على حافة الهاوية النووية مجددا... الهند وباكستان ينجرفان نحو مواجهة أشد خطورة

وتيرة التصعيد قد تكون أسرع والنتائج أشد فتكا

رويترز
رويترز
يتبادل جنود من قوات حرس الحدود الباكستانية وقوات الأمن الحدودية الهندية إشارات رمزية خلال عرض عسكري يومي عند نقطة التفتيش المشتركة بين باكستان والهند في واغ، على مشارف لاهور، في 26 فبراير 2010

على حافة الهاوية النووية مجددا... الهند وباكستان ينجرفان نحو مواجهة أشد خطورة

بعد عام على الصراع القصير والعنيف الذي استمر أربعة أيام بين باكستان والهند ودفع جنوب آسيا إلى شفير مواجهة نووية، يبدو الهدوء المخيم على امتداد خط السيطرة أقرب إلى هدنة هشة منه إلى سلام حقيقي: صمت متوتر، قابل للانكسار في أي لحظة. وتحت هذا الهدوء المشوب بالقلق، يعود الخصمان النوويان إلى تشديد مواقفهما، وتصعيد خطابهما، واختبار حدود الردع بطرق توحي بأن الأزمة المقبلة قد لا تكون قابلة للاحتواء بالسهولة ذاتها.

فما تغيّر خلال العام الماضي لا يقتصر على توقف القتال، بل يشمل البيئة السياسية والاستراتيجية التي باتت الخصومة تتحرك داخلها. الثقة تآكلت أكثر، والهامش الدبلوماسي انكمش إلى حد الاختفاء، والخطاب المتبادل اكتسب نبرة أكثر حدّة ووجودية، نبرة تزداد فيها المسافة غموضاً بين الرسائل الرادعة والاستفزاز المباشر.

وجاءت أحدث شرارات التوتر في تصريحات رئيس أركان الجيش الهندي، الجنرال أوبيندرا دويفيدي، الذي قال إن على باكستان أن تختار ما إذا كانت تريد البقاء جزءاً من "الجغرافيا أو التاريخ". هذا التصريح، اللافت بحدّته وما ينطوي عليه من تهديد وجودي، استدعى رداً فورياً وحاداً من إدارة العلاقات العامة للجيش الباكستاني.

ففي بيان شديد اللهجة، وصفت الإدارة التصريحات بأنها "تحريض على الحرب" وتعكس "عقلية متغطرسة وقومية وقصيرة النظر" لطالما دفعت المنطقة نحو الصراع. والأهم تحذيرها من أن أي محاولة لاستهداف باكستان ستفضي إلى عواقب "غير محصورة جغرافياً، وغير مقبولة للهند استراتيجياً أو سياسياً".

في الهند، عزز صعود القومية الحازمة في عهد ناريندرا مودي نهجاً أكثر تشدداً تجاه باكستان، حيث يُنظر إلى الحوار باعتباره ضعفاً. وفي باكستان، عززت تداعيات صراع 2025 الدور المركزي للمؤسسة العسكرية

هذه اللغة، المحمّلة بإيحاءات نووية، تكشف حجم التحول في الخطاب بين الجانبين: من رسائل ردع محسوبة إلى خطاب أكثر تقلباً وشخصنة، وأكثر قابلية للانفلات في لحظات الأزمات.

إرث حرب 2025

يأتي هذا التصعيد الكلامي على خلفية المواجهة العسكرية التي اندلعت في مايو/أيار 2025 واستمرت أربعة أيام. بدأت الأزمة بهجوم مسلح دامٍ في الشطر الخاضع للإدارة الهندية من كشمير، أسفر عن مقتل 26 مدنياً، معظمهم من السياح. اتهمت الهند باكستان بالمسؤولية، وردّت بعملية "سيندور"، فيما أطلقت باكستان عملية "البنيان المرصوص". وخلال المواجهة، اشتبكت الطائرات المقاتلة، وتبادل الطرفان الصواريخ والطائرات المسيّرة، واشتعل خط السيطرة بقصف مدفعي كثيف.

ورغم أن الحرب لم تتجاوز 90 ساعة، فإن تداعياتها كانت عميقة. فقد عبر البلدان عتبات عسكرية متعددة- من استخدام قدرات جوية متقدمة إلى صواريخ كروز ومنظومات باليستية قصيرة المدى- من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وفي اللحظات الأخيرة، جرى احتواء الأزمة عبر تدخل دبلوماسي، بعدما أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أنه لعب دوراً محورياً في التوصل إلى وقف إطلاق النار في 10 مايو/أيار.

رويترز
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، برفقة رئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير، في العرض العسكري خلال حفل تخرج من الأكاديمية العسكرية الباكستانية (PMA) في كاكول، أبوت آباد، باكستان، في 26 أبريل 2025

لكن الصراع، وإن أظهر قدرة الردع على الصمود، كشف أيضاً هشاشته. ويحذر محللون من أن الدرس الذي ربما استخلصه الطرفان- أن حرباً تقليدية محدودة بين قوتين نوويتين يمكن ضبطها- قد يكون درساً مضللاً وخطيراً.

جمود دبلوماسي غير مسبوق

اليوم تبدو البيئة الاستراتيجية أكثر هشاشة مما كانت عليه قبل عام. فالقنوات الدبلوماسية شبه معدومة، والتجارة معلقة، والقيود الجوية مستمرة، و"دبلوماسية الكريكيت" مجمدة، وحتى "معاهدة مياه السند"- أحد أعمدة الاستقرار منذ 1960- باتت في حالة تعليق.

ويقول الدبلوماسي الباكستاني السابق حسين حقاني: "العلاقات لا تزال في حالة جمود عميق"، مشيراً إلى أن أياً من الطرفين لا يرى حافزاً داخلياً أو دولياً لبدء حوار. إنها واحدة من أطول فترات الشلل الدبلوماسي في تاريخ العلاقة بين البلدين.

ولا يقتصر الجمود على المؤسسات، بل يمتد إلى البنية الأيديولوجية. ففي الهند، عزز صعود القومية الحازمة في عهد ناريندرا مودي نهجاً أكثر تشدداً تجاه باكستان، حيث يُنظر إلى الحوار باعتباره ضعفاً. وفي باكستان، عززت تداعيات صراع 2025 الدور المركزي للمؤسسة العسكرية ورسخت عقيدة تقوم على رد محسوب وحازم.

في عقود سابقة، كانت القنوات الخلفية والوساطات الدولية توفر مخارج آمنة في لحظات التصعيد. أما اليوم، فهذه الضمانات تتآكل

وهكذا نشأت حلقة عداء متبادلة، تغذي فيها حسابات السياسة الداخلية في كل بلد مخاوف الطرف الآخر.

رواية باكستانية مضادة

ويرى إعجاز الحق، عضو البرلمان الباكستاني والمحلل المعروف، أن حرب العام الماضي منحت باكستان اليد العليا.

ويقول: "لقد شكّل اشتباك 10 مايو/أيار 2025 فصلاً جديداً في التاريخ الهندي–الباكستاني، ورسخ نجاحاً واضحاً لباكستان. هذه النتيجة وضعت قادة الجيش الهندي تحت ضغط هائل، ولهذا نرى تحولاً في السياسة الهندية، حتى إن منظمة (آر إس إس) باتت تدعو إلى الحوار. على الهند أن تدرك أنها لا تستطيع تقويض باكستان؛ لقد غيرنا مجرى التاريخ، وأي مغامرة جديدة قد تغيّر جغرافيا المنطقة".

تحولات دولية تزيد المشهد تعقيداً

خلال أزمة 2025، احتفظت الولايات المتحدة بنفوذ كافٍ لدى الطرفين لتهدئة التوتر. أما اليوم، ففاعلية هذا النفوذ أقل يقيناً. فقد شهدت العلاقات الأميركية–الهندية توترات مرتبطة بالتجارة والاستقلالية الاستراتيجية، فيما أدى الانخراط الأميركي المتجدد مع باكستان- خصوصاً في سياق الحرب مع إيران- إلى تغيير بعض الحسابات الإقليمية.

أ.ف.ب
مركبة عسكرية باكستانية تحمل صاروخ شاهين الباليستي بعيد المدى خلال عرض يوم باكستان في إسلام آباد في 23 مارس 2022

وفي أبريل/نيسان 2026، برزت باكستان وسيطاً دبلوماسياً غير متوقع في الحرب الأميركية–الإيرانية، إذ استضافت محادثات وساعدت في التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار، ما رفع مكانتها الدولية. أما بالنسبة إلى الهند، فقد أثار ذلك مخاوف من تبدل الاصطفافات الأميركية.

في الوقت نفسه، يتغير ميزان القوى العسكري في جنوب آسيا. فقد عزز التعاون الدفاعي المتنامي بين باكستان والصين- الذي تسارع بعد أداء المنظومات الصينية خلال صراع 2025- بعداً جديداً في الخصومة. ويرى محللون أن الحرب قدمت عرضاً ميدانياً للتكنولوجيا العسكرية الصينية، ما قد يعيد تشكيل ديناميات التسلح في الإقليم.

أما الهند، فتسعى إلى تنويع شراكاتها الدفاعية وتقليل اعتمادها على أي شريك واحد، مع الحفاظ على تفوقها التقليدي.

تآكل آليات إدارة الأزمات

وراء هذه التحولات جميعها يكمن قلق أعمق: تراجع آليات إدارة الأزمات. ففي عقود سابقة، كانت القنوات الخلفية والوساطات الدولية توفر مخارج آمنة في لحظات التصعيد. أما اليوم، فهذه الضمانات تتآكل.

تبقى جنوب آسيا اليوم معلقة في حالة من الهدوء القلق؛ سلام شكلي يخفي توتراً عميقاً. الخطاب أشد حدة، وهامش الخطأ أضيق، وعواقب سوء التقدير أخطر من أي وقت مضى

ويحذر أكاديمي في جامعة جواهر لال نهرو قائلاً: "قدرة الأطراف الثالثة على التأثير تتراجع. وإذا استمر هذا المأزق، فإننا نخاطر بتطبيع حالة من العداء الدائم، يصبح فيها التصعيد أكثر احتمالاً".

خطر يتعاظم

ورغم أن الحسابات الاستراتيجية تطغى على المشهد، فإن المخاطر الإنسانية تبقى حاضرة. فقد أدى صراع 2025 إلى مقتل أكثر من 70 شخصاً، بينهم مدنيون. وفي أي مواجهة مقبلة، قد يكون حجم الدمار أكبر بكثير، خصوصاً إذا أدى سوء التقدير إلى تصعيد خارج السيطرة.

أ.ف.ب
تجمّع هنود وباكستانيون لمشاهدة مراسم إنزال دقّات العلم عند معبر أتاري-واغاه الحدودي بين باكستان والهند، على مشارف مدينة أمريتسار، في 14 أغسطس 2025، بمناسبة عيد استقلال باكستان وعشية عيد استقلال الهند

ويحذر خبراء من أن الأزمة المقبلة قد لا تشبه سابقتها: الشرارة قد تكون هجوماً مسلحاً، أو تحركاً عسكرياً يُساء تفسيره، أو هجوماً سيبرانياً. وتيرة التصعيد قد تكون أسرع، والنتائج أشد فتكاً.

ويقول مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأميركية: "وقوع أزمة أخرى مسألة وقت. والسؤال هو ما إذا كانت الآليات التي منعت الكارثة سابقاً لا تزال قائمة".

في المحصلة، تبقى منطقة جنوب آسيا اليوم معلقة في حالة من الهدوء القلق؛ سلام شكلي يخفي توتراً عميقاً. الخطاب أشد حدة، وهامش الخطأ أضيق، وعواقب سوء التقدير أخطر من أي وقت مضى.

وفي هذا المناخ، لا يبدو السجال الأخير بين الجنرال دويفيدي والجيش الباكستاني مجرد تبادل كلامي، بل إشارة إلى أن التنافس بين الهند وباكستان يدخل مرحلة جديدة وأكثر خطورة- مرحلة قد لا تصمد فيها أنماط الردع التقليدية، ويصبح فيها الخط الفاصل بين الاستقرار والكارثة أكثر هشاشة.

قد يكون العالم منشغلاً بأزمات أخرى، لكن من يراقبون المشهد عن كثب يرون العلامات بوضوح: الصدع النووي في جنوب آسيا يتحرك مجدداً، وهذه المرة قد يكون احتواء ارتداداته أصعب.

font change