الصحافة الإيرانية... صراع داخلي بين دعاة السلام ودعاة الصمود

من يتحدث باسم إيران؟

رويترز
رويترز
رجل يحمل علما عليه صورة زعيم الثورة الإسلامية الراحل روح الله الخميني، والمرشد الأعلى الراحل لإيران علي خامنئي، والمرشد الأعلى الجديد لإيران مجتبى خامنئي، خلال مسيرة في طهران، إيران، 29 أبريل 2026

الصحافة الإيرانية... صراع داخلي بين دعاة السلام ودعاة الصمود

فتحت الحرب جبهةً جديدة داخل المشهد الإعلامي الإيراني، يتقاذف فيها الإصلاحيون والمتشددون الاتهامات ويتبادلون الانتقادات، في مشهد يكشف عن انقسام عميق حول ضرورة التفاوض أو مواصلة المواجهة.

أشعلت صحيفة "سازندكي"، المحسوبة على التيار الإصلاحي وعلى فصيل الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، فتيل هذا الجدل حين نشرت في عددها الصادر الثلاثاء 12 مايو/أيار مقالاً بعنوان "إن جنحوا للسلم فاجنح لها"، دعت فيه إلى فتح قنوات تفاوض مع واشنطن والتفكير الجدي في مقترح "سلام ترمب".

وفي اليوم التالي مباشرةً، انبرت صحيفة "فرهيختكان" المحافظة للرد، مستنكرةً ما اعتبرته خلطاً بين مفهوم السلام والاستسلام للإرادة الأميركية، ومشيرةً إلى أن واشنطن وتل أبيب شنّتا هجمات عسكرية على إيران حتى في خضم جلسات التفاوض، وأن المفاوضات لا تتوافق مع التهديدات المصحوبة بشعارات تغيير النظام.

وجاء الهجوم على "سازندكي" أشد حدةً من وكالة "دانشجو" للأنباء التي اتهمت الصحيفة بتبنّي رواية أميركية في وقت تخوض فيه إيران حرباً، وزعمت أن الإصلاحيين "انتقلوا من الدعوة للإصلاح إلى الدعوة للسلام مع العدو"، مبعوثين بذلك إشارة إلى الخارج مفادها أن ثمة أطرافاً في الداخل لا تزال تنتظر الضوء الأخضر من واشنطن.

وعدّت الوكالة هذا التوجه تجاهلاً صريحاً للحشود التي تنزل إلى الشوارع كل ليلة حاملةً الأعلام الإيرانية مطالبةً بالصمود؛ وهي تجمعات انطلقت في مطلع مارس/آذار إثر مقتل المرشد علي خامنئي في غارة إسرائيلية-أميركية على مقره في طهران، ولا تزال مستمرة منذ بدء الحرب في الثامن والعشرين من فبراير/شباط.

غير أن المشهد لا يخلو من مفارقة لافتة، إذ سرعان ما تحوّل بعض الأصوات المتشددة إلى مصدر إحراج لمعسكرهم ذاته. فقد أثارت تصريحات عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى، أبو الفضل ظهره واند، موجةً من الانتقادات حين أعلن في مقطع مصوّر أن "إسبانيا باتت تميل نحونا، و(الناتو) يعاني من الانشقاق"، مضيفاً أن إيران قدّمت "نموذجاً جديداً أعظم أثراً بمئة ضعف من القنبلة النووية".

وكان ظهره واند قد كشف في وقت سابق عن وجود مقاتلات "ميغ-29" روسية في شيراز، وأن طائرات "سوخوي-35" ومنظومة "إس-400" في طريقها إلى إيران؛ وهو ما استدعى انتقادات حادة من صحيفة "خراسان" المقربة من رئيس البرلمان التي وصفت تصريحاته بافتقارها إلى العقلانية والتدبير.


أشعلت صحيفة "سازندكي"، المحسوبة على التيار الإصلاحي وعلى فصيل الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، فتيل هذا الجدل حين نشرت في عددها الصادر الثلاثاء 12 مايو مقالاً بعنوان "إن جنحوا للسلم فاجنح لها"

ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ إذ لجأ نواب متشددون آخرون إلى منصة "إكس" لإطلاق تصريحات لا تقل إشكاليةً. فدعا النائب كامران غضنفري إلى منع سفن الدول التي صوّتت مع القرار الأميركي بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز من العبور، أو مضاعفة رسوم مرورها.

وهدّد النائب علي خضريان الإمارات صراحةً بأن إيران لن تتركها بعد انتهاء الحرب. فيما طالب النائب محمود نبوي، المشارك في وفد مفاوضات إسلام آباد، بسحب وزير الخارجية عراقجي من الوفد المفاوض.

(أ.ف.ب)
امرأة ترفع العلم الإيراني في طهران وسط تصاعد التوتر حول مضيق هرمز، 05 مايو 2026

 

دعا النائب كامران غضنفري إلى منع سفن الدول التي صوّتت مع القرار الأميركي بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز من العبور، أو مضاعفة رسوم مرورها

وقد رصدت وكالة "خبر أونلاين" هذه التصريحات في تقرير بعنوان "عندما تكلّف تصريحات مسؤولين الأمن ثمناً باهظاً"، معتبرةً أن بعض هذه الشخصيات "وجدت في الحرب بيئةً خصبة لتسليط الضوء على أنفسها بتصريحات مفصولة عن الواقع"، ومشيرةً إلى أن البلاد في ظروفها الراهنة تحتاج إلى مواقف مدروسة لا إلى استعراض مواقف.

وفي هذا المشهد المضطرب، لفت المحلل السياسي الإصلاحي أحمد زيد آبادي في مقال نشره موقع "عصر إيران" إلى مفارقة جوهرية، وهي أن المتشددين الذين يستنكرون لهجة ترمب العدوانية ووزير دفاعه هيغسيث تجاه إيران، يستخدمون في الداخل اللغة ذاتها من إساءة وتحقير ضد كل من يخالفهم الرأي. وتساءل زيد آبادي: لماذا لا يواجه النظام بحزم أولئك المذيعين وأصحاب النفوذ الذين يوظّفون منابرهم للتشهير بمنتقديهم، إن كان حقاً يعتزّ بالقيم التي يتشدّق بها؟

font change