ما مدى وجدوى التصعيد الحوثي ضد تل أبيب؟

حظر الملاحة

رويترز
رويترز
أنصار جماعة "الحوثي" يتظاهرون تضامنا مع إيران، في صنعاء، اليمن، بتاريخ 10 أبريل

ما مدى وجدوى التصعيد الحوثي ضد تل أبيب؟

لا شيء البتة يضمن عدم العودة للمواجهة بين إسرائيل وإيران على الرغم من إعلان الأخيرة عن انتهاء عمليات القصف الصاروخي التي شنتها على تل أبيب فـ"الحرس الثوري" الإيراني يقول إنه "مستعد لكل الاحتمالات ولعمليات واسعة النطاق على جميع الجبهات" وأن الرد سوف يكون "أشد قوة".

لهذا فإن من المهم التعرف إلى دلالات إعلان جماعة الحوثيين الموالية لإيران، مرة أخرى، عن إطلاقها دفعة صواريخ باليستية من الأراضي اليمنية، مستهدفة ما قالت الجماعة إنها "مواقع إسرائيلية حساسة في منطقة يافا"، وذلك في تصعيد جديد من قبل إحدى الأذرع القوية لطهران في المواجهة مع إسرائيل، وذلك في ظل المفاوضات الجارية مع واشنطن للتوصل إلى اتفاق سلام شامل يؤدي إلى إنهاء الحرب بين الجانبين بما في ذلك رفع الحصار البحري على إيران وفتح مضيق هرمز والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.

التصعيد الجديد من جانب الحوثيين شمل الإعلان عن حظر الملاحة البحرية على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر "بشكل كامل وتام" كما أعلنت الجماعة اعتبار كل تحركات إسرائيل هدفا عسكريا لمسلحيها. هذا فيما قالت إسرائيل من جانبها إنها اعترضت صاروخا، واحدا فقط، أُطلق من اليمن باتجاه إسرائيل. يأتي هذا التطور بالتزامن مع إطلاق إيران من جانبها عددا من الصواريخ باتجاه إسرائيل بينما ردت الأخيرة على ذلك فورا، حيث شن سلاح الجو الإسرائيلي هجمات على أهداف عسكرية في وسط وغرب إيران وفق بيان للجيش الإسرائيلي صباح الاثنين.

كانت الهجمات الصاروخيّة الإيرانية قد جاءت في ظل الاعتداءات الإسرائيلية العنيفة والمتكررة على ضاحية بيروت الجنوبية، وذلك إسنادا من جانب طهران لـ"حزب الله" اللبناني الذي يواجه ضغطا عسكريا وسياسيا متعدد الأشكال والوسائل لإرغامه على تسليم سلاحه وتفكيك منظوماته العسكرية، غير أن كثيرين في الشرق الأوسط والعالم يخافون من أن يؤدي تجدد واستمرار المواجهة وتبادل إطلاق النار بين إيران وإسرائيل إلى إفشال المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران وربما يقود كل ذلك إلى استئناف الحرب من جديد وانخراط وكلاء إيران فيها وفي مقدمتهم جماعة الحوثيين التي لا يزال يُنظر إليها بوصفها الذراع الأقوى المتبقية لإيران رغم الضربات الموجعة التي تلقتها الجماعة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الأعوام القليلة الماضية ردا على إطلاق الحوثيين لعدد من الصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل وهجمات الجماعة على سفن وناقلات نفط تجارية في كل من البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، بالإضافة إلى إعلان الحوثيين احتجازهم ثلاث سفن تجارية في البحر الأحمر للاشتباه بعلاقة مزعومة بعضها مع "الكيان الصهيوني" كما قال قيادي كبيرٌ في الجماعة متعهدا بالإفراج عمن لم يثبت ارتباطه بإسرائيل.

ما جدوى التصعيد الحوثي؟

لا يعدو الصاروخ الذي أطلقه الحوثيون فجر الاثنين على إسرائيل، في رأي خبراء ومحللين عسكريين، أن يكون مجرد رسالة رمزية ليس إلا، هدفها الأول هو إعادة الاعتبار للجماعة أمام مناصريها داخل اليمن وخارجه، وثانيا لتبييض ماء الوجه بعد إحجام الجماعة عن المشاركة إلى جانب طهران خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية عليها، وثالثا لترضية إيران وجعلها تشعر بأنها ليست وحدها في المواجهة مع تل أبيب وواشنطن، ورابعا للتأكيد على استمرار ما عرف بـ"محور المقاومة" ووحدة الساحات رغم الضربات القاصمة التي تعرض لها قلب هذا المحور في الداخل الإيراني وأذرعه في الخارج خصوصا في لبنان والعراق وسوريا واليمن.

رويترز
مستوطنون إسرائيليون يقفون بجانب جزء من صاروخ عقب ضربات أطلقتها إيران، في وسط الضفة الغربية المحتلّة، في 8 يونيو 2026

النقطة المحورية الأهم في هذا السياق أن الصاروخ الحوثي الذي أعلنت إسرائيل عن اعتراضه فجر الاثنين لن تكون له- مثل سوابقه من الصواريخ- أي قيمة عسكرية أو تأثير في تغيير مجريات ومعادلة الصراع بين طهران وتل أبيب، أو تخفيف الضغط على "حزب الله" اللبناني، أو أن تتمكن صواريخ الحوثيين، مهما كانت أنواعها وتسمياتها، من إحداث التأثير نفسه الذي تفعله صواريخ ومسيرات "حزب الله" التي يتم إطلاقها على شمال إسرائيل تحديدا، الواقع على التماس مع جنوب لبنان، ذلك أنه لا بد أن لبُعد مناطق إطلاق الصواريخ الحوثية جغرافياً أثر في عدم دقة تصويبها وتوجيهها نحو أهدافها، كما أن لبُعد مناطق إطلاق الصواريخ أيضا دوراً في تسهيل رصدها واعتراضها وبالتالي إسقاطها في منتصف المسافة التي تحتاج لقطعها للوصول إلى إسرائيل، والبالغة أكثر من ألفي كيلومتر.

لا يعدو الصاروخ الذي أطلقه الحوثيون فجر الاثنين على إسرائيل، في رأي خبراء ومحللين عسكريين، أن يكون مجرد رسالة رمزية ليس إلا، هدفها الأول هو إعادة الاعتبار للجماعة أمام مناصريها داخل اليمن وخارجه


وبينما يؤكد الحوثيون وأنصارهم أن "الصواريخ اليمنية" أي الإيرانية الصنع، التي يطلقها الحوثيون من الأراضي الواقعة تحت سيطرتهم في اليمن، أصابت معظم أهدافها و"بثت الرعب في قلوب الإسرائيليين، وأجبرت الملايين منهم على الهروب منها والاختباء لساعات في الملاجئ"، كما "أثارت المزيد من النقمة على نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة" وأدت إلى شروخ وتصدعات وانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي بشكل لافت، ما دفع بعشرات الألوف داخل إسرائيل للتظاهر احتجاجا على سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي، وخصوصا ما يتصل منها بإصرار نتنياهو وصقور حكومته على مواصلة الحرب في لبنان بعد "مجازر الإبادة الجماعية والنزوح والتهجير" التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة.

في المقابل يصر الإسرائيليون بدورهم على أن معظم الصواريخ التي أطلقها الحوثيون على إسرائيل "فشلت في تحقيق أهدافها"، وأنه تم اعتراض و"إسقاط غالبيتها في البحر أو الصحراء خارج الأجواء الإسرائيلية"، لكن الواقع هو أن صواريخ حوثية عدة نجحت في اختراق الدفاعات الجوية والقبة الحديدية لإسرائيل حتى وإن سقطت في مناطق مقفرة وغير مأهولة، فقد أصابت بعضا من غاياتها المعنوية والدعائية على الأقل وفق ما أظهره كثير من الصور ومقاطع الفيديو التي قام بالتقاطها ونشرها وتداولها على مواقع التواصل الاجتماعي مواطنون مدنيون إسرائيليون على الرغم من التعتيم الذي تفرضه السلطات الإسرائيلية على ذلك.

رويترز
جندي يمني يسير على ساحل باب المندب، اليمن، في 2 أبريل

ثمة مسألة بالغة الأهمية في التصعيد الحوثي الجديد وتتمثل في إعلان الجماعة عن فرض حظر ملاحي شامل على إسرائيل في البحر الأحمر. ومع أن هذا الإعلان تعبيرٌ فضفاض لتبرير إمكانية استهداف الحوثيين لسفن وناقلات نفط ترفع أعلام دول أخرى، وذلك بذريعة صلتها بإسرائيل، إلا أن ثمة مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى تدخل عسكري من قبل الولايات المتحدة الأميركية مجددا لضمان سلامة وحرية الملاحة التجارية في مضيق باب المندب والبحر لما لهذا الممر المائي الحيوي من أهمية قصوى بالنسبة للاقتصاد العالمي.

مثل هذا الاحتمال يمكن أن يحدث رغم خطورته بالنسبة للدول المطلة على البحر الأحمر ومن بينها اليمن وحتى للحوثيين انفسهم الذين يسيطرون على مناطق يقطنها أكثر من سبعة ملايين مواطن يمني يمثل البحر الأحمر شريان الحياة بالنسبة لهم، ويجني الحوثيون من وراء الصادرات والواردات عبره مئات الملايين من الدولارات كضرائب ورسوم جمركية.

ويظل من المتوقع إلى حد كبير أن يندفع الحوثيون بإيعاز من طهران لتهديد أمن الملاحة في جنوب البحر الأحمر رغم الهدنة الهشة أو التفاهم الشفهي غير المكتوب ولا الموقّع عليه مع واشنطن بعدم استهداف المصالح الأميركية.

يظل من المتوقع إلى حد كبير أن يندفع الحوثيون بإيعاز من طهران لتهديد أمن الملاحة في جنوب البحر الأحمر رغم الهدنة الهشة أو التفاهم الشفهي غير المكتوب ولا الموقّع عليه مع واشنطن بعدم استهداف المصالح الأميركية


في ضوء تعثر المفاوضات بين طهران وواشنطن رغم الجهود الدبلوماسية الحثيثة من قبل دول الإقليم المجاورة لإيران، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، للتوصل إلى اتفاق بين طرفي النزاع وبالأخص الغريمين الشديدين لبعضهما، الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي، إلا أن دول الخليج العربية لم تزل رغم مساعيها غير قادرة على ضمان أن أي اتفاق أميركي-إيراني يمكن أن يشمل مصالحها الأمنية بدرجة أساسية، غير أنه من المستبعد، في تقديري على الأقل، أن يغامر الحوثيون باستهداف دول الإقليم وفي مقدمتها السعودية على غرار ما تفعله بعض الفصائل الشيعية في العراق التي تستهدف دول الجوار الخليجي كلما طلبت منها إيران القيام بذلك، فجماعة الحوثيين لا تزال برغم كل التطورات والأحداث المتضاربة في عموم المنطقة تراهن على تفاهماتها مع الرياض بشأن "خارطة طريق" تم التوصل إليها برعاية الأمم المتحدة ودعم الرياض لإنهاء الصراع في اليمن، إلا أن تنفيذها تعذر بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 في قطاع غزة والرد الوحشي الإسرائيلي على ذلك الذي فاق جميع التوقعات وتجاوز كل القيم والقوانين والمثل والأخلاقيات، بحسب الأمم المتحدة ودول ومنظمات أخرى عديدة حول العالم.

وبالنظر إلى جذور وجوهر الصراع نجد أن الخلاف بين الجانبين الإيراني والغربي، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية أزليٌ ومزمنٌ ومعقد، ولا يمكن تخيل نهاية له إلا بتغير وليس الزوال المستحيل لأي من الطرفين، إيران التي لا تستطيع التغير في ظل حكم ولاية الفقيه، والولايات المتحدة التي تشهد صعودا متناميا للتيارات اليمينية المتطرفة. وبالتالي فإن مجمل النزاع الذي يهدد كامل الشرق الأوسط وحتى العالم لا يمكن التعامل معه سوى بالاتفاق على إدارته فقط بما يسمح للجميع بالتعايش معه ولو بالحد الأدنى من التوافقات والمصالح.

font change

مقالات ذات صلة