معتقلات دارفور... أي فظاعة بقيت في السودان؟

إن التأخر في الاعتراف ليس ترويا، بل هو اختيار العجز بذاته

أ.ف.ب
أ.ف.ب
عامل يجلس فوق أكياس من المواد الغذائية داخل عنبر في مستودع تابع لبرنامج الأغذية العالمي في مدينة بور، جنوب السودان، 13 فبراير2025

معتقلات دارفور... أي فظاعة بقيت في السودان؟

استقر الضمير الإنساني، منذ منتصف القرن الماضي، على يقين ظنه الجميع نهائيا، أن ثمة قاعا للهمجية لا يمكن النزول إليه مرة ثانية. كانت معسكرات الاعتقال النازية في أوشفيتز وبوخنفالد حد ذلك القاع: أبواب تطبق على بشر جردوا من أسمائهم وأحيلوا إلى أرقام، وعنابر تكدس فيها الأجساد حتى يختنق الهواء، وجثث تترك عمدا لتهين الأحياء قبل أن يكرهوا على مواراتها بأيديهم. ومن تحت ركام تلك المحارق نهضت البشرية لتقطع على نفسها عهدا صاغته في اتفاقيات جنيف وميثاق منع الإبادة وميثاق الأمم المتحدة الذي قطع على نفسه مهمة إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب. عهد اختصره العالم في كلمتين: "لن تتكرر" (Never Again) وهو العهد الذي كرره العالم مجددا بعد فظائع رواندا في تسعينات القرن الماضي.

غير أن هذا العهد الذي قطعته شعوب الأمم المتحدة على نفسها في لحظة الصدمة يبدو أنه يضيع الآن في متاهات النسيان. والرسالة التي رفعتها البعثة الدائمة لجمهورية السودان إلى رئاسة مجلس الأمن في الثاني عشر من يونيو/حزيران 2026 لم تكن مجرد شكوى عابرة في خضم حرب طاحنة، بل وثيقة دامغة، تحكي كيف يعاد إنتاج فظائع المحرقة حجرا بحجر وحرفا بحرف، في قلب القارة الأفريقية، وعلى مرأى من عالم متواطئ بالصمت، يواصل التذرع بحجج خاوية لا تستر عجزه ولا تخفي تقاعسه. فمن الاعتقال الجماعي على أساس الهوية، والتجويع الممنهج حتى الموت، وجثث تترك لتتفسخ في الأفنية، ثم- حين يبلغ الرعب منتهاه- إتجار بالأعضاء البشرية للأسرى، والمدافن السرية لما يتبقى من أجسادهم داخل أسوار المعتقلات طمسا للأثر. وليست هذه استعارات تستدعى للتهويل، إنها وقائع على الجرائم التي ترتكبها ميليشيا "الدعم السريع" وتسندها شهادات الناجين وصور الأقمار الاصطناعية وتقارير الأمم المتحدة واعتراف الجاني نفسه.

داخل منظومة الاعتقال الجماعي

توثق رسالة البعثة السودانية لنحو تسعة عشر ألفا وثمانمئة معتقل وأسير في سجن دغريس بنيالا وحده، بينهم آلاف من المدنيين ومئات من النساء وأطفال دون الثامنة عشرة. ولم تنفرد الحكومة السودانية بهذه الأرقام، فـ"المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام" وثق احتجاز ما لا يقل عن ستمئة وثلاث وأربعين امرأة في سجن "كوريا" بنيالا، وأحصت "شبكة أطباء السودان" مئات المدنيين في معتقلات الفاشر، بينهم أربعمئة وستة وعشرون طفلا وثلاثمئة وسبعون امرأة. وما يضع هذه الشهادات فوق مرتبة الادعاء أن قائد الميليشيا ذاته أقر علنا بأن "السجون ممتلئة، حتى سجن دغريس في نيالا ممتلئ تماما"، وهو إقرار يحول الاعتقال الجماعي من حادثة عارضة إلى سياسة معلنة. كما وثقت تقارير قيام طواقم صربية وكولومبية بنزع الأعضاء البشرية لهؤلاء الأسرى ثم حفظها وترحيلها بغرض الإتجار بها! وسابقا كانت شهادات عمال الإغاثة الإنسانية قد وثقت أن ميليشيا "الدعم السريع" قد قامت بسحب دماء المواطنين في الفاشر قسرا عند محاولتهم مغادرة المدينة.

ما يجري في دارفور ليس حربا متكافئة بين جيشين، بل هو مواجهة بين الدولة وبين مشروع فاشي يحاول ابتلاع الدولة وتتحقق فيه السمات الجامعة للفاشية، الواحدة تلو الأخرى

وقد نقلت الأمم المتحدة أن ما يزيد على ستة آلاف معتقل رحلوا من الفاشر إلى نيالا تحت تعتيم كامل للاتصالات، وأن مستشفى الأطفال في الفاشر تحول إلى مأوى احتجاز حشر فيه أكثر من ألفي رجل بلا ماء ولا طعام، يموت منهم عشرات في اليوم الواحد. أما وباء الكوليرا الذي تفشى في سجن شالا منذ مطلع فبراير/شباط، فيحصد، بحسب الرسالة، ما بين خمسة وعشرة قتلى أسبوعيا؛ وهو رقم تتجاوزه المصادر المستقلة التي سجلت في الفاشر ما يبلغ أربعين وفاة في اليوم، ومئتين وستين قتيلا في أسبوع واحد. وتصف الوثيقة كيف تترك الجثث أياما ثم يرغم المعتقلون على دفنها في فناء السجن الغربي، وكيف تمت تصفية خمسة عشر جريحا مدنيا في داخلية الرشيد بجامعة الفاشر بتهمة الانتماء إلى القوات المشتركة.

وثمة وجه من وجوه هذه المنظومة لا تحيط به أرقام المعتقلات وحدها، لأنه يجري في الظل الذي يخفي شناعة الجريمة: الاسترقاق الجنسي. لم يعد الأمر مجرد اعتداء يقع في فوضى المعركة، بل بات نظاما قائما بذاته. فقد وثقت منظمة العفو الدولية حالات استرقاق جنسي في الخرطوم إبان احتلالها بواسطة ميليشيا "الدعم السريع"، من بينها امرأة احتجزت في منزل شهرا كاملا تغتصب فيه كل يوم تقريبا؛ ووصفت الأمم المتحدة حالات لنساء وفتيات يختطفن ويحتجزن في"ظروف مهينة شبيهة بالرق"، يزوجن قسرا وتتم مساومة ذويهم على فدية تبلغ في بعض الحالات عشرة آلاف دولار. وما هو أفدح أن هذه التجارة تعدت حدود السودان إلى الدول المجاورة. كما تناول تقرير حول الاستعباد الجنسي في خور جهنم صادر عن "المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام" ظواهر الرق والاستعباد الجنسي التي تمارسها ميليشيا "الدعم السريع" في دارفور ووثق بحسب شهادات مصادر، الدور الإيجابي الذي تلعبه القوات المسلحة السودانية في تحرير المختطفات وتسليمهن إلى ذويهن، بما يكشف مجددا زيف المساواة التي يحاول المجتمع الدولي فرضها في السودان.

أ.ب
لاجئون عند الحدود بين تشاد والسودان قبل توجههم إلى مخيم تين للعبور في ولاية وادي فارا التشادية، 4 مايو 2025

إن ما يجمع التجويع والتعذيب والإتجار بالأعضاء والاسترقاق الجنسي ليس مصادفة في سلوك مقاتلين منفلتين؛ إنه منطق واحد يحكم المنظومة كلها: تجريد الإنسان من إنسانيته حتى يصير مادة قابلة للاستهلاك، جسدا يعذب، أو عضوا ينتزع، أو سلعة تباع. وحين يصبح هذا التجريد سياسة لا استثناء، فإن التسمية الدقيقة لما نشهده لم تعد مسألة بلاغة، بل مسألة وصف أمين.

ما الذي يحدث في مناطق سيطرة "الدعم السريع"

ما يجري في دارفور ليس حربا متكافئة بين جيشين، بل هو مواجهة بين الدولة وبين مشروع فاشي يحاول ابتلاع الدولة وتتحقق فيه السمات الجامعة للفاشية، الواحدة تلو الأخرى. لقد لخص أمبرتو إيكو وغيره من دارسي الظاهرة الفاشية سمات ناظمة لها: عبادة العنف والقوة الغاشمة بوصفهما مصدر الشرعية الوحيد، وتقديس زعيم أوحد، وقسمة البشر إلى "نحن" نقي و"هم" يستحق المحو، واحتقار الضعيف واستعذاب إذلاله، وتسخير الجهاز القائم آلة للموت الممنهج. ولا يحتاج المرء إلى تكلف ليرى هذه السمات منعكسة في الميليشيا التي تعيث فسادا في السودان.

بهذا لا يصبح العنف مجرد أداة تستخدمها الميليشيا، بل المبدأ المؤسس لشرعيتها السياسية والاجتماعية، وهو ما يضعها في تقاطع واضح مع السمات الجوهرية للحركات الفاشية التاريخية

ففي الإبادة الجماعية والاعتقال على أساس العرق الذي تمارسه الميليشيا، تتجلى قسمة البشر إلى مرتبتين؛ وقد سجلت تقارير الأمم المتحدة في توثيق ما حدث في الفاشر مخاطبة عناصر الميليشيا للمعتقلين بألفاظ "العبيد" و"الحمير"، وإكراههم على محاكاة أصوات الحيوانات قبل إعدامهم. وفي التجويع وترك الجثث وإرغام الأحياء على دفن موتاهم، يتجلى احتقار الكرامة الإنسانية بوصفه أداة إخضاع مقصودة وليس أثرا عرضيا للحرب. وفي الإعدامات الميدانية تتجلى عبادة العنف عارية من كل غطاء. أما في الإتجار بالأعضاء والاسترقاق الجنسي، فنبلغ ما لم تبلغه الفاشية الكلاسيكية حتى في أحلك معسكراتها: تحويل الجسد الإنساني إلى مادة أولية تستثمر ثم تمحى أو تباع.

أ.ف.ب
طالبة سودانية نازحة تنظر من خيمة في مدرسة ابتدائية يديرها التحالف السوداني للتعليم بالشراكة مع منظمة (اليونيسف)، جنوب بورتسودان، في 26 أبريل 2026

وفوق ذلك، تقوم الميليشيا على تقديس زعيم أوحد، وتعتبر أن حميدتي هو الأمير المخلص، وعلى اقتصاد دم تغذيه وتموله شبكة من الرعاية الخارجية، من المرتزقة الكولومبيين والصرب إلى رعاة إقليميين أكبر. وهنا يلتقي الوجهان: الفاشية في بنيتها الداخلية، والإرهاب في وظيفته الخارجية، إذ يُستهدف المدنيون، وتجوع المدن لإخضاعها، وينشر الرعب كأداة سياسية. وفوق آلة القتل ذاتها، تقوم الميليشيا على ركائز فاشية أكثر عمقا: تعبئة جماهيرية إثنية تقدم الصراع باعتباره حقا لجماعة في السيادة على غيرها، ومشروع شمولي يسعى إلى إخضاع المجتمعات الواقعة تحت سيطرته لمنطق القوة المجردة بديلا عن القانون، وترميز مستمر لحميدتي بوصفه القائد المنقذ الذي تتجسد فيه إرادة الجماعة ومصيرها. وبهذا لا يصبح العنف مجرد أداة تستخدمها الميليشيا، بل المبدأ المؤسس لشرعيتها السياسية والاجتماعية، وهو ما يضعها في تقاطع واضح مع السمات الجوهرية للحركات الفاشية التاريخية. وهنا فإن ميليشيا "الدعم السريع" لا تمارس العنف في أكثر تمظهرات توحشه فقط، بل تنتج تصورا سياسيا للسلطة والمجتمع قائما على الهيمنة الإثنية والعنف وشرعية القائد الأوحد. وليس عبثا أن لجنة برلمانية أميركية أقرت، في مايو/أيار 2026 وبأغلبية ساحقة، إدانة الإبادة التي ترتكبها الميليشيا في دارفور، ودعت إلى تصنيفها منظمة إرهابية؛ فالأدلة لم تعد محل خلاف؛ المتأخر هو الاعتراف، لا البرهان.

الجريمة الثانية… حين يتقن العالم لغة الصمت

غير أن ثمة جريمة ثانية ترتكب فوق الأولى، لا في معتقلات نيالا والفاشر هذه المرة، بل في قاعات الدبلوماسية ومنابر "الحياد" الإعلامي: جريمة التكافؤ الزائف. تلك المعادلة الكسولة التي تسوي بين الجلاد والضحية، وتتحدث عن "طرفي النزاع" كأن من يدير منظومة الموت ومن يقع تحت رحاها سواء. وليس هذا التكافؤ حيادا كما يزعم؛ إنه انحياز مقنع إلى جانب القوة، لأنه يمنح الجلاد ما يصبو إليه: غطاء سياسيا يحيل جريمته الموثقة إلى "وجهة نظر" قابلة للتفاوض.

في مواجهة السؤال الذي لا مفر منه في لحظة الحقيقة، فإن السودان لا يستجدي شفقة، ولا يلتمس بيانا جديدا يضاف إلى ركام البيانات

وحين يكتفي العالم بـ"الإعراب عن القلق" إزاء إبادة موثقة بالأقمار الاصطناعية وشهادة الناجي وإقرار الجاني، فإنه لا يقف على مسافة واحدة من الطرفين؛ إنه يصطف بصمته في خانة دعم الإفلات من العقاب. لقد نظرت البشرية إلى دخان المحارق وقطعت عهد "لن يتكرر". واليوم تتكرر الصورة بتفاصيلها- العنابر، والأرقام بدل الأسماء، والجثث في الأفنية، والأجساد التي تباع- ويجيب العالم بمفردات مصقولة عن "ضبط النفس" و"خفض التصعيد". وكثير من مراكز صناعة القرار في المجتمع الدولي لا تكتفي بذلك، بل تمضي إلى ما هو أبعد في سعيها لإدانة الحكومة التي تدافع عن شعبها، والشعب الذي يدافع عن دولته في وجه عدوان الميليشيا، إرضاءً لنفوذ الداعم الإقليمي للميليشيا.

في حضرة الفجيعة

في مواجهة السؤال الذي لا مفر منه في لحظة الحقيقة، فإن السودان لا يستجدي شفقة، ولا يلتمس بيانا جديدا يضاف إلى ركام البيانات. إنه يضع أمام الضمير العالمي سؤالا واحدا، مجردا من كل مجاملة: أية فظاعة بقيت كي ترتكبها هذه الميليشيا حتى يعترف العالم بطبيعتها الفاشية والإرهابية؟ لقد ارتكبت الإبادة على أساس العرق، والاعتقال الجماعي، والتجويع المنهجي، والتعذيب، والإعدام الميداني، والإتجار بالأعضاء، والاسترقاق الجنسي، وبيع البشر في الأسواق. فأي بند من بنود التعريف لم يستوف بعد؟ وأي دليل ينتظره من يملك أن يسمي الأشياء بأسمائها؟

أ.ب
عنصر مسلح من "قوات الدعم السريع" يقف فوق مركبة عسكرية خلال تجمع قبلي في ولاية شرق النيل بالسودان

إن التأخر في الاعتراف ليس ترويا، بل هو اختيار العجز بذاته؛ والتكافؤ الزائف ليس اعتدالا، بل تواطؤ يرتدي ثوب الإنصاف. ثمة بابان لا ثالث لهما: باب يقف عنده المرء حيث وقف من حرروا المعسكرات، فسمى الجلاد جلادا والضحية ضحية والجريمة جريمة؛ وباب يقف عنده حيث وقف من رأوا الدخان يتصاعد فأداروا وجوههم وتحدثوا عن "تعقيدات المشهد". والتاريخ، في النهاية، لن يرحم المحايدين في وجه الإجرام؛ لأنه سيتذكر عواقب خياراتهم.

font change