"كلما تقدم بها الزمن، كانت طبيعتها الحساسة تنسحب تدريجيا من كل اتصال بالعالم الخارجي تقريبا، متجهة أكثر فأكثر لاتخاذ احتياطها الكبير من الموارد الفردية كرفيقها الوحيد، ومستنيرة، كما قيل بـضوء نارها الخاصة".
هذا ما جاء في خبر نعي الشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، الذي نشر في جريدة "سبرينغفيلد ريبوبليكان" في 15 مايو/ أيار 1886، وكتبته صديقتها الأقرب وزوجة أخيها، سوزان غيلبرت ديكنسون، بنبرة تشبه التوصيف الشعري الدقيق أكثر مما تشبه الرثاء.
مسار وجودي
بعد 140 عاما من رحيلها، وبعد كل ما أثارته حياتها الخاصة من غموض وتخييل أدبي، تبدو هذه الجملة تكثيفا منتبها لتجربة الشاعرة، إذ لا تختزلها بصفة العزلة، بل تشير إليها كمسار وجودي كامل، قوامه الانسحاب التدريجي من الخارج إلى الداخل، والاكتفاء بأشياء قليلة تضمن هذا الاشتعال الهادئ الذي يضيء المعنى.
في ذلك اليوم من مايو، نامت إميلي ديكنسون ولم تستيقظ، في منزل العائلة في أمهرست، وكانت تبلغ من العمر 55 عاما فقط. كانت الشاعرة قد عاشت معظم عمرها في هذا البيت، في غرفتها المطلة على الحديقة تحديدا، هناك حيث كانت تتأمل الثلج والعصافير والأزهار والضوء الذي يتغير، وحيث كان العالم، على اتساعه، يرى من مسافة، ويعاد تشكيله بانتباه في الداخل.
لم تكن ديكنسون عند موتها معروفة لكثيرين، ولم تكن قد نشرت من الـ 1800 قصيدة التي ستكتشف بعد موتها إلا في مرات قليلة (12 قصيدة تحديدا)، وستموت دون أن تعرف أن هذه القصائد ستظل تتوهج مثل شرارات عبر الزمن، وستصبح من أكثر النصوص تأثيرا في الأدب الغربي، وأن اسمها سيصبح بدوره رمزا للشعر الذي يظل عصريا وراهنا ولا يتبدل بتبدل الأزمنة والأحداث، ولا يمكن تجاهل هذه العصرية، التي تعطي شعر ديكنسون الكثير من خصوصيته، والآتية بلا شك من أن الشعر كان يولد في هذا المكان البعيد في الداخل، بمعزل عن كل ما يحيط به.
إذا ما وضعنا هذا الزخم الإبداعي في ضوء ما يبدو عزلة تحياها الشاعرة، ستبدو العزلة سريعا شيئا آخر، أقرب إلى حياة موازية تجري في مستوى أعمق
تفترض تواريخ بعض القصائد أن إميلي ديكنسون كانت تكتب بمعدل قصيدة في اليوم خلال فترات من حياتها. إذا ما وضعنا هذا الزخم الإبداعي في ضوء ما يبدو عزلة تحياها الشاعرة، ستبدو العزلة سريعا شيئا آخر، أقرب إلى حياة موازية تجري في مستوى أعمق، بكثافة وضغط متواصلين، وبغنى داخلي يكفي وحده لتدفق الشعر.
غلاف "مدن من ورق"
هذا الفهم للعزلة، بوصفها شكلا من أشكال الاكتفاء، تصفه جملة واردة في رواية "مدن من ورق" للكاتبة الكندية دومينيك فورتييه (غراسيه 2020)، المستوحاة من حياة إميلي ديكنسون. تتحدث فورتييه عن الشاعرة، واصفة هذا الاكتفاء ببالغ العذوبة: "لا تحتاج إلا إلى أشياء قليلة جدا، إلى درجة أنها يمكن أن تكون ميتة، أو غير موجودة على الإطلاق".
لا تحاول فورتييه كتابة سيرة إميلي ديكنسون، بل الاقتراب من الفضاء الذي جعل هذه الحياة الشعرية ممكنة. البيت، الغرفة، النافذة، الدرج، الورق، الحديقة، جميعها تتحول إلى عناصر فاعلة في تشكيل وجود الشاعرة، وعالمها الذي لا يقل اتساعا عن العالم الخارجي.
لا تنطلق الرواية من حدث، ولا تبنى في حبكة سردية تقليدية، بل تتقدم عبر مقاطع تأملية في شكل يستجيب إلى طبيعة التجربة التي تحاول الإمساك بها: حياة تفهم عبر التفاصيل الصغيرة لا عبر الأحداث الكبرى. من هنا، يبدو أن الرواية تدور حول سؤال أساس: كيف نكون في مكان واحد طوال الوقت، ونظل مع ذلك نتجدد بلا توقف؟ العزلة لا تعود شرطا اجتماعيا، بل نظام انتباه لتفاصيل العالم، الذي يبدو فجأة لامتناهيا. عالم تؤرخ فيه الشاعرة بدقة موت زهرة، وتبحث عن الشعر في "القلوب الصغيرة لمخلوقات لم تولد بعد".
حتى أن فورتييه تذهب بعيدا في سبر هذا العالم المكتفي بذاته الذي تعيش فيه ديكنسون وتعيد صنعه بالكتابة. عالم ورقي يصبح فيه الشعر تمرينا على التلاشي والذوبان: "بينما تكتب، تمحو نفسها"، لتنتهي الرواية أخيرا "بارتحال إميلي وموتها معا" في شهر مايو.
الظلال البيضاء
تستكمل فورتييه مشروعها عن ديكنسون في روايتها الثانية، "الظلال البيضاء" (غراسيه 2023) التي تبدأ من حيث تنتهي الأولى: موت إميلي ديكنسون. واذا كانت "مدن من ورق" هي رواية العالم الداخلي للشاعرة، فإن "الظلال البيضاء" تمثل الصلة بينها وبين الخارج، حكاية الطريق الذي سلكته القصائد لتخرج إلى العالم بعد اختفاء كاتبتها.
هنا، الشاعرة لا تعود الشخصية الأساس، بل تتحول إلى أثر ينتشر في الأجساد وفي الأمكنة التي تركتها خلفها، ويتمحور الكتاب حول النساء اللواتي ساهمن بإنقاذ قصائد إميلي ديكنسون من العدم، وفي صنع مصيرها كما نعرفه: لافينيا (الأخت)، سوزان (الصديقة)، مابل (المرأة المثقفة التي تربطها علاقة معقدة بالعائلة) والطفلة ميليسنت.
ترسم فورتييه علاقة كل من هذه الشخصيات بالشاعرة، إنما أيضا بالشعر نفسه وبالحياة، عبر نسج رقيق وبالغ الشاعرية للقصة الخاصة بكل منهن، مانحة اياهن نوعا من البطولة والإنصاف، وإن كان ذلك في سرد متخيل في جزء كبير منه. تقدم الكاتبة كل واحدة من هذه الشخصيات مثل ظل أبيض، سيدفع ديكنسون قليلا إلى الضوء.
مدن الورق
في قلب القصة تقف أخت الشاعرة، لافينيا ديكنسون، التي تواجه لحظة مفصلية بعد وفاة إميلي. فبعد أن تحرق مراسلات أختها تنفيذا لوصيتها، تكتشف في أحد الأدراج عددا هائلا من قصاصات الورق، وتدرك على الفور أنها قصائد "كما يعرف من يضع يده في النار أنه يحترق". ولأن إميلي لم تذكر شيئا عن القصائد، تتردد لافينيا وتختار عدم حرقها، قرار بسيط ستكون له نتائج كبيرة. لقد حدست لافينيا، بغريزة لا تقل حدة عن الغريزة الشعرية، أن "هذا الكتاب الهش المصنوع من الثلج، سيعيش أكثر منها، بل أكثر من الجميع". ولولا لافينيا، لكانت إميلي ديكنسون قد ماتت "كما تسقط شجرة في الغابة، حين لا يكون هناك أحد ليسمعها، بلا صوت ولا صدى".
رسالة موقعة بخط الشاعرة الأميركية إيميلي ديكنسون معروضة في نيويورك قبيل بيعها في مزاد، 2012
تظهر فورتييه أن الأدب ليس دوما فعلا فرديا خالصا، وأن الكتاب يمكن أن يصنع بأكثر من يد، وليس باليد التي تكتب وحدها. فإلى جانب لافينيا التي خالفت الوصية وواجهت السؤال الأخلاقي عما يحدث للشعر بعد موت صاحبه، ثمة أياد أخرى: سوزان، الصديقة المقربة من روح الشاعرة، التي تمثل القراءة الأولى للنصوص المخبأة، أول احتكاك لها بالعالم الخارجي، بحيث أنها لم تفقد بعد حميميتها الأولى. مابل، التي تمثل العين الخارجية القادرة على تحويل النص الخام إلى مادة قابلة للنشر، مع ما يرافق ذلك من صعوبات وإشكاليات، تطرحها الكاتبة بشكل مفتوح، محمل بالتوتر الأخلاقي والإنساني، وبلا تقديم أجوبة حاسمة.
في النهاية، هناك الطفلة ميليسنت، ابنة مابل، التي ستشارك في العمل الطويل والملتبس لإعداد القصائد للنشر. لكنها بعكس الجميع، تقارب القصائد من دون رغبة بتفسيرها وبلا غايات، وإنما بفطرة شعرية وبالكثير من الحدس. وقد تكون هذه الشخصية المرهفة، أجمل تحية خافتة إلى إميلي ديكنسون نفسها.
تظهر فورتييه أن الأدب ليس دوما فعلا فرديا خالصا، وأن الكتاب يمكن أن يصنع بأكثر من يد، وليس باليد التي تكتب وحدها
تشكل هاتان الروايتان معا حركة كاملة: من الغرفة إلى العالم، من العزلة إلى الأثر، ومن الحياة غير المرئية إلى الخلود. ترسم فورتييه مسارا متماسكا لإعادة قراءة إميلي ديكنسون من زاوية شديدة خصوصية. فبعد 140 عاما على غياب إميلي ديكنسون، لا تزال الأسئلة التي أحاطت بتجربتها مطروحة: ما حدود العزلة التي يتطلبها الإبداع؟ هل التجربة الداخلية يمكن أن تكون كافية؟ وما الدور الذي يلعبه الناس المحيطون بالكاتب في صنع تجربته في وجوده وفي غيابه أيضا؟
متحف إيميلي ديكنسون
ما تضيفه فورتييه عبر مشروعها الروائي هو نقل هذه الأسئلة التي لطالما أحاطت بالشاعرة إلى خانة الكتابة نفسها. وهي تقوم بهذا عبر سرد محمل بالحساسية الشعرية إلى حد يتعذر معه الفصل بين صوتها وصوت ديكنسون، بين ما يحدث في مخيلتها وما حدث فعلا في القرن التاسع عشر. حتى إن القارئ يكاد يرغب في النهاية أن يصدق كل ما جاء في هذه السيرة المتخيلة لشاعرة خبأ لها الشعر أبدية صغيرة، لن نعرف أبدا إن كانت أرادتها حقا، هي التي كتبت مرة: "أنا أسكن في الاحتمال/بيت أكثر جمالا من النثر/به مزيد من النوافذ/ وقليل من الأبواب".