نايجل فاراج... صانع "بريكست" الذي يحاول تغيير المملكة المتحدة

المتمرد الشهير

المجلة
المجلة

نايجل فاراج... صانع "بريكست" الذي يحاول تغيير المملكة المتحدة

سجله السياسي ضعيف إلى حد لافت: ثماني محاولات لدخول البرلمان البريطاني، لم تنجح منها إلا واحدة، وهي الأخيرة. ففي أول محاولة له للترشح لعضوية البرلمان عام 1994، لم يحصل إلا على أقل من 2 في المئة من الأصوات. وفي عام 2010، انتهت حملة انتخابية فاشلة أخرى على نحو كاد أن يكون مأساوياً، بعدما نجا بأعجوبة من حادث تحطم طائرة في يوم الاقتراع. وقد وصف مرارا بأنه شخصية هامشية أو انتهى دورها السياسي، بل إنه أعلن بنفسه، في أكثر من مناسبة، اعتزاله العمل السياسي.

لكن إخفاقاته الانتخابية الشخصية المتكررة، لم تمنعه من ترك أثر عميق في السياسة البريطانية طوال الأعوام الخمسة عشر الماضية. فقد ظلت حملاته الشعبوية، تفرض نفسها على المشهد العام، رغم أنه لم يتول يوما أي منصب حكومي. ذلك الرجل هو نايجل فاراج، أما حزبه، "إصلاح المملكة المتحدة"، فهو اليوم المرشح الأوفر حظا لدى استطلاعات رأي حديثة، لتشكيل الحكومة بعد الانتخابات العامة المقبلة.

لو كنا أمام نسخة أميركية أسطورية من سيرة فاراج، لجرى تقديمها كحكاية كفاح رجل، يشق طريقه المحتمل نحو القمة السياسية. غير أن النسخة البريطانية الحقيقية مختلفة تماما: فقد ولد فاراج عام 1964 في بيئة ميسورة، داخل مقاطعة كِنت، إحدى مقاطعات إنجلترا الواقعة خارج لندن.

التحق فاراج، ابن سمسار أسهم، بـ"كلية دولويتش"، وهي مدرسة خاصة نخبوية، حيث درس فيها بين عامي 1975 و1982. وهناك، لم يكن تفوقه الأكاديمي هو ما لفت الأنظار، بل آراؤه السياسية وسلوكه الشخصي. ففي عام 2025، نقلت صحيفة "الغارديان" عن عدد من زملائه السابقين في المدرسة زعمهم أن فاراج، حين كان مراهقا، أطلق تعليقات عنصرية ومعادية للسامية بحق طلاب آخرين، وهي اتهامات قام بنفيها مؤخرا. كما وصفه أحد معلمي الكلية عام 1981 بأنه يحمل "آراء عنصرية وفاشية جديدة" وبغض النظر عن مدى صحة هذه المزاعم، فقد دأب فاراج على تحدي الأفكار السائدة منذ صغره.

برز نجم اليمين البريطاني المستقبلي في ثمانينات القرن العشرين، وهي حقبة هيمنت فيها مارغريت تاتشر على السياسة البريطانية، واشتدت خلالها التوترات الطبقية، واتسعت موجات الاحتجاج في مملكة منقسمة على نفسها. وكما يليق بعصر التاتشرية، اتجه فاراج إلى مدينة لندن، حيث عمل في تجارة السلع. أما أيديولوجياً، فكان "حزب المحافظين"، حزب تاتشر، معقله السياسي الأول، وقد انتمى إليه بين عامي 1978 و1992. وخلال الثمانينات، ازداد تشكك "المرأة الحديدية" في الاتحاد الأوروبي، بعدما رأت فيه تقويضا للسيادة الوطنية. وبعد خروج تاتشر من السلطة عام 1990، تخلى فاراج عن "حزب المحافظين"، رافضا السياسات المؤيدة لأوروبا التي تبناها خليفتها جون ميجور.

في ظل غياب منبر سياسي يحتضن معارضته استمرار عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، ساهم فاراج في إنشاء ملاذ جديد لهذا التيار. كان ذلك الكيان هو "حزب استقلال المملكة المتحدة"، المعروف اختصارا باسم (يوكيب)

وفي ظل غياب منبر سياسي يحتضن معارضته استمرار عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، ساهم فاراج في إنشاء ملاذ جديد لهذا التيار. كان ذلك الكيان هو "حزب استقلال المملكة المتحدة"، المعروف اختصارا باسم (يوكيب)، والذي انبثق من الرابطة المناهضة للفيدرالية ذات التوجه المناهض للاتحاد الأوروبي. لم يحضر فاراج الاجتماع التأسيسي للحزب، لكنه انضم، وهو في التاسعة والعشرين، إلى لجنته التنفيذية الوطنية. وفي الانتخابات العامة البريطانية عام 1997، لم يحصد الحزب سوى أقل من واحد في المئة من الأصوات، بينما حصل فاراج على خمسة في المئة في محاولة فاشلة لدخول البرلمان.

وعقب انتخابات عام 1997، أجبرت مجموعة يتصدرها فاراج زعيم الحزب على الاستقالة، ودفعت بأحد أفرادها إلى موقع القيادة. وكانت تلك الواقعة مؤشرا مبكرا إلى نمط سيلازم مسيرته السياسية، عنوانه الصدام المتكرر مع الآخرين. وبعد عامين، حقق "يوكيب" وفاراج أول اختراق انتخابي لهما، لا في وستمنستر، بل في البرلمان الأوروبي، المؤسسة التي طالما نظر إليها بازدراء. ففي انتخابات عام 1999 الأوروبية، فاز فاراج بمقعد عن جنوب شرق إنجلترا عبر نظام التمثيل النسبي، بعدما حصل على 9.7 في المئة من الأصوات، وسط مشاركة متدنية لم تتجاوز 24 في المئة على مستوى المملكة المتحدة. ومن هناك، واصل حجز مقعده في البرلمان الأوروبي خلال الانتخابات الأربعة التالية في ستراسبورغ.

أ.ف.ب
رئيس حزب الإصلاح البريطاني اليميني الشعبوي والزعيم المعين حديثا نايجل فاراج يتحدث خلال حملة انتخابية، في 3 يونيو 2024، قبل الانتخابات العامة في المملكة المتحدة في 4 يوليو

وحقق زعيم "يوكيب" آنذاك، مايكل هولمز، نجاحا مماثلا في انتخابات عام 1999. لكن فاراج، الذي كان يتولى رئاسة الحزب، سرعان ما اصطدم به، وانتهى الصراع بتصويت داخلي بحجب الثقة، دفع هولمز إلى الاستقالة. غير أن فاراج لم يتول زعامة "يوكيب" عبر تصويت الأعضاء إلا في عام 2006. وفي العام نفسه، وصف ديفيد كاميرون، الزعيم الجديد لـ"حزب المحافظين" (يوكيب) بأنه حزب يضم "مهووسين ومجانين وعنصريين يخفون عنصريتهم".

لكن "يوكيب" وزعيمه لم يتلاشيا في هوامش السياسة البريطانية، كما توقع كثيرون. فقد أظهر الحزب قدرة لافتة على البقاء، فيما أتقن فاراج بكاريزمته الشعبوية استثمار الشاشة الصغيرة، وجذب اهتماما إعلاميا متزايدا. وبلغ هذا الصعود ذروته في انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2014، حين تصدر "يوكيب" النتائج في المملكة المتحدة بعدما حصد 27 في المئة من الأصوات، وفاز بانتخاب 24 عضوا. ولم يسبق في تاريخ الانتخابات البريطانية أن تمكن حزب ناشئ من الفوز بتصويت وطني على هذا النحو.

"يوكيب" وزعيمه لم يتلاشيا في هوامش السياسة البريطانية، كما توقع كثيرون. فقد أظهر الحزب قدرة لافتة على البقاء، فيما أتقن فاراج بكاريزمته الشعبوية استثمار الشاشة الصغيرة وجذب اهتماما إعلاميا متزايدا

وتصاعد الزخم وصولا إلى استفتاء عام 2016 على عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي. كان ديفيد كاميرون قد دعا إلى هذا الاستفتاء أملا في تهدئة الصراعات المحتدمة داخل "حزب المحافظين"، فإذا بفاراج يجد نفسه في أكثر الساحات ملاءمة له. ورغم مشاركته النشطة في حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، لم يكن فاراج جزءا من الفريق الرسمي الذي قاد الخروج. وخلال الاستفتاء، ركز خطابه على ما اعتبره تهديدا يواجه المملكة المتحدة بسبب الهجرة غير المنضبطة، وهو الملف نفسه الذي سيعود إليه بعد نحو عقد من الزمن.

غيتي
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يستمع إلى نايجل فاراج، خلال تجمع انتخابي في ملعب ميسيسيبي كوليسيوم في 24 أغسطس 2016 في جاكسون، ميسيسيبي

وبعد انتصار معسكر "بريكست" في الاستفتاء، أعلن فاراج تنحيه عن قيادة حزب "يوكيب"، قائلا: "خلال الاستفتاء قلت إنني أريد استعادة بلدي… والآن أريد استعادة حياتي"، غير أن هذا التعهد لم يعمر طويلا. فقد تجاوز فاراج حزب "يوكيب" بالفعل، وحين عاد إلى المعترك السياسي، فعل ذلك عبر كيان جديد بالكامل هو حزب "البريكست"، الذي تمتع بسيطرة أكبر عليه، فتولى زعامته في مارس/آذار 2019. وبعد شهرين فقط، حصد حزبه الجديد أكبر عدد من الأصوات والمقاعد البريطانية في انتخابات البرلمان الأوروبي التي أجريت في مايو/أيار من العام نفسه.

غير أن ترجمة زخم حزب "بريكست" إلى مقاعد داخل البرلمان البريطاني في الانتخابات العامة التي جرت في ديسمبر/كانون الأول 2019 كانت مهمة أشد صعوبة. فحرصا على ضمان تنفيذ نتيجة الاستفتاء وخروج المملكة المتحدة بالكامل من الاتحاد الأوروبي، دفع الحزب بمرشحين في عدد محدود من الدوائر، من دون أن يترشح فاراج نفسه، تجنبا لتشتيت الأصوات مع "حزب المحافظين" بقيادة بوريس جونسون. وحصل الحزب على 2 في المئة من الأصوات، لكنه أخفق في الفوز بأي مقعد برلماني. ومع إبرام اتفاق خروج المملكة المتحدة الكامل من الاتحاد الأوروبي عام 2020، بدا أن المبرر الأساسي لاستمرار انخراط فاراج السياسي قد بلغ نهايته.

العائق الوحيد الذي يبطئ اندفاع نايجل فاراج نحو منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة هو نايجل فاراج نفسه وسلوكه

وخلال السنوات القليلة التالية، بدا فاراج كأنه يقف على عتبة السياسة، يبتعد عنها ثم يعود إلى تخومها. فقد قدم برنامجا على قناة إخبارية، وشارك في برنامج تلفزيون واقع شهير، وهي أنشطة أبقته حاضرا في المجال العام وعززت صورته لدى الجمهور. ثم، قبل شهر واحد فقط من الانتخابات العامة في يوليو/تموز 2024، عاد إلى الواجهة السياسية زعيما لـ"حزب إصلاح المملكة المتحدة"، الذي حل محل "حزب بريكست" عام 2021. وفي تلك الانتخابات، نجح أخيرا في دخول مجلس العموم، إلى جانب ثلاثة أعضاء آخرين من حزبه. ومنذ ذلك الحين، لم يتراجع اندفاع فاراج السياسي، بل اكتسب زخما إضافيا، مع انتقال عدد من المحافظين، بينهم أربعة نواب حاليين، إلى "حزب إصلاح المملكة المتحدة"، وصعود الحزب إلى المركز الأول في استطلاعات الرأي العام.

رويترز
زعيم حزب الإصلاح نايجل فاراج خارج مركز انتخابي بعد ادلائه بصوته في الانتخابات المحلية في 7 مايو

يبدو أحيانا أن العائق الوحيد الذي يبطئ اندفاع نايجل فاراج نحو منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة هو نايجل فاراج نفسه وسلوكه. فقد أثارت أعماله السابقة لصالح قناة "روسيا اليوم" الممولة من الكرملين، وإشادته بفلاديمير بوتين، ثم إدانة ناثان غيل، زعيم حزب "إصلاح المملكة المتحدة" في ويلز، بتلقي رشاوي روسية، جدلا واسعا حول صلات فاراج ودوائر ارتباطه. وتزايدت المخاوف بشأن أوضاعه المالية بعدما كشفت صحيفة "الغارديان" أخيرا أن مليارديرا بريطانيا في مجال العملات المشفرة، يقيم في تايلاند ويعدُّ من كبار داعمي حزب "إصلاح المملكة المتحدة" قدم إلى فاراج هدية شخصية بقيمة خمسة ملايين جنيه إسترليني في مطلع عام 2024. وقد قدم فاراج وحزبه تفسيرات متباينة لغرض هذه الهدية، فيما تخضع المسألة حاليا لتحقيق يجريه مفوض المعايير البرلمانية.

على مر السنين، بدا الجدل رفيقا دائما لفاراج لا يكاد يفارقه. ومع ذلك، من المرجح أن يبقى في قلب المشهد السياسي البريطاني خلال الأشهر المقبلة، بعدما أصبح "حزب إصلاح المملكة المتحدة" العقبة الأكبر أمام فوز النجم السياسي الصاعد لـ"حزب العمال" الحاكم آندي بيرنهام في انتخابات فرعية مرتقبة، ثم انتقاله إلى منافسة كير ستارمر على زعامة "حزب العمال". إنه بالضبط دور البطولة الذي يستهوي هذا المتمرد السياسي.

font change