للمرة الثالثة خلال أقل من عقدين، يُعلن مقتدى الصدر تفكيك تشكيل عسكري أنشأه بنفسه. وفي كل مرة يبدو القرار وكأنه نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الحركة الصدرية، قبل أن يتحول لاحقا إلى محطة انتقالية تسبق ولادة صيغة جديدة من النفوذ السياسي أو العسكري. هذه المرة لا يتعلق الأمر بـ"جيش المهدي" كما حدث بعد سنوات الحرب الأهلية العراقية، بل بـ"سرايا السلام"، آخر وأهم الأذرع المسلحة المرتبطة بالتيار الصدري.
في 27 مايو/أيار 2026 أعلن الصدر انفكاك "سرايا السلام" عن "التيار الشيعي الوطني" والتحاقها الكامل بالدولة العراقية، مؤكدا استعداده لتسليم التشكيل العسكري إلى القائد العام للقوات المسلحة. كما شدد على أن المؤسسات المدنية المرتبطة بالسرايا ستتحول إلى مشروع "البنيان المرصوص" من دون سلاح أو مقرات أو زي عسكري ليصبح مؤسسة مدنية خدمية بحتة.
لكن أهمية القرار لا تكمن في الإعلان نفسه بقدر ما تكمن في توقيته. فقد جاء في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، حيث تتصاعد الضغوط الأميركية على بغداد لحصر السلاح بيد الدولة وتقليص نفوذ الفصائل المسلحة الخارجة عن المؤسسات الرسمية، بالتزامن مع تحولات إقليمية متسارعة أعادت رسم موازين القوى في المنطقة. كما تزامن القرار مع تشكيل حكومة عراقية جديدة تسعى إلى إعادة فرض هيبة الدولة وإعادة ضبط العلاقة بين المؤسسات الرسمية والفصائل المسلحة.
وبعد أيام قليلة من إعلان الصدر، أعلنت فصائل أخرى مسلحة، من بينها "كتائب الإمام علي" و"عصائب أهل الحق"، الشروع في تنفيذ إجراءات فك الارتباط بتشكيلات "الحشد الشعبي" وحصر السلاح بيد الدولة، وذلك بعد إعلان "الإطار التنسيقي" دعمه هذا التوجه وتفويض رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه.
قبل أسابيع من الإعلان، كان الصدر قد وضع شروطا صارمة أمام المشهد السياسي الجديد، داعيا إلى إبعاد أي جهة تمتلك جناحا مسلحا عن الحكومة، ومطالبا بحصر السلاح بالكامل بيد الدولة. بدا وكأنه يحاول إعادة تعريف نفسه باعتباره رجل دولة شيعيا لا زعيم فصيل مسلح، وموقعه باعتباره صانعا للأجندة السياسية لا مجرد طرف يتفاعل معها.

