عن حرب 1967 والحروب المؤسّسة لإسرائيل

ما زالت متواصلة ولم تنته بعد بآثارها وتداعياتها

غيتي
غيتي
الملك حسين، أقصى اليمين، إلى جانب جمال عبد الناصر، وياسر عرفات، ومعمر القذافي في عام 1970

عن حرب 1967 والحروب المؤسّسة لإسرائيل

مثّلت حرب (يونيو/حزيران 1967) هزّة قوية للواقع العربي، وكسرا ليقينياته ورؤيته لذاته، إذ قامت دولة صغيرة ومصطنعة، وفقا لأدبيات تلك الفترة، بتوجيه ضربة قوّضت جيوش عدة دول عربية في وقت واحد، واستطاعت فيها، في غضون ستة أيام، احتلال أراض من مصر وسوريا والأردن (الضفة الغربية وضمنها القدس).

ولعل ما فاقم من هول تلك الهزة أن الهزيمة، هذه المرة، لم تكن من نصيب أنظمة رجعية أو بالية، على ما جرى التصنيف بشأن حرب 1948، والنكبة التي نجمت عنها، إذ كانت من نصيب نظامين كانا يدعيان تمثيل حركة التحرر الوطني والقومية العربية (مصر وسوريا)، مع شعارات التحرير والوحدة والتقدم والاشتراكية.

عموما، كانت تلك الحرب بمثابة انعطافة حادة بين زمنين سياسيين، لدى كل من العرب وإسرائيل، وفي مجال الصراع بينهما، إذ كشفت أو عرّت، العطب في النظام الرسمي العربي، على تباين توجهاته وخطاباته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأكدت أن هذا النظام، على اختلاف شعاراته ومقولاته وادعاءاته، من نسيج واحد، لجهة تهميش الشعب وإعلاء شأن السلطة، على حساب الدولة ومؤسساتها، وتغليب الدولة الأمنية على دولة المواطنين، بدعوى متطلبات أو ضرورات الصراع العربي-الإسرائيلي؛ ما كشف حال التجبّر إزاء الداخل، والعجز والانكشاف إزاء الخارج.

في حينه تحدث كثير من المفكرين عن أسباب النكبة ومعناها، كما فعل، على سبيل المثال، قسطنطين زريق (معنى النكبة مجددا)، وصادق جلال العظم (النقد الذاتي بعد الهزيمة)، وياسين الحافظ (الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة).

وكما هو حاصل الآن، فقد حاول النظام العربي السائد آنذاك (على تبايناته)، التغطية على تلك الهزيمة، أو النكبة الثانية، باعتبارها مجرد نكسة، بادعاء أن تلك الحرب لم تحقق أهدافها(!) على أساس أنها كانت تتوخّى، فقط، إسقاط الأنظمة العربية التحررية والتقدمية؛ الأمر الذي لم يحدث.

عربيا، نجمت عن تلك الحرب نتائج متناقضة، فقد نقلت النظام العربي من هدف تحرير فلسطين، إلى هدف انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة في تلك الحرب، ومن حال الصراع ضد وجود إسرائيل إلى الصراع على شكل وجودها، مع الاعتراف بشرعيتها في حدود 1948، أي حدود ما قبل الحرب الحزيرانية.

وعلى الصعيد الفلسطيني، بينما وحدت نتائج الحرب الفلسطينيين بين النهر والبحر، لأول مرة منذ النكبة، فقد وضعت الفلسطينيين في مناطق 48 و67 تحت هيمنة إسرائيل، إضافة إلى ذلك فقد نجم عن تلك الحرب صعود الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج، بشكل الكفاح المسلح، الذي بات يحظى بشرعية واحتضان عربيين، كونه يلبي حاجة الأنظمة المعنية حينها، للتغطية على الهزيمة، وإضفاء شرعية على سلطتها، في لحظة تاريخية تتطلب سد الفراغ الرسمي العربي، في مجال الصراع ضد إسرائيل.

ثبّتت تلك الحرب دولة إسرائيل بمكانة دولة إقليمية قوية ورادعة وحليفة للغرب، في نظر مواطنيها اليهود، وبالنسبة ليهود العالم

من الجهة الإسرائيلية، أدت الحرب إلى توحيد فلسطين، أو ما يسمى "أرض إسرائيل الكاملة"، بحسب المصطلحات الإسرائيلية، بحيث بات ثمة تطابق في الوعي الإسرائيلي، بين دولة إسرائيل و"أرض إسرائيل"، وفق المفهوم التوراتي "أرض الميعاد"، والمقصود هنا مناطق الضفة الغربية، وضمنها القدس الموحدة، ما نتج عنه تطور سياسي إسرائيلي كبير، لجهة اقتراب الصهيونية الدينية من الصهيونية القومية والصهيونية العلمانية، وهو التقارب الذي أفضى لاحقا إلى صعود التيار القومي والديني إلى السلطة في إسرائيل عام (1977). أيضا، ثبّتت تلك الحرب دولة إسرائيل بمكانة دولة إقليمية قوية ورادعة وحليفة للغرب، في نظر مواطنيها اليهود، وبالنسبة ليهود العالم.

غيتي
مجموعة من الجنود الإسرائيليين المسلحين يسيرون في شوارع نابلس، الضفة الغربية المحتلة

إضافة إلى كل ما تقدم، فمن البديهي أن نتائج هذه الحرب حسّنت من وضع إسرائيل الاقتصادي، بحيازة أراض جديدة ذات مناطق زراعية، وبتمكين إسرائيل من السيطرة على المصادر المائية (في الضفة والجولان)، واستخدام اليد العاملة الرخيصة من الضفة والقطاع، وتحويل هذه المناطق إلى سوق استهلاكية للبضائع الإسرائيلية.

الآن، ستسجّل حرب 2023 باعتبارها الحرب الثالثة المؤسّسة لإسرائيل، على مختلف الأصعدة، داخليا وخارجيا، إلى جانب حرب 1948 التي أسست إسرائيل في 73 في المئة من أرض فلسطين التاريخية، والتي نجم عنها تشريد ثلثي الشعب الفلسطيني من أرضه، وحرب 1967، التي أسست لإسرائيل الموسعة، باحتلالها الضفة الغربية، التي كانت قد ضُمت للمملكة الأردنية الهاشمية، وقطاع غزة، الذي كان يخضع للإدارة المصرية، إلى جانب احتلالها أراضي عربية أخرى، هي هضبة الجولان السورية، وشبه جزيرة سيناء المصرية (التي تمت استعادتها وفق معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية سنة 1979).

ثمة كثير من الأسباب التي تفيد بتميز هذه الحرب عن حروب إسرائيل الأخرى، فقد عززت مكانة التيار القومي والديني المتطرف في إسرائيل، إزاء التيارات الأخرى، الليبرالية والعلمانية واليسارية والمعتدلة، التي ترمي إلى تغليب طابع إسرائيل كدولة يهودية ودينية على طابعها كدولة علمانية وديمقراطية لليهود.

أدت تلك الحرب إلى إحداث صدع كبير في خيار الدولة الفلسطينية المستقلة، إذ بات قطاع غزة منطقة غير صالحة للعيش، مع تكريس فصله عن الضفة الغربية، في حين يجري خلق واقع يفيد تأبيد الاحتلال والاستيطان والتبعية لإسرائيل في الضفة الغربية

أيضا فقد أظهرت تلك الحرب قدرة إسرائيل على شن حروب متعددة، وتحملها خسائر بشرية واقتصادية، أكثر من أي فترة في تاريخها، كما أثبتت إمكانية خوضها حربا طويلة الأمد (بات لها الآن 20 شهرا).

من جهة الفلسطينيين فقد أدت تلك الحرب إلى إحداث صدع كبير في خيار الدولة الفلسطينية المستقلة، إذ بات قطاع غزة منطقة غير صالحة للعيش، مع تكريس فصله عن الضفة الغربية، في حين يجري خلق واقع يفيد تأبيد الاحتلال والاستيطان والتبعية لإسرائيل في الضفة، من النواحي الإدارية والاقتصادية والأمنية، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى مجرد جسم إداري أو شكلي.

أ ف ب
تُظهر هذه الصورة الأرشيفية، الملتقطة في 5 يونيو 1967، طائرات مقاتلة من طراز داسو ميراج 3 تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي تحلق فوق شبه جزيرة سيناء على الحدود الإسرائيلية المصرية في اليوم الأول من حرب الأيام الستة

على الصعيد الخارجي، استطاعت إسرائيل أن تفرض ذاتها كقوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، ولا سيما إزاء لبنان وسوريا، وإزاء القوى الإقليمية الأخرى، وبالأخص إزاء إيران. ومن ناحية أخرى، فقد أدت تلك الحرب إلى تعميق علاقات الاعتمادية التي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة الأميركية، أكثر من أي وقت مضى.

أكدت الحرب واقع إسرائيل كقلعة غريبة في الشرق الأوسط، لا تبالي بالتسوية ولا بالتطبيع، لا مع الفلسطينيين ولا مع الدول العربية، بقدر اهتمامها بتعزيز قوتها

وباختصار فإن هذه الحرب غيرت صورة إسرائيل داخليا وخارجيا، فهي أولا، رسّخت حقيقتها، إزاء اليهود الإسرائيليين، باعتبارها دولة يهودية ودينية، على حساب كونها دولة علمانية وديمقراطية (لمواطنيها اليهود). وثانيا، هي أكدت واقعها كقلعة غريبة في الشرق الأوسط، لا تبالي بالتسوية ولا بالتطبيع، لا مع الفلسطينيين ولا مع الدول العربية، بقدر اهتمامها بتعزيز قوتها. ثالثا، في مقابل اعتماديتها على أميركا بدت إسرائيل متبرمة من الدول الغربية، ولا مبالية بصورتها بالغرب، في تنكر لتاريخها الطويل، المتعلق بترويجها لذاتها كدولة ضحية، وكدولة ديمقراطية، وامتداد لهذا الغرب في الشرق الأوسط، بانكشاف سياساتها كدولة استعمارية وعنصرية ودينية، وكدولة إبادة جماعية، وكدولة باطشة، مستعدة لشن حروب على عدة دول في آن واحد.

المعنى من ذلك أن كل الحروب التي خاضتها إسرائيل، بعد حرب 1967، جاءت لتؤكد على نتائج تلك الحرب بالذات، ما يعني أن الحرب الحزيرانية ما زالت متواصلة، ولم تنته بعد، بآثارها وتداعياتها

مع ذلك ثمة تقاطعات بين حرب 67 والحرب الراهنة، التي ما زالت مستمرة منذ 20 شهرا، لعل أهمها أن إسرائيل فرضت ذاتها كقوة إقليمية عظمى، في هاتين الحربين، وأنها بينت اعتماديتها المطلقة على الولايات المتحدة الأميركية، وأنها لا تبالي سوى بأمنها المطلق، أي الذي يتأسس على سحق الأطراف المعادية لها.

الفكرة الأساسية أيضا، أن التطرف والحروب هي التي رسمت تاريخ إسرائيل وحددت طبيعتها، إذ في تاريخها، أي خلال قرابة ثمانية عقود شنت 14 حربا، عدا عن المعارك المتفرقة، خمس منها ضد دول عربية (1948، 1956، 1967، 1969/الاستنزاف، 1973)، و8 منها ضد قوى لا دولتية، أو مقاومة، ضمنها ثلاثة في لبنان (1978، 1982، 2006)، وخمسة ضد قطاع غزة (2008، 2012، 2014، 2021، 2023)، بالإضافة إلى مواجهة انتفاضتين فلسطينيتين كبيرتين (1987-1993) و(2000-2004)، وواحدة، هي الأخيرة، متعددة الأطراف، التي استهدفت الفلسطينيين في غزة، كما استهدفت لبنان وسوريا، وصولا لإيران؛ وهي حرب لم تنته بعد، ولا أحد يعرف إلى أين ستصل، أو كيف ستصبح إسرائيل بعدها.

المعنى من ذلك أن كل الحروب التي خاضتها إسرائيل، بعد حرب 1967، جاءت لتؤكد على نتائج تلك الحرب بالذات، ما يعني أن الحرب الحزيرانية ما زالت متواصلة، ولم تنته بعد، بآثارها وتداعياتها.

font change

مقالات ذات صلة