هدنة ترمب مع إيران تترك إسرائيل خارج الاتفاق

اتفاق مؤقت في أفضل الأحوال

المجلة
المجلة

هدنة ترمب مع إيران تترك إسرائيل خارج الاتفاق

ما كاد الحبر الإلكتروني يجف حتى كانت إسرائيل قد حسمت رأيها في الاتفاق الآخذ في التشكل. "صفقة سيئة"، هكذا جاء العنوان الرئيس في "يديعوت أحرونوت" في 14 يونيو/حزيران، بكلمتين عبريتين مباشرتين اختزلتا المزاج الوطني بإيجاز يشبه نقشا على شاهد قبر.

ولغضب إسرائيل ما يبرره. فمع أن معالم الاتفاق لم تكن قد كشفت بعد في ذلك الوقت، كان واضحا أن الولايات المتحدة تقدم تنازلات ملموسة منذ البداية، في مقابل وعود إيرانية غامضة. يعاد فتح مضيق هرمز. يرفع الحصار البحري الأميركي. تحصل إيران على تخفيف اقتصادي كبير، بما في ذلك الإفراج عن مليارات من الأصول المجمدة. لكن في القضايا الثلاث التي تؤرق الاستراتيجيين الإسرائيليين فعلا، يؤجل الاتفاق، ويراوغ، ويعد بجولة محادثات لاحقة لا يعول عليها إلا السذج. يحمل الاتفاق، أو مذكرة التفاهم، طابعا "ترمبيا" واضحا: صفقة تبدأ بمرحلة أولى "خفيفة"، وتدفع كل ما عدا ذلك إلى مرحلة ثانية يرجح أن لا تأتي أبدا.

وبالنسبة إلى إسرائيل، التي قاتلت إلى جانب الولايات المتحدة لإضعاف الجمهورية الإسلامية، بل حتى لإسقاطها، وكانت تتوقع أن ترى هذا الإضعاف مثبتا في تسوية دائمة، يمثل ذلك انتكاسة صريحة.

اختلال التوازن في التنازلات

تكشف بنية مذكرة التفاهم اختلالا عميقا في التوازن: تقدم الولايات المتحدة منذ البداية كل تنازل تستطيع تقديمه، في مقابل التزامات أضعفتها الحرب أصلا، أو أرجئت تعاقديا إلى مفاوضات ثانية قد لا تأتي أبدا.

هذا ما يقصده المسؤولون الإسرائيليون عندما يتحدثون عن اتفاق صيغ لمصلحة طهران. كانت الخطوط الحمراء الإسرائيلية واضحة دائما: أن لا يبقى يورانيوم مخصب على الأراضي الإيرانية، وأن لا تبقى بنية تحتية سليمة للتخصيب، وأن تفرض قيود على الصواريخ الباليستية، وأن تقطع الشرايين المالية التي تغذي "حزب الله" والحوثيين وما تبقى من "حماس". أعلن نتنياهو النقاط الأربع كلها علنا في فبراير/شباط 2026، حين قال أمام مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى: "ينبغي أن لا تكون هناك قدرة على التخصيب، لا وقف عملية التخصيب، بل تفكيك المعدات والبنية التحتية التي تتيح لكم التخصيب من الأساس".

بينما استطاعت إيران أن تظهر صبرا استراتيجيا، أظهر ترمب العكس تماما، أي نفاد صبر استراتيجي

لا يكتفي الاتفاق بعدم تلبية هذه المطالب، بل يتجاهل معظمها. فالمسألة النووية، وهي القضية الوحيدة المذكورة بالاسم في المسودة، تؤجل إلى "اتفاق نهائي" يفترض التوصل إليه خلال "المرحلة الأولى" من المذكرة، أي خلال 60 يوما أو أكثر إذا اتفقت الأطراف. وفي الأثناء، يبرز الاتفاق تعهد إيران بأن لا تحصل أبدا على أسلحة نووية، وأن تحافظ على الوضع القائم. ولأن الاتفاق مؤقت، يبدو حتى هذا "الوضع القائم" غير محدد بدقة: من يضمن أن تحافظ إيران فعلا على هذا التوقف النووي؟ وما طبيعة هذا الوضع القائم أصلا؟ وماذا يحدث إذا خرقت إيران التزامها؟ لا يصلح اتفاق غامض وغير قابل للإنفاذ وصفة للنجاح. كان يمكن قبول ذلك كله لو أن مذكرة التفاهم كانت، واقعيا، مسارا تمهيديا نحو "اتفاق نهائي"، كما يفترض بها أن تكون. لكن هذه الاتفاقات المؤقتة تعرف كيف تطيل إقامتها.

أ.ف.ب
لقطة من فيديو نشره حساب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على تويتر، تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب وماكرون خلال توقيع الاتفاق مع إيران لإنهاء الحرب في قصر فرساي، باريس في 18 يونيو 2026

وهذا هو الجزء الذي يتناوله الاتفاق. أما كل ما عداه، أي الأذرع والصواريخ، فلا يؤجل حتى بلباقة إلى "مرحلة ثانية" يرجح أن لا تأتي أبدا، بل يستبعد ببساطة من الطاولة. وما يوجد على الطاولة هو انسحاب أميركي من "المناطق المحيطة"، إلى جانب رفع الحصار الأميركي. والأهم أن المذكرة تتعهد بمنح إعفاءات أميركية لصادرات النفط الخام الإيرانية، وبالإفراج عن أموال مجمدة أو مقيدة. لا تزال المبالغ الدقيقة غير واضحة، ويلمح الاتفاق إلى قدر من المشروطية: لن يفرج عن الأموال إلا إذا تحقق "تقدم" نحو اتفاق نهائي. لكن البنية الأساسية واضحة: تقديم تنازلات مادية منذ البداية، في مقابل "تقدم" غامض وغير ملموس نحو اتفاق لا يغطي أصلا كل القضايا التي تقلق إسرائيل.

نفاد الصبر الاستراتيجي

ما يسند هذا الاختلال يتجاوز نص مذكرة التفاهم نفسها. فبينما استطاعت إيران أن تظهر صبرا استراتيجيا، أظهر ترمب العكس تماما، أي نفاد صبر استراتيجي. وبعبارته في "فن الصفقة": "أسوأ ما يمكن أن تفعله في صفقة هو أن تبدو يائسا لإبرامها". ومن وجهة نظر إسرائيل، فقد الرئيس نفوذه عبر رضوخه المتزايد للضغط الإيراني، وإظهاره أنه سيكون أول من يتراجع.

ما يبدو واضحا لإسرائيل، سواء وافقت واشنطن أم لا، هو أن هذه ليست ببساطة آخر جولات الصراع بينها وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية

بالطبع، ينطوي هذا على قدر من التبسيط المفرط. فبمجرد أن تحولت الحرب من حملة قصف عالية الكثافة إلى حرب استنزاف، تضع حصارا أميركيا في مواجهة حصار إيراني، أصبحت الجغرافيا قدرا. كان يمكن لأي مخطط استراتيجي أكثر جدية، أو ببساطة لأي شخص تابع تمارين السيناريوهات السابقة، أن يرى المسار المقبل: إذا فشلت المرحلة الافتتاحية، التي صممت بوصفها ضربة سريعة وكاسحة لقطع رأس الجمهورية الإسلامية، فإن الصراع سيتحول حتما إلى اختبار إرادات يتمحور حول هرمز. ومع ذلك، لا يبدو أن واشنطن درست هذا الاحتمال بجدية، وربما لم تكن لدى إسرائيل حوافز كبيرة لفرض النقاش فيه. أراد ترمب عملية خاطفة على غرار فنزويلا، ورضيت إسرائيل بتشجيع هذا الوهم. وحين انهار الوهم، أصبحت الخيارات قاسية: التصعيد عبر الالتزام بتدخل بري كان سيحول ما أريد له أن يكون حربا خاطفة إلى "حرب أبدية"، أو الاستعداد لاختبار وحشي لقدرة الطرفين على تحمل الألم، وهي لعبة خطيرة ضد نظام مستعد لتحمل خسائر هائلة بين أبناء شعبه، أو الانسحاب بما يمكن إنقاذه.

.أ.ف.ب
الرئيس الإيراني مسعود بزكجيان يستعرض اتفاق إيقاف الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، 18 يونيو 2026

ليس مفاجئا أن يختار الرئيس ترمب الخيار الأخير، لكنه خيار له تبعاته أيضا. تجعل مذكرة التفاهم في إسلام آباد من الصعب على أي إدارة أن تتفاوض على اتفاق نهائي "جيد". أما بالنسبة إلى إدارة أظهرت لتوها نفاد صبر استراتيجي، فتصبح المهمة شبه مستحيلة. كذلك فقد التهديد باستخدام القوة حدته. فرغم أن الجمهورية الإسلامية خرجت مثخنة، فإنها ترى في البقاء انتصارا، وستكون أقل قابلية للانصياع تحت تهديد عمل عسكري متجدد. ومع تراجع حدة التهديدات العسكرية، وتلاشي العقوبات الاقتصادية، واحتمال انتقال رئيس أميركي إلى ملف آخر، لا يرجح أن يكون "الاتفاق النهائي" جيدا لإسرائيل. وبعبارة أخرى، يرجح أن تتحول "الصفقة السيئة"، وإن كانت مؤقتة، إما إلى "صفقة أسوأ وأطول أمدا"، وإما إلى لا صفقة إطلاقا. ولا شك في الخيار الذي يفضله نتنياهو بين هذين الاحتمالين.

إسرائيل خارج الاتفاق

ما يبدو واضحا لإسرائيل، سواء وافقت واشنطن أم لا، هو أن هذه ليست ببساطة آخر جولات الصراع بينها وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية. تغلق مذكرة التفاهم جولة أخرى من العنف، لكنها ستُرى على الأرجح من جانب إسرائيل، ومن جانب معظم القيادة الجديدة في إيران نفسها، بوصفها توقفا مؤقتا للصراع وليس نهاية له.

تقف إسرائيل خارج الاتفاق، بكل ما في ذلك من مكاسب وأثمان. وقد انتقد الرئيس ترمب علنا الضربات الإسرائيلية في بيروت، فيما سربت إلى الصحافة محادثات مع "بيبي" تخللتها شتائم

الاتفاق سيئ، لكن الصورة الاستراتيجية الأوسع ليست كذلك. تستطيع إسرائيل والولايات المتحدة الآن العمل داخل إيران متى شاءتا. رأت طهران أحد أبرز أذرعها، "حزب الله"، يتلقى ضربات إلى حد قلب المعادلة واضطرار طهران إلى إنقاذه. وقبل أشهر، ارتكبت الجمهورية الإسلامية واحدة من أكثر المجازر رعبا واتساعا التي ارتكبتها حكومة في حق شعبها. لم ينس الإيرانيون ذلك. تحصل الجمهورية الإسلامية على طوق نجاة، لكن اقتصادها سيحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير كي يتعافى. كما سيضمن الفساد والجشع أن لا يستفيد الإيراني العادي، فيما يواصل "الحرس الثوري"، الذي تزداد قوته، ترسيخ قبضته على اقتصاد البلاد المترنح. وستستمر الفجوات في الاتساع بين زمرة رجال النظام ومن هم خارجه، على نحو لا يمكن أن يستمر من دون إعادة ترتيب شاملة.

أ.ب
الرئيس دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل صعوده على متن طائرة الرئاسة "إير فورس ون" في مطار بن غوريون الدولي، 13 أكتوبر 2025، بالقرب من تل أبيب

وتجد إسرائيل نفسها خارج الاتفاق أيضا. صحيح أن "بيبي" لا يستطيع أن ينتقد الاتفاق مباشرة، ولا يستطيع أن يهاجم ترمب كما هاجم أوباما. ففي نهاية المطاف، أطلق حرب إيران بالاشتراك مع زعيم أميركي ينظر إليه باعتباره أحد أكثر الرؤساء دعما لإسرائيل في تاريخ الولايات المتحدة، وربما على نحو غير دقيق. ولا يكاد يستطيع نتنياهو أن ينتقد النتائج بعدما رمى النرد، على الأقل ليس بهذه السرعة. ومع ذلك، نجح في خلق هامش مناورة في لبنان، حيث لا تزال القوات الإسرائيلية تعمل، وحيث يعرقل "حزب الله" محاولات الحكومة اللبنانية التفاوض على اتفاق. وعلى نحو أوسع، صيغ الاتفاق بطريقة تجعله مؤقتا في أفضل الأحوال.

تقف إسرائيل خارج الاتفاق، بكل ما في ذلك من مكاسب وأثمان. وقد انتقد الرئيس ترمب علنا الضربات الإسرائيلية في بيروت، فيما سربت إلى الصحافة محادثات مع "بيبي" تخللتها شتائم. لا يستطيع أحد أن يقول إن إسرائيل توسطت في الاتفاق، ولا إنها أيدته. وفي الواقع، يشير تقرير لقناة "i24" إلى أن واشنطن ربما رفضت حتى عرض مسودة مذكرة التفاهم على إسرائيل عندما طلبت ذلك. ومن دون قبول إسرائيلي، لا يوجد أيضا التزام إسرائيلي بالتقيد باتفاق لم تكن تريده. وبالنسبة إلى إسرائيل، ليست المسألة "وداعا"، بل "إلى اللقاء في الجولة المقبلة".

font change