حج الخوند الكبرى... رحلة الحريم إلى مكة المكرمةhttps://www.majalla.com/node/331165/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%AD%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D9%86%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89-%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A9
يتفق العديد من المؤرخين على أن شجرة الدر، السلطانة التي حكمت مصر بعد وفاة زوجها السلطان الصالح نجم الدين أيوب، هي السلطانة الأولى للدولة المملوكية في مصر، وبجانب اشتهارها بالذكاء الشديد، اشتهرت أيضا بعلاقتها بموكب المحمل.
فعلى الرغم من أن السجلات التاريخية لا تقطع بيقين أداء السلطانة شجرة الدر لفريضة الحج، إلا أن حضورها في تاريخ الحج المصري ظل طاغيا، إذ تداخلت الحقيقة التاريخية بالخيال الشعبي والأوقاف الدينية لتجعل منها شخصية محورية في هذا السياق، وتبرز مكانتها الاستثنائية بوصفها السلطانة الوحيدة في العصر المملوكي التي ارتبط اسمها بابتكار تقاليد دينية وسياسية راسخة، وفي مقدمتها تقليد المحمل الشريف، إذ تنسب إليها السير الشعبية الفضل في تسيير ذلك الهودج المزين الذي غدا رمزا للسيادة المصرية وقوة الدولة في تأمين قوافل الحجيج المتجهة إلى مكة المكرمة.
وقد امتد أثرها ليشمل الجوانب المؤسسية والخيرية، فتشير المصادر، ومنها روايات الرحالة أوليا جلبي، إلى دورها في تأسيس أوقاف دينية كبرى خصصت لتجهيز كسوة الكعبة المشرفة وإرسالها من مصر، وهو النهج الذي سارت عليه لاحقا عادات البلاط المملوكي. ورغم غياب التوثيق لرحلتها الشخصية، فإن الروايات الشعبية والقصص المتوارثة لم تكف عن تصويرها كراعية لشؤون الحجيج وتوفير احتياجاتهم عبر تلك المؤسسات الوقفية.
وفي الحقيقة، فإن ربط اسم شجرة الدر بتقليد المحمل، الذي ترسخ ليصبح تقليدا رسميا في عهد السلطان الظاهر بيبرس، لم يكن مجرد مصادفة تاريخية، بل هو انعكاس للدور الريادي الذي لعبته نساء النخبة في الحياة الدينية والاجتماعية، وتعبير عن الوجدان الشعبي الذي أبى إلا أن يمنح هذه الحاكمة الاستثنائية مكانة فريدة تجمع بين هيبة السلطان وقداسة الشعيرة.
لم يكن حج الخوندات في زمن المماليك مجرد شعيرة دينية، بل تحول إلى أداة سياسية وديبلوماسية بالغة الدقة
يمر الزمن، فيذكر المقريزي في الجزء الرابع من كتابه "المواعظ والاعتبار" أن خوند طغاي أم أنوك، زوجة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بلغت من نفسه مكانة عظيمة جعلته لا يداوم على حب غيرها، بل وإنها كانت أهم زوجاته متفوقة في المنزلة والمكانة على زوجته الأخرى ابنة الأمير تنكز، لكن المثير في تناوله لحياتها وسيرتها هو ذكره لرحلات الحج التي خرجت إليها وحدها، ومن صاحبها من الأمراء والمشايخ، وما توافر لها من مظاهر الراحة في رحلتها الشاقة تلك، فيقول: "وحج بها القاضي كريم الدين واحتفل بأمرها وحمل لها البقول في محاير طين على ظهور الجمال، وأخذ لها الأبقار الحلابة، فسارت معها طول الطريق لأجل اللبن الطري، وعمل الجبن، وكان يقلي لها الجبن في الغداء والعشاء، وناهيك بمن وصل إلى مداومة البقل والجبن في كل يوم، وهما أخس ما يؤكل، فما عساه يكون بعد ذلك. وكان القاضي كريم الدين، والأمير مجلس، وعدة من الأمراء يترجلون عند النزول ويمشون بين يدي محفتها ويقبلون الأرض لها كما يفعلون بالسلطان، ثم حج بها الأمير بشتاك في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة..."، ويقول إن السلطان بنفسه كان يستقبلها عند وصولها إلى القلعة، ويقال إن شفاعتها عند السلطان الناصر كانت سارية النفاذ فورا، حد أنه أبطل من أجلها ضريبة القمح التي كانت مقررة على مكة المكرمة، وبقيت طغاي، حتى بعد وفاة زوجها السلطان الناصر تتمتع بالهيبة والمكانة نفسيهما لدى أمراء المماليك حتى وفاتها.
مشهد من قلعة القاهرة يظهر مسجد ومدرسة السلطان حسن ومسجد الرفاعي، 2021
ما وراء الحجاب: اقتدار نساء المماليك
يعرف المماليك بالقسوة والغلظة وبالبطش أيضا، والمعلومات عن حياتهم المنزلية شبه نادرة، لذلك تميل الذاكرة الشعبية لتخيل أن هذه الصفات الحادة كانت تسري أيضا على نسائهم، وأن أولئك النسوة كن مغلوبات على أمرهن حبيسات الأحاريم، لكن في الحقيقة كان لنساء المماليك مساحة كبيرة أحيانا من الحياة الاجتماعية، ومشاركة حقيقية في دعم سلطة السلطان، وازدادت هذه المساحة في عصر دولة مماليك الجركس (البرجية)، وكانت شعيرة الحج من مظاهر هذه المساحة.
زوار في قلعة قايتباي في الإسكندرية ليلا، 2023
في ورقة بحثية بعنوان "مسائل عائلية" (Family Matters: The "Family-In-Law Impulse" in Mamluk Marriage Policy) نشرتها إحدى الدوريات التابعة للمعهد الفرنسي للدراسات الشرقية بالقاهرة، يناهض الباحثون التصور الذهني الذي حبس الدولة المملوكية في إطار دولة العبيد ذات المنظومة الذكورية التي لا أثر فيها للنساء. فبدلا من النظر إلى تاريخ المماليك كفترات متقطعة من الصراعات والانقلابات، يرى الباحثون تيارا خفيا من الاستمرارية السياسية كانت تضمنه نساء البلاط، عبر سلسلة من العمليات الاجتماعية كالمصاهرة، وأيضا الأدوار الاجتماعية والدينية التي تأتي في مقدمتها شعيرة الحج. إذ لم يكن حج الخوندات (كلمة خوند هي كلمة فارسية تطلق على الرجال والنساء أيضا، وتعني السيد أو الأمير أو الملك، لكنها اشتهرت في زمن المماليك كلقب يطلق على زوجات وجواري سلاطين المماليك البارزات) في زمن المماليك مجرد شعيرة دينية، بل تحول إلى أداة سياسية وديبلوماسية بالغة الدقة، تهدف في جوهرها إلى شد أزر السلطة وتثبيت أركان الشرعية السلطانية أمام الرعية والعالم.
لقد كان أداء "الخوند الكبرى" لمناسك الحج يعد بمثابة حج بالوكالة عن السلطان نفسه، وكان هذا الحج يضفي عليه هيبة دينية بوصفه حاميا وخادما للحرمين الشريفين دون أن يبرح عاصمته. وقد اقترنت هذه الشعيرة الروحية باستعراض مهيب للقوة الاقتصادية. إذ كانت مواكب حج زوجات السلاطين تجهز ببذخ أسطوري، كونه رسالة سياسية مادية تعكس ثراء بيت السلطنة وقدرته، مما يزرع الرهبة في نفوس المنافسين والأعداء، والطمأنينة في قلوب الأتباع. وفي الوقت ذاته، كان نظام الاحتجاب الصارم الذي يحيط بالسيدات في رحلتهن، رغم وجودهن في الفضاء العام، يستخدم كبرهان على سلطة السلطان وقدرته على ضبط "حرمه" وإحكام سيطرته. وهكذا منح الخروج الأسطوري والمهيب لموكب المحمل الخاص بخروج الخوندات صبغة شرعية واحتفالية كبرى، أكدت الأمان المطلق الذي نشره المماليك في طريق الحج، وسيطرتهم الكاملة على الحجاز.
كان حج الخوندات عرضا سياسيا متكاملا تداخل فيه الدين والمال والمكانة لتثبيت دعائم الحكم
وفي الحقيقة كان خروج زوجات سلاطين المماليك فرصة لبناء شبكات اجتماعية ونفوذ واسع، إذ كانت الخوندات يخرجن ومعهن مئات الأتباع، وهذا بدوره حوّلهن إلى مراكز ثقل سياسي تمارس من خلالها الشفاعة والتوسط لدى السلطان، وهكذا أصبحت الخوندات حارسات للمكانة ومستودعات لرأس المال الرمزي. وحتى بعد رحيل السلطان، كانت أرملته التي حجت وأقامت الأوقاف تحتفظ بمكانة تجعل السلاطين الجدد يتسابقون للارتباط بها، رغبة في نيل تلك الشرعية المتصلة بالبيت القديم، ونوعا من الاعتراف الضمني بقوة هذه الخوند ورغبة في اتقاء شر ذكائها إن تحول ضدهم، مما جعل حج الخوندات عرضا سياسيا متكاملا تداخل فيه الدين والمال والمكانة لتثبيت دعائم الحكم.
الخوند الكبرى تذهب إلى الحج
تستعرض كاثرين جونسون في ورقتها البحثية المعنونة باسم "الحج الملكي" (Royal Pilgrims: Mamlūk Accounts of the Pilgrimages to Mecca of the Khawand al-Kubrā)، سجلات الحج لخمس من "الخوندات الكبرى" في العصر المملوكي الجركسي، لتكشف عما وراء المواكب الاحتفالية من تفاصيل إنسانية ورسمية تعكس هيبة الدولة المصرية وثراء سلطنتها آنذاك.
مسيرة قافلة الحج الكبرى من القاهرة إلى مكة عام 1778
كانت التحضيرات لهذه الرحلة الشاقة تبدأ قبل أشهر، تحديدا في شهر ربيع الأول، حين تسند المهمة لكبار المسؤولين تحت مسمى منصب "أمير الحج". وكان اختيار هذا الأمير يتم في طقس سلطاني مهيب خلال احتفالات المولد النبوي، حين يرسل السلطان إشارة سرية عبر كأس من الشراب الحلو، يشرب منه جزءا ثم يوجه الخادم بتقديم ما تبقى للشخص المختار، الذي يبادر بتقبيل يد السلطان معلنا قبوله هذه المهمة الجسيمة.
كانت هذه الرحلة التي تمتد لما يقارب خمسين يوما تتطلب تأمين كميات ضخمة من المياه والمؤن لآلاف الحجاج، بالإضافة إلى حشد القوات العسكرية لحماية الموكب وتنظيم أمتعة الخوند ومرافقيها. وكانت القافلة تنقسم وحدتين: "الركب الأول" الذي يمهد الطريق، و"ركب المحمل" وهو الأكثر وجاهة ومكانة كونه يحمل كسوة الكعبة المشرفة، وأيضا يحمل الخوند زوجة السلطان.
غير أن هذا الشرف العظيم كان يمثل عبئا ماليا ضخما على كبار المسؤولين، إذ كان أمير الحج هو من يتحمل معظم النفقات من ماله الخاص، مما دفع بعض الأمراء لطلب الإعفاء، بينما اضطر آخرون للاقتراض لمواجهة التكاليف التي بلغت أرقاما فلكية. فمثلا تذكر المصادر هدايا وولائم لعائلة السلطان تجاوزت قيمتها مئة ألف دينار، بينما بلغت تكلفة المحفة الخاصة بزوجة السلطان الغوري وحدها أكثر من عشرين ألف دينار.
وتجسدت مظاهر البذخ والرفاهية في أبهى صورها من خلال المحفات السلطانية التي كانت تحمل الخوندات، فقد وصفت محفة الخوند فاطمة بأنها أعجوبة لم ير مثلها، مغطاة بالقماش الموشى بالذهب ومرصعة بالياقوت الأحمر واللؤلؤ، في حين كانت محفة زوجة الغوري مصنوعة من المخمل الأحمر المطرز بذهب البندقية الخالص.
وعند انطلاق الموكب من القاهرة، كان الفرسان يرتدون ملابس الاستعراض الزاهية وتنثر السكاكر والعملات الذهبية والفضية على عامة الشعب المصطفين في الشوارع. ولم تغب الرفاهية في الصحراء، إذ كانت الخوند تصطحب معها وسائل الراحة كافة، بما في ذلك مغطس نحاسي للاستحمام بالماء الدافئ، بينما خصص ألف جمل لنقل أمتعة العائلة المالكة فقط، يرافقهم جيش من الخدم والخصيان. وتختتم هذه الرحلة المهيبة عند العودة وصعود القلعة بحمل (القبة والطير) فوق رأس الخوند كشعار للملكية، بينما تنثر تحت أقدامها قطع الذهب والفضة احتفاء بقدومها.
عن الخوندات اللاتي حججن بالمحمل
تنوعت أصول سيدات البلاط المملوكي تماما كما تنوعت أصول المماليك الرجال، فمنهن من كن ينتمين إلى عائلات نبيلة ومرموقة كابنة القاضي البارزي أو ابنتي ابن خصبك، ومنهن جوار سابقات نلن حظوة استثنائية لدى أسيادهن حتى أعتقن وتزوجن السلاطين، كما حدث مع شكر باي الأحمدية. وقد تباينت شخصياتهن بين من تلقين تعليما رفيعا في فنون السياسة والمناورة لضمان البقاء في دوائر السلطة، وبين من غلب عليهن طابع الزهد والتقوى الشديدة، مما جعل لكل واحدة منهن بصمة مختلفة في تاريخ القلعة.
ولعل من أشهر نساء سلاطين المماليك الجراكسة اللاتي خرجن للحج على الترتيب، خوند (مغول بنت البارزي)، زوجة السلطان الظاهر جقمق وابنة قاضي المذهب الشافعي المرموق، التي ارتبط اسمها برحلة حج عام 851 هـ، إلا أن سيرتها لم تخل من الاضطرابات العائلية التي انتهت بطلاقها بعد اتهامات تتعلق بالسحر، وإن كانت قد نالت بعض الحظوة في الذاكرة الشعبية المصرية، فعرفت بلقب "محركة الخير" لبنائها جامع الشيخ ميدان. وفي المقابل، وفي رحلة حجها الأولى استقبلها الشريف بركات صاحب مكة استقبالا استثنائيا حين ترجل عن فرسه ومشى أمام محفتها إعظاما لمقامها، وقد تفردت بصدق تعبدها حين كررت زيارة البيت العتيق بعد زوال سلطتها، مختارة الرحيل مع الركب في شهر رجب، طلبا للمجاورة الطويلة في رحاب الحرم.
كانت الخوند تصطحب معها وسائل الراحة كافة، بما في ذلك مغطس نحاسي للاستحمام بالماء الدافئ، بينما خصص ألف جمل لنقل أمتعة العائلة المالكة فقط
وتبرز خوند زينب بنت بدر الدين بن خصبك، زوجة السلطان الأشرف إينال، كنموذج للمرأة ذات الإرادة الحديدية والنفوذ المالي والسياسي المطلق على السلطان وشؤون المملكة خلال رحلتها في عام 861 هـ. تحكي كتب التاريخ عن موكبها الذي كانت تتقدمه جمال تزدان بسروج ذهبية وأغطية من الديباج الأصفر، وحين أتمت مناسكها وعادت إلى عرشها بقلعة الجبل، زفت في مراسم ملكية فريدة حيث حمل فوق رأسها شعار السلطنة وفرش لها الحرير تحت أقدامها، وتوجت تلك الرحلة بهدايا فاخرة كان من بينها سرج مرصع بالزبرجد النفيس، ووصف المؤرخ السخاوي خوند زينب بأنها كانت تتمتع بطاعة مطلقة من زوجها السلطان إينال، الى درجة أنه لم يكن يبرم أمرا دون مشورتها، وكانت شريكة له في الهدايا والأموال التي ترد الى البلاط، كما شيدت خوند زينب منازل وأربطة مخصصة للأرامل.
أما خوند شكر باي الأحمدية، التي كانت جارية معتوقة قبل أن تصبح زوجة للسلطان الظاهر خشقدم وتؤدي فريضة الحج عام 868 هـ، فعرفت بزهدها وارتباطها العميق بالطريقة الأحمدية الصوفية، وبلغ زهدها أنها أوصت بتغطية نعشها بثوب مرقع من ملابس الدراويش بدلا من أفخر الأقمشة، وسار في جنازتها أتباع الطريقة بأعلامهم الحمراء في مشهد عكس تواضعها وقربها من العامة، أما رحلة حجها فكانت شديدة المهابة، إذ تولى حفيدها قيادة ركب المحمل، ورافقها في مسيرها صفوة المجتمع من كبار القضاة والأمراء، مما عكس تماسك البيت السلطاني وعمق هيبته.
أما خوند فاطمة بنت علاء الدين بن خصبك، زوجة السلطان الأشرف قايتباي، فقد جسدت الثراء والمكانة الاجتماعية المرموقة، إذ احتفظت بلقب "ست القاعة" لقرابة ثلاثة عقود، وأدت حجها في عام 879 هـ بموكب عكس ثروتها الطائلة، وحفظت نفسها في الذاكرة الشعبية القاهرية كامرأة سخية عندما عادت من الحج إلى القاهرة ووزعت السكاكر والصدقات من الذهب والفضة على العامة، وكانت رحلتها مزيجا بين روحانية الفن والدين، حيث استصحبت في ركبها أعذب المنشدين وأبلغ الوعاظ أثرا، وسارت في موكب يضم خمسين جملا يزدان بالألوان والمخمل، بينما تلألأت محفتها بالياقوت واللؤلؤ.
أبراج البيت في مكة كما تبدو من جبل النور، 2022
أما خوند أم سيدي محمد زوجة السلطان الأشرف قانصوه الغوري، التي عرفت بلقبها نسبة إلى ابنها ناصر الدين محمد خلال حجها في عام 920 هـ، وكان موكبها أسطوري البذخ، فيقال إنها حملت معها أواني الطعام المصنوعة من الكريستال والبورسلين الصيني واللازورد، بينما تدرعت خيول موكبها بالفولاذ في استعراض للقوة العسكرية، ورافقها جيش من الجواري والنساء استلزم تدبير ألف دابة لحملهن. وعلى الرغم من فخامة محفتها المطرزة بخيوط الذهب، طاردتها سخرية شعراء الشوارع في القاهرة لعودتها من الحج سرا في الليل دون توزيع الصدقات.
واللافت أن المصادر التاريخية تورد أيضا أسماء لشخصيات نسائية أخرى شكلن جزءا من النسيج الاجتماعي والسياسي للأسرة الحاكمة، مثل خوند نفيسة بنت ذي الغادر التي شاركت خوند مغول رحلتها، وخوند سورباي الجركسية التي انتقلت بمكانتها لتصبح الخوند الكبرى للسلطان خشقدم. وتتوسع الدائرة لتشمل الأميرات ذوات الأصول الأعجمية مثل شاهزاده بنت عثمان، ابنة السلطان العثماني، بالإضافة إلى بنات الخوندات مثل خديجة ابنة السلطان جقمق، وبدرية وفاطمة ابنتي السلطان إينال، وخاتون ابنة شكر باي، مما يرسم صورة متكاملة للأدوار المعقدة والروابط العائلية التي أحاطت بسدة الحكم في العصر المملوكي.
مسجد محمد علي في قلعة صلاح الدين في القاهرة، 2025
وتشير الدراسات التاريخية الرصينة، لا سيما ما قدمته الدكتورة دوريس بهرنز-أبوسيف، والبروفسورة أماليا ليفانوني، إلى أن حج نساء البلاط السلطاني في العصر المملوكي لم يقتصر أثره على المظاهر الاحتفالية، بل امتد ليشمل دورا خيريا وتنمويا واسعا، إذ كانت سيدات النخبة، مثل خوند بركة وأصلباي، يقمن ببناء المنشآت المعمارية في مكة المكرمة والمدينة المنورة من مدارس وأسبلة، وتوزيع الصدقات الوافرة المعروفة بـالصرة السلطانية، وهذا الحضور النسائي القوي في مكة والمدينة أسهم بشكل مباشر في تعزيز شرعية الحاكم المملوكي بوصفه حاميا للحرمين الشريفين، وجعل من حج الزوجة الرسمية حدثا رسميا يدون بدقة في السجلات التاريخية كجزء أصيل من الحياة الاجتماعية والسياسية للبلاط.
لم يقتصر أثر حج نساء البلاط السلطاني في العصر المملوكي على المظاهر الاحتفالية، بل امتد ليشمل دورا خيريا وتنمويا واسعا
وعلى الرغم من هذه الصبغة الدينية والخيرية، فإن الحج كان يستخدم أحيانا كأداة نفي حادة تحت غطاء التقوى، فقد كان وسيلة لإبعاد النساء القويات عن مركز القرار في القاهرة عند اشتعال الصراعات. وتبرز قصة أصلباي الجركسية زوجة السلطان الأشرف قايتباي وأم السلطان الناصر محمد، كنموذج لهذا المصير. فبينما خرجت لأداء الفريضة في عام 1508م وسط مظاهر التبجيل، استغلت رحلتها لتكون نفيا مقنعا، إذ انتهى بها المطاف للبقاء في الحجاز حتى وفاتها.
وهكذا، يتضح أن حج "الخوندات" لم يكن مجرد رحلة للسكينة الروحية، بل كان استراتيجيا سياسية بارعة استخدمها البلاط المملوكي لترسيخ شرعيته وتأكيد سيادته على الأراضي المقدسة. فمن خلال تلك المواكب المهيبة التي تقودها سيدات القصر، نجحت الدولة في إرسال رسالة قوة وهيبة للداخل والخارج، محولة فريضة الحج إلى أداة ديبلوماسية ناعمة عززت مكانة السلطنة كحامية للمقدسات وراعية لرفاهية العالم الإسلامي.