بدأت دور السينما في مصر والعالم العربي في منتصف مايو/ أيار الماضي عرض فيلم "أسد" (تأليف وإخراج محمد دياب)، وسط توقعات عالية من الجمهور المصري، لا سيما أن هذا العمل امتدت صناعته لست سنوات كاملة من البحث والتحضير، ليقدم حكاية مختلفة تماما عن السائد والدارج في السينما المحلية عند تناول الحقبة العلوية وفترة حكم الخديوية. مع عرض الفيلم تباينت ردود الأفعال بين الإشادة والاستنكار، لكن أهم ما اتفق عليه الجميع هو غرابة القصة. ففي العادة تتناول الأعمال الفنية فترة حكم الأسرة العلوية إما بتصوير مصر الحديثة وبانيها محمد علي باشا ومجددها الخديوي إسماعيل، أو بتصوير الإقطاع وظلم الفلاحين، وإجبار المصريين على حفر قناة السويس بالسخرة، لكن لم يحدث أن التفت أحد إلى قضية العبيد التي كانت واقعا معيشا في تلك الحقبة.
فمن واقع الدراسات والوثائق، تبدو قصة فيلم "أسد" واقعية تاريخيا، وبغض النظر عن مقدار الخيال في الفيلم وجودة السيناريو وحبكته من عدمها (وهو أمر متروك للنقاد الفنيين)، وبغض النظر أيضا عن بعض المشاهد التي تحمل روحا غربية لا تشبه قاهرة ذلك الوقت، فإن الفيلم أشار إلى جانب تاريخي لم ينل القدر الكافي من الاهتمام، وهو واقع لم يكن محصورا بمصر على أية حال.
من أين تبدأ الحكاية؟
وجود الرقيق في مصر قديم، لكن العبودية اتخذت شكلا آخر بعد الفتح الإسلامي لمصر، وبخاصة مع قيام دولة المماليك التي كان سلاطينها من الرقيق الأبيض من الترك والشركس والفرس والمغول وغيرها من الأعراق، وكانت العبودية تعتبر مدعاة للمباهاة والفخر بين المماليك، لأن علاقة الجندي المملوك بالأمير أو السلطان الذي يملكه كانت علاقة التلميذ بالمعلم، لا العبد بالسيد. لكن كان هناك نوع آخر من الرقيق وهو رقيق الخدمة، وكانوا في الغالب من الأفارقة السود، وقد بقوا على حالهم، كخدم، دون أن يكون لهم الحكم، اللهم إلا في حالة كافور الأخشيد الذي مدحه المتنبي ثم انقلب عليه بعدها.
في العودة الى مصر الحديثة، تشير الوثائق التاريخية إلى أنه مع تصاعد الحملات العالمية لإنهاء تجارة الرقيق، التي كانت تقودها بريطانيا لدوافع وأسباب سياسية، قرر محمد علي باشا أن ينتهج الخط الديبلوماسي نفسه لتفادي الضغوط الدولية. وفي هذا السياق، وجه باشا مصر رسالة رسمية إلى حكمدار السودان خورشيد باشا، تؤرخ في الأول من ديسمبر/كانون الأول 1837، يأمره فيها بشكل صريح بإبطال تجارة الرقيق، وجاء في متن رسالته قوله: "يجب عليك أن تعلم أني لا أريد ربحا من تجارة لا تشرفني".






