صوت يخترق الصفوف الخلفية!

صوت يخترق الصفوف الخلفية!

استمع إلى المقال دقيقة

لو قيل افتراضا: من تتوقع أن يستمع إلى علي خامنئي- بمظهره الكلاسيكي وهو يتكئ على سلاح دراغانوف- إن خرج على قناة فضائية يسوغ قصف إيران لدول الخليج وسقوط ضحايا مدنيين لا شأن لهم بأطماعه وبرنامجه النووي؟ أو متى انطلق إلى الحديث في تبرير اعتداءاته في سوريا والعراق؟ حينها لن يؤثر إلا في عدد قليل من فئة محسوبة عليه سلفا، ولا تكاد تشكل نسبة تذكر أمام جموع الجماهير التي يستهدفها الإعلام، وهنا تأتي البدائل بحمل ذلك إلى قنوات القوة الناعمة، تلك التي لا ترتدي عمائم، ولا تمتشق أسلحة، ولا تتحدث بطريقة فجة في مطالبها، لا تصرخ- كما هو المعهود- من خطاب الثورة، بل تظهر بنظارة، بلا زي قومي، تتحدث بإيقاع هادئ، بخطاب يتخطى خطوط النار، إلى الصفوف الخلفية، فيصل إلى شريحة أوسع، هدفه التأثير بالنفسيات والعقول، لتمرير دعاية سياسية!

لقد عرف مسرح الدعاية السياسية الكثير من الأساليب من مطلع القرن العشرين، حين استخدم الأدب لتمرير الدعاية فكان الروس ينشرون أعمالا مثل روايات نيكولاي أوستروفسكي، وألكسندر فادييف لتمجيد خطاب الثورة الشيوعية، وفي المقابل نشر البريطانيون أعمال جورج أورويل، وآرثر كويستلر لمناهضة الدعاية الاشتراكية الثورية، فتنافس الجميع في ذلك الوقت على إظهار دعايتهم في الأدب، ثم تنافسوا في ترشيح تلك الأعمال وتوزيع الجوائز الأدبية عليها في العالم، ولم يكن سرا أن تتورط وكالة المخابرات المركزية الأميركية في ذلك دفاعا عن قيمها الرأسمالية، في مقابل تلك الأعمال التي دعمها الاتحاد السوفياتي.

لكن زمن قراءة مطولات الأدب لتمرير الدعاية قد ولى، ولم يعد يقبل في الصحافة ذلك المسلك الذي سلك في التسعينات بتقديم عدة تقارير صحافية عن الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية، فتلك دعاية كما يقال للاستهلاك المحلي، وتتوقف عند خطوط النار الأولى، حتى جاء زمن الإعلام المرئي، فتطالع على الشاشة من لا يبدو إيرانياً في هيئته ولا يرطن بالفارسية، إنما يقدم كباحث ويتحدث العربية حتى إنه يبدي تعاطفه مع السوريين أحيانا ويقر بخطأ التورط الإيراني العسكري في سوريا، بعد أن أصبحت تلك المرحلة من الماضي، وفي الوقت نفسه ينافح عن منطق الاعتداء على دول الخليج وتعريض سكانها والمقيمين فيها للخطر بالصواريخ الإيرانية، بحجة محاربة النفوذ الأميركي، فهي آلية نفسية متبعة للتأثير على المشاهد باستعمال عناصر إلهاء، قوامها: نعم! أخطأت إيران في الماضي، لكنها الآن في وضع مختلف.

من الواجب الاستراتيجي في الإعلام الذي يمثل مصالح دول الخليج، تطوير الخطاب الإعلامي ليرقى بدعاية سياسية لا تكتفي بالمنطق الدفاعي مقابل حجج الخصم


عنصر الإلهاء هو نفسه الذي يجعل المتحدث بلباقة يقفز إلى الحديث عن غزة وما تعرضت له من قصف في قضيته السياسية التي يدافع عنها للمصالح الاستراتيجية الإيرانية، رغم أن غزة نفسها كانت ضحية لتلك المصالح، فبعد أن غومر بها وبقضية فلسطين العادلة، رفعت إيران يدها عن الاستثمار بأي ارتباط بين غزة والحرب على إيران، بل إن وزير الخارجية الإيراني عراقجي كان قد نشر صورة في حسابه على منصة "إكس" تشير إلى ارتباط ملف "حزب الله" في لبنان والمفاوضات الأميركية مع إيران، وفي التسريبات التي جاءت أثناء تلك المرحلة أظهرت انزعاج ترمب من نتنياهو لقصف الأخير للبنان، تبعا لمطالبة الإيرانيين بوحدة التهدئة في إيران ولبنان، إلا أن قضية غزة لم تكن حاضرة أبدا على طاولة المفاوض الإيراني، إذ قدر أنها ملف احترق خارج مجال حربه أو مفاوضاته، ولذلك فإن استمرار الحصار والتقدم الإسرائيلي للسيطرة على غزة بعد أن طالب نتنياهو بتوسيع السيطرة لتشمل 70 في المئة من مساحة القطاع المنكوب، فلم يكن لذلك من تأثير في المناورة السياسية الإيرانية مثلما حدث حين قصفت إسرائيل الضاحية في بيروت! ومع ذلك ارتكزت الدعاية السياسية على استغلال عنصر غزة، واخترق شررها الخطوط الدفاعية للكثير من الجماهير في دول عربية حتى صار الكثير منهم مغيبا يردد الادعاء بأن إيران تناصر غزة، وأن محورا واحدا قد جمعهما!

لقد طبع الخميني كتابه "كشف الأسرار" في الأربعينات من القرن الماضي، وردّ فيه على من وصفهم بالعلمانيين الإيرانيين وهم المعارضون لكثير من المشاريع التي حملها الخميني، حينها اتهم الخميني خصومه باستيراد دعاية وهابية، إذ وصف هؤلاء المعارضون الإيرانيون للخميني دعاء الأموات بالخرافة والشرك، كان حينها يمكن مجابهة ذلك المد واختراق خطوطه الدفاعية بكلام للشرعيين، ذلك هو الزمن الذي تنافس فيه أورويل، وأوستروفسكي! ولكنّ لكل زمن دولة ورجالا، فقد كان الخطاب القديم يؤثر حتى في قطاعات علمانية إيرانية تلقي بحججها في وجه الخميني، ولكن الذي برزت فيه إيران في هذه الحرب هو ذلك الذي يمارس القوة الناعمة بنظارة وهدوء، يأخذ ويرد، ويربط بين ملفات منفردة، أو يفك ارتباط بعضها ببعض، يكتب مقالاته بالعربية والإنجليزية، بل تجده يخرج على قناة في دولة عربية تتعرض للقصف الإيراني! بعد فقدان مصداقية الخطاب الرسمي الإيراني عند كثير من الشعوب، ولذلك فإن من الواجب الاستراتيجي في الإعلام الذي يمثل مصالح دول الخليج، تطوير الخطاب الإعلامي ليرقى بدعاية سياسية لا تكتفي بالمنطق الدفاعي مقابل حجج الخصم، بل طرح خطاب يستطيع أن يشكل صوتا يصل إلى الصفوف الخلفية.

font change