سوريا وإسرائيل... و"قائمة الإرهاب"

بعد التغيير وفك العزلة وبسط السيطرة الجغرافية وتثبيت الأمن، يبرز تحديان

سوريا وإسرائيل... و"قائمة الإرهاب"

استمع إلى المقال دقيقة

سوريا اليوم ليست تلك التي عرفها الشرق الأوسط خلال العقود السابقة. فالبلاد التي كانت لاعبا مُتعِبا ثم تحولت بعد عام 2011 إلى ملعب متعِب، تبدو الآن أمام محاولة إعادة تموضع شاملة لاستعادة دورها. وبعد التغيير وفك العزلة وبسط السيطرة الجغرافية وتثبيت الأمن، يبرز تحديان: الاقتصاد وإسرائيل.

يتحرك الرئيس أحمد الشرع ببرغماتيةٍ تخدم أولويات سوريا، ودقةٍ في إدارة التوازنات. "سوريا الجديدة" انتقلت من الاعتماد على المحور الروسي-الإيراني إلى مساحة أكثر قرباً من أميركا وحلفائها، من دون أن تقطع خيوطها مع موسكو. ولعل المؤشر الأوضح على ذلك هو الانفتاح السياسي الكبير من إدارة دونالد ترمب على دمشق وعقود النفط والغاز التي ذهب معظمها إلى شركات أميركية مثل "كونوكو" و"شيفرون". وكان لافتاً أن عقد شركة "إتش كي إن" مع الشركة السورية للنفط يشمل معظم الحقول الرئيسة. هذه العقود الحصرية التي تضع معظم النفط السوري تحت المظلة الأميركية، لا يمكن النظر إليها كصفقات اقتصادية فقط، بل باعتبارها مؤشراً إلى إعادة صياغة العلاقة بين دمشق وواشنطن والرهان على ترمب.

في الشرق الأوسط وبالنسبة إلى ترمب، النفط ليس مجرد اقتصاد، بل لغة نفوذ وجغرافيا سياسية. شاهدنا هذا في فنزويلا وحرب إيران. وعندما تدخل شركات أميركية إلى قطاع الطاقة السوري، فهذا يعني أن هناك قبولاً أميركياً ضمنياً بإعادة دمج سوريا تدريجياً في النظام الإقليمي الجديد، أو على الأقل القبول بإخراجها من ركام الحرب الطويلة والقطيعة مع "سوريا القديمة".

لكن، رغم هذه المؤشرات الواعدة، فإن التحدي الأساسي الذي يواجه سوريا في السنة الحالية ليس دبلوماسياً، بل اقتصادي بالدرجة الأولى. فالحرب التي دمرت البنية التحتية وأضعفت مؤسسات الدولة وأفقرت وهجّرت ملايين السوريين خلّفت اقتصاداً شبه منهار. لذلك، فإن أي حديث عن استقرار سياسي أو عودة للاجئين أو إعادة إعمار أو عدم عودة "داعش"، يبقى نظرياً إذا لم يترافق مع خطة إنقاذ اقتصادية حقيقية.

في واشنطن هناك من يدرك أن رفع اسم سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب أصبح ضرورياً لدعم الاستقرار الاقتصادي، وهناك أصوات أخرى تريد الإبقاء على هذه الورقة للضغط على دمشق، خصوصاً في ما يتعلق يإسرائيل

هنا تبرز قضية شديدة الحساسية: ضرورة رفع سوريا من "لائحة الدول الراعية للإرهاب" التي تعود إلى فترة نظام الأسد نهاية السبعينات. تحقق اختراق تاريخي في 2025 بفك العزلة الدبلوماسية، ثم رفع جميع العقوبات الغربية بما فيها "قانون قيصر". لكن بقاء سوريا على "لائحة الإرهاب" يعني عملياً استمرار عزلها عن النظام المالي العالمي، وتعقيد أي محاولة لجذب استثمارات جدية أو إعادة دمج المصارف السورية في النظام العالمي، وتقييد النتائج المتوخاة من مؤتمرين دوليين كبيرين مرتقبين: "الإعمار" و"الدعم الإنساني".

المفارقة أن هناك داخل واشنطن من يدرك أن رفع اسم سوريا من هذه اللائحة أصبح ضرورياً لدعم الاستقرار الاقتصادي والخروج من المعاناة، لكن في المقابل توجد أصوات أخرى تريد الإبقاء على هذه الورقة كوسيلة ضغط سياسي على دمشق، خصوصاً في ما يتعلق بإسرائيل. بمعنى آخر، هناك من يرى أن العقوبات يجب أن تتحول إلى أداة نفوذ لدفع سوريا نحو تقديم تنازلات سياسية وأمنية في ملف حساس، هو إسرائيل.

دمشق ترى أن الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة تقوّض الاستقرار وتمنع أي مسار تنموي حقيقي، خصوصاً في الجنوب السوري واستعادة انضواء السويداء بالدولة

هنا يتداخل التحديان: الاقتصاد وإسرائيل. يبدو واضحاً أن إسرائيل تنظر إلى "سوريا الجديدة" من زاوية أمنية بحتة، وتسعى إلى بقاء سوريا منهكة وترتيبات أمنية طويلة الأمد. أما دمشق فترى أن الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة تقوّض الاستقرار وتمنع أي مسار تنموي حقيقي، خصوصاً في الجنوب السوري واستعادة انضواء السويداء بالدولة السورية. لذلك تسير بحذر شديد. لا تريد مواجهة مفتوحة مع إسرائيل ولا تريد تهديد أي من جوارها، لكنها أيضاً لا تريد أن تظهر وكأنها تقدم تنازلات مجانية تحت الضغط الاقتصادي.

في المحصلة، تبدو سوريا اليوم أمام لحظة شديدة التعقيد. فالاختبار الأصعب أمامها ليس فقط الخروج من الحرب والعزلة، بل الخروج من اقتصاد الحرب أيضاً. وهذا يتطلب من دمشق العمل على ثلاثة مستويات: النظام المصرفي، الإطار القانوني، الحوكمة، لخلق بيئة تسمح بجذب الاستثمارات وتحويل الأرقام إلى مشاريع. ويتطلب من واشنطن إزالة سوريا من "قائمة الإرهاب" وعدم انتظار  نهاية العام.

font change