يحمل عنوان رواية الكاتب السعودي عزيز محمد "غرباء حميمون" وقعا خاصا ودلالة قوية، إذ يأخذنا إلى عالم أسرة سعودية يعاني أفرادها من حالة اغتراب في علاقتهم بعضهم ببعض، رغم أنه يجمعهم بيت واحد، بينما يسعى الراوي إلى استكشاف أسباب ذلك الاغتراب وأسبابه من جهة ومحاولات دؤوبة لتجاوزه من جهة أخرى، وهكذا نتعرف الى بطل الرواية محمد عبد الله، الابن الأصغر في الأسرة المكونة من ثلاثة أولاد وفتاة، والذي يعمل مهندسا معماريا ينشغل ببناء العمارات ماديا، ويكون الوحيد الحريص على استعادة بناء العلاقات في هذه العائلة أو محاولة ترميمها، ولو من خلال كتابة كل ذلك وسط عالم يتداعى من حوله ولا يستجيب لأي من محاولاته.
الاغتراب من الداخل الى الخارج
نتعرف الى ثلاث مشكلات تقوم عليها الرواية وتشكل عالمها، تحضر الأولى بقوة منذ الصفحات الأولى وتتمثل في الغياب/ الهروب المفاجئ للأخت الصغرى، تلك التي تفلت من إسار تلك العائلة التي لم تشعر بانتمائها اليها، وربما يبدو للقارئ للوهلة الأولى أن الرواية ستدور حول هذه المشكلة، وكيف تتعامل معها الأسرة، وتكون هي المشكلة الكاشفة لحالة الاغتراب التي يعانيها الإخوة والأب والأم، ولكن شيئا فشيئا يتضح لنا أن "الغرباء" المقصودين ليسوا هم أفراد هذه الأسرة فحسب، وإنما تلك الحالة التي ستشمل عددا من العلاقات والعائلات المختلفة التي تبدو متقاربة وحميمة ظاهريا فيما يعاني أفرادها قدرا كبيرا من الوحدة والاغتراب.
تأتي المشكلة الثانية أو الأزمة الثانية في علاقة البطل/ الراوي بزوجته، فبعد أن يعود من رحلة دراسته في الولايات المتحدة، التي يمكن أن تلوح وكأنها حالة اغتراب أخرى، سرعان ما يتجاوزها الكاتب/ الرواية، يتفق مع أمه على الزواج من فتاة تصفها بأنها "ليست مثل فتيات هذا الزمن"، فيتعرف اليها ويتزوجها بالفعل، ويخوض معها التجربة الحميمة لأول مرة، ليكتشف أن ثمة سدودا وموانع تجعل علاقتهما ليست على ما يرام بين رجل وزوجته.
كانت زوجته تعاني داخل عائلتها من أخ قتل نتيجة تورطه في الانتماء الى جماعة إرهابية، وبالتالي عاشت العائلة وهي تحمل تلك الوصمة، غير قادرة على الحديث عنها أو تجاوزها. وبعد أن يحاول الراوي مرات عدة الاقتراب منها وكسر حاجز الصمت الغريب الذي وجدها عليه، يكتشف أن هناك جرحا غائرا لن يستطيع التغلب عليه في عالمها، بل أنها لا تنتمي إلى عالمه ولا يمكنها الاندماج معه.


