"أنثروبيك" تدعو إلى إبطاء الذكاء الاصطناعي بشرط التزام الجميع

سباق نحو الهاوية

AFP
AFP
يتحدث سريدهار راماسوامي، الرئيس التنفيذي لشركة "سنوفليك"-إلى اليمين-، مع دانييلا أمودي، رئيسة شركة "أنثروبيك"، خلال مؤتمر "سنوفليك ساميت 26" في مركز "موسكون" في الأول من يونيو 2026

"أنثروبيك" تدعو إلى إبطاء الذكاء الاصطناعي بشرط التزام الجميع

ما الذي حدث؟ أكبر شركة للذكاء الاصطناعي تعمل على تطوير أخطر تقنية في تاريخ البشرية وتعترف بذلك صراحة وتعلن الخميس، "نحن نسير بسرعة كبيرة ويجب ان نتوقف"، ثم تقول إنها لا تستطيع التوقف إلا بشرط.

ليس لأنها لا تريد، بل لأن التوقف المنفرد يعني ان منافسيها لن يتوقفوا. هذا بالضبط ما أعلنته شركة "أنثروبيك"، الشركة الأميركية التي طورت نموذج الذكاء الاصطناعي "كلود"، في وثيقة رسمية موجة واسعة من النقاش في أوساط التكنولوجيا والسياسة حول العالم.

الاعتراف الذي صدم الجميع

لم تكن وثيقة "أنثروبيك"، دعائية اعتيادية. كانت اعترافا نادرا بتناقض جوهري يعيشه قطاع الذكاء الاصطناعي بأسره. فالشركة التي أسسها باحثون انشقوا عن "أوبن ايه اي" احتجاجا على وتيرة التطوير المتسارعة، قالت بوضوح لا لبس فيه "لو كان بالإمكان إبطاء تطوير هذه التقنية بفعالية لمنحنا وقتا أطول للتعامل مع تداعياتها الهائلة، فإن ذلك على الأرجح سيكون أمرا جيدا".

لكن هذا الاعتراف جاء مقيدا بشرط صارم: مستعدون والإبطاء مفيد فقط إذا طال الجميع وتوقفوا معنا في آن واحد. وإلا، فإن من يتوقف يتنازل عن القيادة لمن لا يبالي بالمخاطر.

الجواب يكمن في طبيعة السباق التنافسي. لو أعلنت "أنثروبيك" تجميد أبحاثها اليوم، فإن المنافسين العمالقة، "أوبن أيه آي" ووحدة الذكاء الاصطناعي التابعة لـ"غوغل"، "ديب مايند" وشركات صينية كبرى، ستملأ الفراغ فورا. والنتيجة، لم يتوقف تطوير الذكاء الاصطناعي، بل انتقلت قيادته إلى أيد أقل تحفظا عن قضايا السلامة.

لا يمكن إرسال مفتشين دوليين للتحقق من أن دولة او شركة ما أوقفت تدريب نماذجها الذكية، كما تفعل الدول مع المفاعلات النووية

توضح الوثيقة هذا المنطق بجلاء حين تشير إلى أن التوقف المنفرد "يغير من يتصدر السباق، لكنه لا يخلق العملية التداولية الأشمل الغائبة حاليا".

في عبارة أخرى، المشكلة ليست هذه الشركة أو تلك، بل غياب أي نظام دولي يضمن أن الجميع سيلتزم التوقف معا.

درس نووي لم يستوعب

تستحضر "أنثروبيك" في وثيقتها مثلا تاريخيا بالغ الدلالة: معاهدات الحد من الأسلحة النووية في القرن الماضي. نجحت تلك المعاهدات في كبح التسلح النووي، لكنها استغرقت عقودا لبناء البنية التحتية اللازمة والثقة المتبادلة.

المشكلة أن العالم لا يملك هذا الترف الزمني مع الذكاء الاصطناعي. فكما تشير الوثيقة، فـ"عمليات التدريب أسهل إخفاء بكثير من صوامع الصواريخ، ومدخلاتها ذات أغراض عامة، والحافز للتحرك سرا هائل — لأن من يواصل بينما يتوقف الآخرون يرث التقدم".

هذا يعني أنه لا يمكن إرسال مفتشين دوليين للتحقق من أن دولة او شركة ما أوقفت تدريب نماذجها الذكية، كما تفعل الدول مع المفاعلات النووية. خوادم الحوسبة يمكن إخفاؤها أو تشتيتها عبر قارات ليست مثل المفاعلات النووية.

 تلمح الوثيقة إلى هذا الخطر دون أن تسمي أسماء صريحة بالمنافسين. لكن المشهد التقني العالمي ملامحه واضحة، فعلى مستوى الشركات تبنت "ميتا"، الشركة المالكة لـ"فيسبوك" و"إنستغرام" و"واتساب"، نموذج المصدر المفتوح، إذ تنشر نماذجها مجانا للجميع، وهو قرار له مزاياه من حيث خدمة الجميع، لكنه يعني أيضا أن أي جهة في العالم، بما فيها الجهات الخبيثة، الحكومية والخاصة، يمكنها أخذ هذه النماذج وتعديلها لأغراض ضارة دون أي رقابة.

تطالب منظمات حقوق الإنسان بحظر دولي لم يتحقق حتى اليوم. وهناك أيضا حروب معلومات لا ترى، بعدما باتت نماذج توليد النصوص والصور والفيديو قادرة على إنتاج محتوى زائف لا يمكن تمييزه

أما شركة الذكاء الاصطناعي التابعة لإيلون ماسك، "إكس إيه آي"، فقد انطلقت بتوجه صريح نحو "القيود الأقل"، أكثر فلتانا في مقابل ما يصفه ماسك بـ"الرقابة المفرطة" لدى المنافسين، وهو في الواقع يحاول كسب الجمهور الغاضب من القيود عند منافسيه.

على مستوى الدول، تسعى الصين باستراتيجيا معلنة لتحقيق التفوق في الذكاء الاصطناعي في حلول 2030، وهو هدف منصوص عليه في وثائق حكومية رسمية. والنظام السياسي يتيح التحرك بسرعة دون قيود تداولية. روسيا بدورها لا تخفي طموحاتها. فقد أعلن بوتين صراحة أن "من يقود الذكاء الاصطناعي يقود العالم".

ليست سيناريوهات خيالية

لكي يتضح حجم الرهان، ثمة أمثلة واقعية على ما يحدث حين تسبق القدرة التقنية الضوابط الأخلاقية والقانونية. فهناك أسلحة تقتل بلا إذن بشري، إذ تدمج نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة فعليا في أنظمة أسلحة تتخذ قرار الاستهداف باستقلالية تامة، وتعمل دول عدة على هذا بالفعل، بينما تطالب منظمات حقوق الإنسان بحظر دولي لم يتحقق حتى اليوم.

هناك أيضا حروب معلومات لا ترى، بعدما باتت نماذج توليد النصوص والصور والفيديو قادرة على إنتاج محتوى زائف لا يمكن تمييزه. وفي انتخابات عديدة حول العالم رصد باحثون حملات تضليل ممنهجة مدعومة بأدوات ذكاء اصطناعي، بعضها مرتبط بجهات حكومية.

أما الخطر البيولوجي الصامت، فهو السيناريو الأشد إثارة للقلق في أوساط الباحثين. ففي عام 2023، أجرى باحثون من "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" تجربة أثبتوا فيها أن نماذج ذكاء اصطناعي غير مقيدة يمكنها تقديم معلومات تقرب مستخدمها من تركيب عوامل بيولوجية خطرة. 

ما تقوله "أنثروبيك" في جوهره ليس دعوة للاستسلام أمام وتيرة التطور، بل صرخة تحذير، فالذكاء الاصطناعي أصبح أكبر من أن تحكمه شركة واحدة أو دولة واحدة

لا تكتفي شركة "أنثروبيك" المطورة لمساعد الذكاء الاصطناعي "كلود" بالصراخ عبر السوشيال ميديا، بل تعلن وثيقتها التزاما عمليا مفاده أن الشركة ستستثمر في بناء الأنظمة التقنية والسياسية التي تجعل التحقق من الإيقاف الجماعي ممكنا، أي إيجاد آليات تثبت أن كل الأطراف توقفت فعلا، وأن لا أحد يتحرك سرا.

هذا المنطق يذكرنا بمبدأ "الثقة مع التحقيق" الذي حمى العالم من حرب نووية. لكن السؤال الذي يبقى معلقا، هل لدينا الوقت الكافي لبناء هذه الآلية قبل أن يفلت الزمام؟

ما تقوله "أنثروبيك" في جوهره ليس دعوة الى الاستسلام أمام وتيرة التطور، بل صرخة تحذير، فالذكاء الاصطناعي أصبح أكبر من أن تحكمه شركة واحدة أو دولة واحدة. إما أن يحكمه الجميع معا أو لا يحكمه أحد.

font change

مقالات ذات صلة