين شخصيات الرواية، يبرز فيه كل واحد منهم قدراته الخاصة، ويمثل عالمه الخاص.

غلاف رواية "ما لم يرد ذكره من سيرة أضحية"

ففي الوقت الذي يمثل فيه سلطان المدينة بكل قوتها وتحكمها وثرائها وقدرتها، تبقى أضحية تلك القروية البسيطة المغلوبة على أمرها ،ولكن يبدو أنه لا غنى عنها أيضا. تطمح إلى الحرية في جانب منها، ويمثل لها البحر ذلك الحلم الجميل الصعب المنال، فيما يمثل سالم/الراوي، ذلك الصراع المحتدم بين القرية والمدينة، وهو الوحيد الذي استطاع أن يسبر قدرا من أغواره ويتعرف الى عالمه، بل وان أثر ذلك عليه كبير ومستمر،  بل تبدو النهاية باختفاء كل من سلطان وأضحية وبقاء سالم بذكرياته وهواجسه، كأنما تشير إلى ضياع تلك الهوية الحائرة بين المدينة والقرية وما تمثله كل واحدة منهما من حضور وسطوة، في الوقت الذي توضح فيه الكاتبة منذ البداية أن كل ما جاء "لم يرد ذكره في سيرة أضحية" كما يأتي العنوان. ذلك أن سيرة أضحية بكل ما تحمله من تراث وصراعات وعادات وتقاليد، لا يزال فيها الكثير، ولكن هذا ما استطاع سالم أن يستكشفه منها، وما سيبقى حريصا على محاولة التعرف اليه حتى يتخلص من كوابيسه التي تطارده حتى بعد مرور ثلاثين عاما.

REUTERS/Desmond Boylan
رقصة الحرب الكويتية التقليدية، "العرضة"

"الأعمى يرى ظله"

من الإمارات وفي مجموعته القصصية "الأعمى يرى ظله" (بوملحه للنشر والتوزيع)، يرسم الروائي علي أبو الريش صورا متعددة لآثار التحولات التي طرأت على القرية، سواء من خلال العائدين إليها بعد سنوات الغربة، أو من تغيرات الزمن والحداثة القادمة من المدينة. منذ البداية، مع  قصة "في ليلة وضحاها"، يرصد عودة ضاحي الى قريته بعد ثلاثين عاما من الغربة، تلك الغربة التي كانت للدراسة وتحديدا دراسة الفلسفة في القاهرة. يعود ضاحي ليرصد التغيرات من جهة وهو ممتلئ بتلك النظرة الجديدة التي تبناها بعد دراسته الناس والأماكن والعلاقات. لم يعد هو ابن البادية الذي يتآلف مع أهلها بسهولة. ربما نرى في شخصيته أثرا من إسماعيل، بطل رواية "قنديل أم هاشم" الذي عاد من دراسته في الغرب ليواجه الخرافات في مجتمعه. يجري السارد مقارنة سريعة بين مشاعر ضاحي قبل سفره ومشاعره بعد العودة، فيبدو واضحا آثار التمدن على ملابسه بل ونظرات عينيه، كما لم تبق القرية على حالها فقد تغير فيها كل شيء تقريبا. لم تعد البيوت الطينية أو من الخيام، بل ظهرت الأعمدة الخرسانية والأسمنت، وتغيرت ألوان الأبواب والنوافذ، ولم يقتصر التغير على الأشياء بل طال الأحياء كذلك، فباعد الموت بينه وبين حبيبته، وذبحت أمه العنزة التي طالما تعلق بها على وعد أن تجلب له غيرها، ولم يعد أمام ضاحي بعد جولة قصيرة في القرية إلا أن يجتر الذكريات.

غلاف المجموعة القصصية "الأعمى يرى ظله"

تتحول الرؤية والمشهد إلى الفانتازيا بعد ذلك، حيث ينتقل ضاحي إلى مكان مبهم بغير تضاريس، على أمل أن يلتقي حبيبته، وكأن ذلك المكان هو ما تبقى من قريته وفقا لذكرياته، وهناك يجد حبيبته غاية، لكنه لا يتمكن حتى من حمايتها. كل ذلك يجعله يعود مرة أخرى إلى  العاصمة أبو ظبي ويكتفي بأن تتحول تلك القرية إلى محطة يتذكرها كلما عاوده الحنين. هكذا تتحول القرية إلى ذكريات قديمة لا يمكن التواصل معها أو معرفتها على وجه الحقيقة، ويبدو أثر المدينة واضحا في تفكير البطل وعالمه.

هكذا تتحول القرية إلى ذكريات قديمة لا يمكن التواصل معها أو معرفتها على وجه الحقيقة ويبدو أثر المدينة واضحا في تفكير البطل وعالمه

 تتفاقم تلك الرؤية وتبرز بشكل أوضح في قصة المجموعة، "الأعمى يرى ظله"، التي تحكي عن جبر، الصياد الأعمى الذي يعيش في قرية على ساحل البحر وتتغير حياته بعد وفاة زوجته التي أحبها كثيرا، ويتجلى في حكاية حبه لها تلك المشاعر البكر التي تحتفظ بها القرية وتنميها، لا سيما إذا احتفى بها الكثير من أصدقائه في ذلك الوقت، حتى أنه عرف بينهم بذلك الوفاء الذي امتد طويلا، بل وتحول إلى ملكة جديدة يواجه بها ما عاناه من إصابته بالعمى، إذ أصبح لديه ما سموه "حاسة البصر الباطنية" التي استطاع من خلالها أن يعتمد على نفسه في طعامه وحركته بفضل استعادته لما كانت تقوم به زوجته في حياته. وهكذا بدا أن تلك العلاقة الاستثنائية قادرة على تجاوز العقبات وتحقيق المستحيل.

الرجل نفسه يرسو بقاربه في كمزار، وهي قرية في مسندم تُطل على مضيق هرمز وتُعرف بلغتها الخاصة «الكمزارية» التي يتحدث بها سكانها، في عُمان، ٢٧ أغسطس ٢٠٢٥
رجل يرسو بقاربه في كمزار

وإذا كان وفاء جبر، الصياد الأعمى على هذا النحو، فإن أم سلمى تظل وفية لزوجها، حريصة على تربية ابنها بشكل واقعي ورمزي، وفاء لوالده، وذلك ما يطرحه في "نخلة أم سلمى"، حيث تعيش حياتها وحيدة بعد وفاة زوجها غرقا، وتبقى على عهد حبها له. ذلك أنه تزوجها بعد قصة حب عرفتها وسمعت بها القرية كلها، فلما مات  زرعت فسيلة نخل على أمل أن يأكل منها ابنها بعد أن يكبر ويشتد عوده. وهو ما يحدث فعلا رغم مرور الأيام والتغيرات التي تحدث في القرية. يكبر الابن ويجني من النخلة الرطب والصمود والعزيمة معا، وهكذا تتحول تلك النخلة والحكاية معا إلى نموذج من نماذج الوفاء للأصول من جهة، والحب والتقاليد القروية العريقة من جهة أخرى.

هكذا استطاع أبو الريش في مجموعته، أن يعرض أكثر من نموذج ومثال للحياة في القرية، وأثر تمسك أصحابها بتراثهم وأصولهم مهما تغيريت الأحوال وغدر بهم الزمان.

REUTERS/Yonathan Weitzman
رجل بدوي يمشي خلف الجِمال في شمال صحراء النقب، 23 مارس 2006

"طبول الوادي"

من عمان تأتي رواية "طبول الوادي" لمحمود الرحبي (محترف أوكسجين)، التي يعرض فيها تفاصيل عالم القرية بكل ثرائه وبدائيته، حيث الصحراء الممتدة والجبال الشاسعة ومغامرات الشباب فيها بين الحصول على سيكارة وعلاقات الجيران، خاصة حينما يولد لدى أحدهم مولود جديد. نتعرف الى القرية في ذلك الزمن الماضي، نعرف ذلك من ذكره  للمقايضة التي كانت بديلا من النقود،  وكيف كان للأب حضور وسطوة يخشاه الجميع ويأتمرون بأمره.

منذ البداية يبدو حضور المواجهة بين القرية والمدينة في عالم "طبول الوادي" واضحا، حيث يحكي سالم عن عودته الى قريته،وشيئا فشيئا نتعرف الى سبب ذلك الغياب الكبير، ولماذا ذهب إلى مدينة مسقط/العاصمة أصلا، وكيف كانت حياته هناك أشبه ما تكون بغربة وسط الزحام والقسوة بين جدران صماء لبيوت لا يسمع أحد فيها شكوى لأحد. ومن خلال استدعاء  الذكريات، ينتقل بنا الراوي بين الماضي والحاضر، وتحضر هذه المواجهة ليس بين القرية والمدينة فحسب، بل بين عدد من المواقف والعادات والتقاليد التي تفرق بينهما، ويبقى السؤال في الرواية مفتوحا طوال الوقت أيهما أفضل؟!

غلاف رواية "طبول الوادي"

يهرب سالم بطل الرواية من سلطة والده، ومن فضاء قريته الذي كان رحبا وواسعا، بحثا عن حريته، ولكنه ما إن يستقر في المدينة حتى يفاجأ بذلك العالم الذي لا يتمكن من التآلف معه، وكأن "لعنة" القرية لا تزال تطارده وتربطه من قدميه. فهو من جهة لا يزال ابنا للقرية وعاداتها وتقاليدها وأعرافها، بل وذلك الدفء الذي يكون أول ما يفتقده، ومن جهة أخرى تلفظه المدينة بكل قسوة، حتى يتحول لأن يكون بائعا جائلا في البداية، ليتمكن من مشاركة أحد التجار في عمله بعد ذلك، ولكنه يضطر للمبيت في بيت العمال الهنود كالأغراب داخل تلك المدينة.

تحضر هذه المواجهة ليس بين القرية والمدينة فحسب، بل بين عدد من المواقف والعادات والتقاليد التي تفرق بينهما

 وإذا كان سالم ممثلا عن القرية لم يتلاءم مع أجواء المدينة، فثمة هارب آخر إليها، هو زهران ذلك الذي هرب من زنجبار أثناء قيام الثورة هناك (ما يشير إلى الستينات) لتكون مسقط ملاذه وطريقه للنجاة. المفارقة التي يبنيها الكاتب تدريجيا في العلاقة بين سالم وزهران، حيث يرى كل واحد منهما في الآخر ما ينقصه، حتى يصحبه سالم في النهاية إلى عزاء والده الذي يأتيه خبر وفاته، ويتمنى زهران لو كانت له حياة في تلك القرية التي يحترم فيها الصغير الكبير، ويشعر بالفارق الكبير بين حياته التي لم يعشها وتلك الحياة التي تركها بطل الرواية منذ البداية، لينشأ ذلك التقابل الحاد بين عالمين يبدو أنهما لن يلتقيا أبدا.

font change

مقالات ذات صلة