لا شيء البتة يضمن عدم العودة للمواجهة بين إسرائيل وإيران على الرغم من إعلان الأخيرة عن انتهاء عمليات القصف الصاروخي التي شنتها على تل أبيب فـ"الحرس الثوري" الإيراني يقول إنه "مستعد لكل الاحتمالات ولعمليات واسعة النطاق على جميع الجبهات" وأن الرد سوف يكون "أشد قوة".
لهذا فإن من المهم التعرف إلى دلالات إعلان جماعة الحوثيين الموالية لإيران، مرة أخرى، عن إطلاقها دفعة صواريخ باليستية من الأراضي اليمنية، مستهدفة ما قالت الجماعة إنها "مواقع إسرائيلية حساسة في منطقة يافا"، وذلك في تصعيد جديد من قبل إحدى الأذرع القوية لطهران في المواجهة مع إسرائيل، وذلك في ظل المفاوضات الجارية مع واشنطن للتوصل إلى اتفاق سلام شامل يؤدي إلى إنهاء الحرب بين الجانبين بما في ذلك رفع الحصار البحري على إيران وفتح مضيق هرمز والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
التصعيد الجديد من جانب الحوثيين شمل الإعلان عن حظر الملاحة البحرية على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر "بشكل كامل وتام" كما أعلنت الجماعة اعتبار كل تحركات إسرائيل هدفا عسكريا لمسلحيها. هذا فيما قالت إسرائيل من جانبها إنها اعترضت صاروخا، واحدا فقط، أُطلق من اليمن باتجاه إسرائيل. يأتي هذا التطور بالتزامن مع إطلاق إيران من جانبها عددا من الصواريخ باتجاه إسرائيل بينما ردت الأخيرة على ذلك فورا، حيث شن سلاح الجو الإسرائيلي هجمات على أهداف عسكرية في وسط وغرب إيران وفق بيان للجيش الإسرائيلي صباح الاثنين.
كانت الهجمات الصاروخيّة الإيرانية قد جاءت في ظل الاعتداءات الإسرائيلية العنيفة والمتكررة على ضاحية بيروت الجنوبية، وذلك إسنادا من جانب طهران لـ"حزب الله" اللبناني الذي يواجه ضغطا عسكريا وسياسيا متعدد الأشكال والوسائل لإرغامه على تسليم سلاحه وتفكيك منظوماته العسكرية، غير أن كثيرين في الشرق الأوسط والعالم يخافون من أن يؤدي تجدد واستمرار المواجهة وتبادل إطلاق النار بين إيران وإسرائيل إلى إفشال المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران وربما يقود كل ذلك إلى استئناف الحرب من جديد وانخراط وكلاء إيران فيها وفي مقدمتهم جماعة الحوثيين التي لا يزال يُنظر إليها بوصفها الذراع الأقوى المتبقية لإيران رغم الضربات الموجعة التي تلقتها الجماعة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الأعوام القليلة الماضية ردا على إطلاق الحوثيين لعدد من الصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل وهجمات الجماعة على سفن وناقلات نفط تجارية في كل من البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، بالإضافة إلى إعلان الحوثيين احتجازهم ثلاث سفن تجارية في البحر الأحمر للاشتباه بعلاقة مزعومة بعضها مع "الكيان الصهيوني" كما قال قيادي كبيرٌ في الجماعة متعهدا بالإفراج عمن لم يثبت ارتباطه بإسرائيل.
ما جدوى التصعيد الحوثي؟
لا يعدو الصاروخ الذي أطلقه الحوثيون فجر الاثنين على إسرائيل، في رأي خبراء ومحللين عسكريين، أن يكون مجرد رسالة رمزية ليس إلا، هدفها الأول هو إعادة الاعتبار للجماعة أمام مناصريها داخل اليمن وخارجه، وثانيا لتبييض ماء الوجه بعد إحجام الجماعة عن المشاركة إلى جانب طهران خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية عليها، وثالثا لترضية إيران وجعلها تشعر بأنها ليست وحدها في المواجهة مع تل أبيب وواشنطن، ورابعا للتأكيد على استمرار ما عرف بـ"محور المقاومة" ووحدة الساحات رغم الضربات القاصمة التي تعرض لها قلب هذا المحور في الداخل الإيراني وأذرعه في الخارج خصوصا في لبنان والعراق وسوريا واليمن.

النقطة المحورية الأهم في هذا السياق أن الصاروخ الحوثي الذي أعلنت إسرائيل عن اعتراضه فجر الاثنين لن تكون له- مثل سوابقه من الصواريخ- أي قيمة عسكرية أو تأثير في تغيير مجريات ومعادلة الصراع بين طهران وتل أبيب، أو تخفيف الضغط على "حزب الله" اللبناني، أو أن تتمكن صواريخ الحوثيين، مهما كانت أنواعها وتسمياتها، من إحداث التأثير نفسه الذي تفعله صواريخ ومسيرات "حزب الله" التي يتم إطلاقها على شمال إسرائيل تحديدا، الواقع على التماس مع جنوب لبنان، ذلك أنه لا بد أن لبُعد مناطق إطلاق الصواريخ الحوثية جغرافياً أثر في عدم دقة تصويبها وتوجيهها نحو أهدافها، كما أن لبُعد مناطق إطلاق الصواريخ أيضا دوراً في تسهيل رصدها واعتراضها وبالتالي إسقاطها في منتصف المسافة التي تحتاج لقطعها للوصول إلى إسرائيل، والبالغة أكثر من ألفي كيلومتر.
