اشتغل الكاتب العماني عبدالله حبيب، منذ بداياته، على توسيع أفق الكتابة وتحريرها من حدود النوع الأدبي الواحد، حيث تتقاطع في تجربته مسارات الشعر والتفكير والسينما ضمن بنية متداخلة ومتكاملة. يتجاوز حضوره الفعل الكتابي إلى الإخراج السينمائي بوصفه امتدادا بصريا للغة، يمد تجربته بحس تركيبي يزاوج بين الصورة والعبارة في نسيج واحد. ومن خلال هذا التفاعل، تغدو الكتابة لديه شكلا من التفكير المتجسد عبر الصورة، وفي الوقت نفسه مجالا لصوغ المعنى وتشكيله. خبرته الثقافية المتنوعة، إلى جانب انفتاحه على الفلسفة والفنون، تمنح نصوصه نبرة خاصة تنفتح على أفق إنساني رحب، مع احتفاظها بخصوصية حسها الداخلي.
يقدم كتاب "شيء واحد ينقص هذه الوحشة"، الصادر عن "دار كلمات" (2025)، تجربة نصية تقوم على مفارقة تجمع بين التفكك الظاهري والتماسك العميق في آن واحد. فمنذ الصفحات الأولى، يدخل القارئ إلى نسيج من الشذرات المتباعدة في ظاهرها، غير أنها تنتظم عبر خيط داخلي خفي، أشبه بنبض يتكرر في عمق النصوص ويمنحها وحدتها العضوية. وفي هذا السياق، تتجه الكتابة بعيدا عن بناء سرد خطي أو تقديم حكاية مكتملة، لتنشغل بالتقاط لحظات الوعي في أقصى درجات صفائها وارتباكها معا، حيث تتكثف الرؤية في عبارات مقتضبة تحمل دلالتها الكثيفة، كما في قوله: "العين معيار الهشاشة".
يقوم الكتاب على فكرة مركزية تتجلى في العنوان ذاته، حيث تظهر الوحشة ككيان ناقص يبحث عن عنصر خفي يمنحه اكتماله. ويتحول هذا النقص إلى محرك جمالي وفكري ينهض عليه بناء النصوص، إذ تندفع اللغة في محاولة لملامسة ما ينقص التجربة وتعويضه، وفي الوقت نفسه تتأمله بوصفه جوهرا عميقا في الوجود الإنساني.
الشذرة كطريقة تفكير وإدراك
تتوزع نصوص الكتاب في هيئة شذرات قصيرة، ويكشف هذا التوزع عن شكل مغاير من التنظيم يقوم على التراكم والتجاور، حيث تتخذ كل شذرة موقعها بوصفها وحدة مستقلة، وتستمد اكتمال معناها عبر اتصالها بما يجاورها، فينشأ من هذا التفاعل نسيج دلالي متداخل. وفي إحدى هذه الشذرات يقول الكاتب: "الحب ضرورة من متطلبات اللسان (في الحياة اليومية)، ومن زلات النسيان (في الحياة الوجودية)".


