ما لم يروه "أسد" عن العبودية ومساراتها في مصر القرن التاسع عشر

محمد علي سعى إلى حظرها وسط مصالح اقتصادية وسياسية متشابكة

IMDb
IMDb
ملصق فيلم "أسد (2026)

ما لم يروه "أسد" عن العبودية ومساراتها في مصر القرن التاسع عشر

بدأت دور السينما في مصر والعالم العربي في منتصف مايو/ أيار الماضي عرض فيلم "أسد" (تأليف وإخراج محمد دياب)، وسط توقعات عالية من الجمهور المصري، لا سيما أن هذا العمل امتدت صناعته لست سنوات كاملة من البحث والتحضير، ليقدم حكاية مختلفة تماما عن السائد والدارج في السينما المحلية عند تناول الحقبة العلوية وفترة حكم الخديوية. مع عرض الفيلم تباينت ردود الأفعال بين الإشادة والاستنكار، لكن أهم ما اتفق عليه الجميع هو غرابة القصة. ففي العادة تتناول الأعمال الفنية فترة حكم الأسرة العلوية إما بتصوير مصر الحديثة وبانيها محمد علي باشا ومجددها الخديوي إسماعيل، أو بتصوير الإقطاع وظلم الفلاحين، وإجبار المصريين على حفر قناة السويس بالسخرة، لكن لم يحدث أن التفت أحد إلى قضية العبيد التي كانت واقعا معيشا في تلك الحقبة.

فمن واقع الدراسات والوثائق، تبدو قصة فيلم "أسد" واقعية تاريخيا، وبغض النظر عن مقدار الخيال في الفيلم وجودة السيناريو وحبكته من عدمها (وهو أمر متروك للنقاد الفنيين)، وبغض النظر أيضا عن بعض المشاهد التي تحمل روحا غربية لا تشبه قاهرة ذلك الوقت، فإن الفيلم أشار إلى جانب تاريخي لم ينل القدر الكافي من الاهتمام، وهو واقع لم يكن محصورا بمصر على أية حال.

من أين تبدأ الحكاية؟

وجود الرقيق في مصر قديم، لكن العبودية اتخذت شكلا آخر بعد الفتح الإسلامي لمصر، وبخاصة مع قيام دولة المماليك التي كان سلاطينها من الرقيق الأبيض من الترك والشركس والفرس والمغول وغيرها من الأعراق، وكانت العبودية تعتبر مدعاة للمباهاة والفخر بين المماليك، لأن علاقة الجندي المملوك بالأمير أو السلطان الذي يملكه كانت علاقة التلميذ بالمعلم، لا العبد بالسيد. لكن كان هناك نوع آخر من الرقيق وهو رقيق الخدمة، وكانوا في الغالب من الأفارقة السود، وقد بقوا على حالهم، كخدم، دون أن يكون لهم الحكم، اللهم إلا في حالة كافور الأخشيد الذي مدحه المتنبي ثم انقلب عليه بعدها.

في العودة الى مصر الحديثة، تشير الوثائق التاريخية إلى أنه مع تصاعد الحملات العالمية لإنهاء تجارة الرقيق، التي كانت تقودها بريطانيا لدوافع وأسباب سياسية، قرر محمد علي باشا أن ينتهج الخط الديبلوماسي نفسه لتفادي الضغوط الدولية. وفي هذا السياق، وجه باشا مصر رسالة رسمية إلى حكمدار السودان خورشيد باشا، تؤرخ في الأول من ديسمبر/كانون الأول 1837، يأمره فيها بشكل صريح بإبطال تجارة الرقيق، وجاء في متن رسالته قوله: "يجب عليك أن تعلم أني لا أريد ربحا من تجارة لا تشرفني".

شهدت مصر في القرن التاسع عشر شبكة معقدة وممتدة من علاقات الاسترقاق التي تداخلت فيها البنى الاجتماعية التقليدية مع طموحات بناء الدولة الحديثة

ثم في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 1838، وخلال زيارته التفقدية للسودان، أعلن محمد علي رسميا إلغاء تجارة الرقيق، وشدد أوامره الصارمة بمنع حملات صيد الرقيق والغارات التي كانت تشن لهذا الغرض، كما حظر بشكل قاطع دفع مرتبات الجنود من العبيد كما كان سائدا في ذلك الوقت، وعمدت الإدارة إلى إرسال صور من هذه الأوامر المشددة إلى قادة الجيش لضمان التنفيذ. تتويجا لهذه الخطوة، شهد شهر يناير/ كانون الثاني 1839 بادرة رمزية، إذ أطلق محمد علي سراح خمسمائة من الأرقاء وأرسلهم أحرارا إلى بلادهم.

Getty Images
محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة

لكن قرارات محمد علي لم تفلح في اجتثاث هذه التجارة أو إنهاء وجودها الفعلي، إذ كان الباشا نفسه يدرك في قرارة نفسه أن الرق نظام معقد له جذور ضاربة وعميقة في بنيان المجتمعات التقليدية. فقد شهد عهده الحملة على السودان لجلب الجنود من أجل بناء الجيش المصري، وهي خطوة أثبتت فشلها تماما بعد ذلك، لكن الباشا رغم إبطاله تجارة الرقيق كان يرى أنه من المستحيل القضاء عليها بقرار فوقي دفعة واحدة، بل لا بد من سلوك مسار التدرج الطويل الأمد. نتيجة لهذه الرؤية والواقع الاجتماعي المقاوم، استمرت تجارة الرقيق في الازدهار والتدفق خلال السنوات التالية، وبلغت استمراريتها محطة واضحة في عهد عباس حلمي الأول (1848 - 1854)، الذي، رغم استمرار المنع الرسمي للتجارة في عهده، فضل الاكتفاء بنصح التجار وحثهم على ترك هذا المسلك والاتجاه نحو التجارة في السلع المشروعة، دون صدام عنيف مع القوى المستفيدة من هذه السوق الحيوية.

Wikipedia
تجار عبيد مع عبيدهم على نهر نوفوما في موزمبيق

نظرة أعمق

في نظرة أعمق على الوضع، يمكن القول إن مصر شهدت في القرن التاسع عشر شبكة معقدة وممتدة من علاقات الاسترقاق التي تداخلت فيها البنى الاجتماعية التقليدية مع طموحات بناء الدولة الحديثة والمشروعات السياسية والعسكرية للولاية، وفي تفكيكه بنية هذا المجتمع المتمايز، يصنف غبريال باير مجتمع الرق في دراسته "العبودية في مصر في القرن التاسع عشر " Slavery in Nineteenth Century Egypt، بناء على العرق والجنس، إلى ثلاث فئات رئيسة تحكمها تراتبية واضحة. فكانت الفئة الأولى هي العبيد البيض، المستقدمون في غالبيتهم الساحقة من الشركس والكرج (الجورجيين)، وكان هؤلاء حكرا على الأتراك الأثرياء وأفراد أسرة محمد علي باشا، إذ استخدم الذكور منهم قديما كمماليك في مناصب عسكرية وإدارية عليا داخل أروقة الدولة، بينما كانت الإناث يعملن في الحريم والقصور، وينتهي بهن المطاف غالبا بالزواج الرسمي من أسيادهن لإنتاج جيل جديد من النخبة الحاكمة. وفي مرتبة متوسطة بين البيض والسود، جاءت الفئة الثانية وهم الأحباش الذين احتلوا مكانة اجتماعية متميزة، إذ فضلتهم الطبقة المتوسطة المصرية سراري وجواري للاستخدام المنزلي والاجتماعي، نظرا لعدم قدرة هذه الطبقة على تحمل التكاليف الباهظة لشراء الجواري البيض. أما الفئة الثالثة فكانت العبيد السود الذين شكلوا الغالبية العظمى من الرقيق في مصر، ووظفوا بشكل أساس في الخدمة المنزلية الشاقة والأعمال البدنية المرهقة، إلى جانب فئة خاصة وجديرة بالذكر من الخصيان الذين اقتصرت خدمتهم الحصرية على بيوت النخبة وأحاريمها، في إدارة شؤون الحريم.

كان الطلب العسكري هو المحرك الأساس والأول لحملة غزو السودان عام 1820 بهدف جلب "جنود طائعين"

مع صعود محمد علي باشا إلى سدة الحكم واستهلال مشروعه الطموح لتأسيس جيش نظامي حديث ومؤسسات دولة مركزية، تحول الرق من نمط استهلاكي منزلي تقليدي إلى ركيزة أساس من ركائز مؤسسات الدولة. يتناول الدكتور خليفة عبد الرحيم جمال عبد الرحيم في ورقته البحثية المستفيضة، "الرقيق الحكومي في مصر (1822م - 1879م)"، كيف أصبحت الحكومة المصرية في ذلك الوقت أكبر ممتلك للرقيق في البلاد لاستخدامهم في قطاعاتها الحيوية. فكان الطلب العسكري هو المحرك الأساس والأول لحملة غزو السودان عام 1820 بهدف جلب "جنود طائعين" وتكوين الفرق العسكرية الجديدة وتدريبها. ويذكر الدكتور خليفة في بحثه أن الحكومة نظمت أسواق هذه التجارة رسميا ولم تعد تتركها للعشوائية، بل فرضت الضرائب على طوائف التجار وجعلتها موردا ماليا مهما لخزينة الدولة، بل وقامت بتخصيص وكالة جعفر أغا في بولاق كمركز رسمي وحصري لبيع وشراء الرقيق الأبيض (خاصة الجواري)، وذلك لضبط هذه التجارة وإحكام الرقابة عليها ومنع الفوضى والتهرب الضريبي.

مجموعة مسلحة من السودانيين تركها الخليفة عبد الله بعد هزيمتها في أبو حمد عام 1897، ويظهر في المقدمة أحد أفراد الشرطة العسكرية في الجيش المصري

يسترسل الدكتور خليفة عبد الرحيم في رصد مجالات استخدام هذا الرقيق الحكومي، موضحا أن عمالتهم امتدت إلى المصانع الحربية كترسانة القلعة، ومصانع الغزل والنسيج في منطقة "الخرنفش"، حيث عوملوا كعمالة سخرة غير مدفوعة الأجر لدفع عجلة التصنيع، فضلا عن إرسالهم للعمل في إسطبلات شبرا والمنيا لرعاية خيول وإبل الحكومة. وفي القطاع الزراعي، استخدم هؤلاء الأرقاء لزراعة أراضي الحكومة وأراضي الأسرة المالكة التي عرفت بالأبعاديات، بل وأنشئت لهم قرى كاملة ومخصصة لتعلم فنون وأساليب الزراعة الحديثة مثل قرية "كوم كام" الشهيرة بمنفلوط. لم يقتصر الأمر على العمل البدني، بل يشير الدكتور خليفة إلى أن الحكومة عمدت إلى شراء الأطفال الصغار من الرقيق الأبيض الشركسي وإلحاقهم بالمدارس الأميرية لتعليمهم وتثقيفهم، بهدف تنشئتهم كطبقة إدارية وتكنوقراطية موالية تماما لجسد الإدارة والحكومة.

IMDb
رازان جمال ومحمد رمضان في فيلم "أسد" (2026)

لم تكن هذه المنظومة الواسعة تدار بشكل عشوائي، بل خضعت لإشراف إداري صارم من قبل الدولة. يوضح الدكتور خليفة عبد الرحيم أن الحكومة أنشأت إدارة مخصصة للإشراف على الرقيق، وعينت وظائف رسمية مثل "ناظر للعبيد" السود و"ناظر للجواري" السود. وامتدت الرعاية الحكومية لتشمل الجانب الصحي، فوفرت الحكومة "حكيم الجدري" للكشف الدوري على العبيد وتطعيمهم ضد الأوبئة، ومنعت خروج أي رقيق من الجمارك والموانئ دون الحصول على شهادة صحية تثبت سلامته. كما تكفلت الإدارة توفير الطعام والملابس الصيفية والشتوية، وأنشأت مساكن جماعية وفردية للمتزوجين وللعتقاء، وحرصت بشكل لافت على تزويج العبيد بعضهم من بعض لخلق مجتمعات مستقرة وموالية لها، بل ومنحت الجواري أراضي زراعية لتشجيع الرجال على الزواج بهن والاستقرار في الريف، في مقابل اللجوء إلى خيار "دمغ" العبيد بختم الميري الرسمي لتسهيل التعرف اليهم في حال هروبهم.

IMDb
محمد رمضان في فيلم "أسد" (2026)

ورغم هذا الضبط الحديدي والإشراف الإداري الصارم، كان المجتمع التحتي للرق يشهد ديناميكية مقاومة يومية عنيفة وقوية، إذ يلفت الباحث ناجي غابة في كتابه "الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر" الصادر عن "دار العربي" في مطلع هذا العام، الانتباه إلى أهم وجوه الإضافة العلمية في تاريخ الرق، مركزا على مفهوم المقاومة بمبادرات ذاتية. ويذكر الباحث أن العبيد لم يكونوا مجرد ضحايا صامتين ومستسلمين لواقعهم كما تصورهم السرديات التقليدية، بل مارسوا أشكال الرفض اليومي المتكرر من خلال الهروب المستمر من الجيش والإسطبلات، وتعمد تعطيل العمل وتخريبه في الحقول والمنازل لإرباك الأسياد.

لم يكن العبيد مجرد ضحايا صامتين ومستسلمين لواقعهم، بل مارسوا أشكال الرفض اليومي المتكرر من خلال الهروب المستمر

 ويضيف ناجي غابة أن العبيد لجأوا بذكاء حاد إلى جهات القضاء والاستفادة من الثغرات القانونية المتاحة للحصول على وثائق العتق المكتوبة، وهو ما يمنح السرد التاريخي كثافة إنسانية عالية، فضلا عن رصده تصدي الإدارة لحوادث التحايل التي تضمنت تزوير الأوراق الرسمية لبيع الأشخاص الأحرار كعبيد.

جغرافيا التدفق وطوائف التجارة

ومع انتصاف القرن التاسع عشر، أخذت تجارة الرقيق وتدفقاتها في مصر منحى جديدا وأكثر اتساعا، فيذكر الباح سونغ هيون كيم في رسالته لنيل درجة الماجستير من الجامعة الأميركية بالقاهرة، "دراسة مقارنة لإلغاء العبودية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في القرن التاسع عشر: حالتا الخديوية المصرية وبايليك تونس الحسيني"، أن حجم تجارة الرقيق في مصر كان أكبر بكثير مقارنة بجيرانها في المنطقة، وأن هذه التجارة اعتمدت على شبكات تجارية واسعة ومعقدة. ويحدد الباحث خمسة مسارات رئيسة لتوريد الرقيق إلى الداخل المصري: أولها مسار دارفور إلى أسيوط عبر "درب الأربعين"، الذي كان يعد أهم المسارات وأكثرها ازدهارا، إذ تجلب قوافل الأسرى من الحروب القبلية، ومسار سنار إلى إسنا لتوريد عبيد جبال النوبة والأحباش، ومسار النيل الأبيض حيث كان يختطف أفراد قبائل الشلك الدينكا، ومسار برنو ووداي عبر الصحراء الغربية وليبيا وصولا الى واحة سيوة ومنها الى القاهرة والإسكندرية، وأخيرا مسار البحر الأحمر لجلب الأحباش وعبيد الساحل الأفريقي الشرقي عبر ميناءي مصوع وزيلا.

في هذا السياق الإقليمي، يوضح الباحث غبريال باير في دراسته أن هذه التجارة نظمت محليا في المدن المصرية عبر طوائف مهنية متخصصة من التجار. فكانت طائفة "الجلابة" تتولى تجارة العبيد السود، وطائفة "اليسرجية" تتولى تجارة العبيد البيض، وكان لكل طائفة شيخ معترف به من الحكومة يترأسها ويدير شؤونها. وبينما كانت القاهرة هي المستودع الرئيس للتخزين والتوزيع، شكل مولد السيد البدوي في مدينة طنطا موسما تجاريا وسوقا ضخمة تباع فيها مئات العبيد سنويا وسط الحشود. ويشير الباحث سونغ هيون كيم أنه بدءا من خمسينات القرن التاسع عشر، ومع فتح منطقة النيل الأبيض وتوسع تجارة العاج، ظهر نظام "الزريبة" العسكري، فتحول تجار الرقيق في السودان المصري إلى أمراء حرب يمتلكون جيوشا خاصة وقلاعا محصنة، وسيطروا فعليا على أقاليم شاسعة مثل أقاليم "بحر الغزال"، ويعد الزبير رحمة منصور أبرز هؤلاء التجار، إذ أسس ما يشبه المملكة الخاصة وامتلك جيشا قويا مكنه من هزيمة حملات عسكرية حكومية أرسلتها القاهرة، قبل أن تضطر الدولة لتعيينه حاكما رسميا للأقلم اعترافا بنفوذه الفعلي.

كيف انتهت تجارة العبيد؟

بدأت ملامح النهاية الرسمية والتحول في بنية الرق الحكومي تتشكل مع صعود محمد سعيد باشا إلى سدة الحكم. يذكر الدكتور خليفة عبد الرحيم في بحثه أن سعيد باشا أصدر عام 1854 أول الأوامر الرسمية الحازمة بمنع استيراد العبيد وألغى طائفة الأسييرجية وحرم تجارة الرقيق رسميا. ورغم أن هذه القرارات لم تكن فعالة تماما على أرض الواقع وظلت التجارة مستمرة سرا، إلا أن عهده شهد خطوة حاسمة بتحرير وعتق الرقيق الحكومي، لتنتهي هذه المنظومة الرسمية تماما وبشكل نهائي مع بدايات عهد الخديوي إسماعيل عام 1863، حيث يخلص الدكتور خليفة في دراسته إلى أنه في ذلك العام لم يتبق في السجلات الحكومية سوى خمسة أرقاء فقط تم عتقهم رسميا وتخصيص معاشات مالية ثابتة لهم من خزينة الدولة.

Wikipedia
بورتريه للخديوي إسماعيل باشا (1830 ـ 1895)

ولكن على الصعيد الخاص والتجاري خارج المؤسسات الحكومية، يذكر غبريال باير أن العبودية بلغت ذروتها القصوى في ستينات القرن التاسع عشر بفعل طفرة القطن الناتجة من الحرب الأهلية الأميركية، إذ أدى الارتفاع الجنوني المفاجئ في أسعار القطن وثراء الفلاحين (الأطيان) في الدلتا وتوسع مزارع السكر التابعة لأسرة محمد علي في صعيد مصر إلى قفزة هائلة في الطلب على الأيدي العاملة، لتستقبل مصر في تلك الفترة ما بين 25,000 و35,000 رقيق سنويا لمساعدة الفلاحين في زراعة أراضيهم، والعمل في المشروعات العامة الكبرى، وفي السفن الساحلية بميناء السويس.

كانت طائفة "الجلابة" تتولى تجارة العبيد السود، وطائفة "اليسرجية" تتولى تجارة العبيد البيض، وكان لكل طائفة شيخ معترف به من الحكومة

أمام هذا التصاعد الكبير وفي ظل الضغوط الديبلوماسية الدولية المتزايدة، يذكر الباحث سونغ هيون كيم في دراسته أن الخديوي إسماعيل وظف مشروع التوسع الإمبراطوري المصري في أعماق أفريقيا ومنطقة خط الاستواء كذريعة سياسية ذكية، فرفع شعار محاربة تجارة الرقيق وتجفيف منابعها لتبرير التمدد العسكري وكسب تأييد ومباركة القوى الأوروبية. ووظف الخديوي شخصيات أوروبية بارزة مثل صمويل بيكر وتشارلز غوردون كحكام إداريين في السودان لملاحقة تجار الرقيق، وهو ما ساعده ديبلوماسيا في الحصول على امتيازات واستقلال أكبر من الدولة العثمانية في إسطنبول. إلا أن الباحث كيم يكشف عن ازدواجية واضحة في هذه السياسة، فبينما كان إسماعيل يندد بالعبودية علنا في المحافل الدولية لإرضاء أوروبا، كانت حكومته تواصل تجنيد الرقيق سرا في الجيش، بل وتفرض ضرائب عينية على القبائل السودانية تدفع في شكل رقيق لاستخدامهم كجنود في حروبه التوسعية، خاصة في أفريقيا، لقدرتهم البدنية العالية على تحمل المناخ القاسي والأمراض المدارية التي لم تكن تناسب الجنود المصريين.

Universal Images Group via Getty Images
رسم يصور مقتل الجنرال البريطاني تشارلز جورج غوردون في الخرطوم عام 1885

وجاءت نقطة التحول التاريخية والحاسمة بعد عام 1876، فيوضح الباحث سونغ هيون كيم أن فشل المشاريع التوسعية المصرية في إثيوبيا وتلقي الخديوية هزيمتين عسكريتين قاصمتين في معركتي "جوندت" و"جورا"، إلى جانب تفاقم الأزمة المالية الطاحنة وتراكم الديون الخارجية، دفع الخديوي إسماعيل مرغما لتوقيع اتفاقية عام 1877 مع بريطانيا لإلغاء تجارة الرقيق، في خطوة لم تكن فقط التزاما أخلاقيا، بل خطوة ديبلوماسية عاجلة لإنقاذ وضعه المالي والحصول على اعتراف دولي بحقوق مصر السيادية في البحر الأحمر. وسمحت هذه الاتفاقية بنص ذكي يقضي بتجنيد العبيد "المحررين" مباشرة في الجيش، مما ضمن استمرار تدفق القوة البشرية العسكرية ولكن تحت مسمى قانوني جديد. وتأسست بموجب ذلك "مصلحة عتق الرقيق" وأنشئت مكاتب لها ولقلم العتق في القاهرة والإسكندرية وطنطا وأسيوط للإشراف على عمليات منح شهادات الحرية وحماية العتقاء وتوفير سبل العيش لهم، وهو ما يدعمه غبريال باير مشيرا إلى صدور اتفاقية أخرى مكملة وصارمة عام 1895 فرضت عقوبات جنائية على التجار والمشترين على حد سواء.

ورغم هذه القوانين الصارمة، يذكر  باير أن حركة العتق واجهت في البداية مقاومة اجتماعية وقانونية شرسة، نظرا لرفض القضاة الشرعيين والمحاكم في البداية الاعتراف بزواج العبيد المعتقين دون إذن أسيادهم، واعتبار المجتمع أن العبودية جزء لا يتجزأ من التقاليد الراسخة المرتبطة بحرمة المنازل التي لا يجوز انتهاكها. ويشير الباحث سونغ هيون كيم إلى أن هذا الإلغاء واكبه نقاش فكري وديني حاد داخل مصر، فبينما عارض بعض العلماء التقليديين الإلغاء، ظهرت أصوات إصلاحية مستنيرة قادها الشيخ محمد عبده ورشيد رضا، جادلوا بعمق بأن الشريعة الإسلامية تهدف في أصلها وفلسفتها إلى التحرر التدريجي وتجفيف منابع الاسترقاق، وأن من حق السلطة السياسية الحاكمة حظر هذه التجارة تماما تحقيقا للمصلحة العامة للمجتمع.

تضافر كل هذه الأبعاد السياسية والإدارية والاقتصادية والفكرية إلى زوال العبودية تماما مع مطلع القرن العشرين

وفي نهاية المطاف، يخلص الباحث باير في ختام دراسته المرجعية إلى أن اختفاء العبودية تماما مع اقتراب القرن العشرين لم يكن مدفوعا بالإجراءات الإدارية والقوانين والاتفاقيات الدولية وحدها، بل كان نتيجة انقلاب اقتصادي واجتماعي بنيوي حاسم حدث في عمق المجتمع المصري، وتمثل هذا الانقلاب في ظهور وسيطرة سوق العمل الحر نتيجة لنمو المدن المتسارع وانهيار نظام الطوائف الحرفية القديم، بالتزامن مع حدوث فائض سكاني محلي ضخم وفر عمالة زراعية رخيصة للغاية في الريف المصري، فأصبح العامل الحر الأجير أقل أجرا وأقل تكلفة من شراء العبد وإعالته وتوفير المسكن والملبس له مدى الحياة، مما ألغى الحاجة المادية والجدوى الاقتصادية لمنظومة الرق برمتها. وتضافرت هذه العوامل المادية والتحولات الاقتصادية مع تغير عقلية النخبة المصرية وتأثرها بالثقافة الأوروبية الحديثة وكتابات المفكرين مثل أحمد شفيق، ليؤدي تضافر كل هذه الأبعاد السياسية والإدارية والاقتصادية والفكرية إلى زوال العبودية تماما من واجهة الحياة الاجتماعية في مصر مع مطلع القرن العشرين.

font change

مقالات ذات صلة