هل يكون قاليباف غورباتشوف إيران؟

هل يكون قاليباف غورباتشوف إيران؟

استمع إلى المقال دقيقة

يثير التفاوض المباشر بين الولايات المتحدة وإيران ردود فعل غاضبة داخل أروقة النظام الإيراني، ويضع ثلاثي التفاوض (محمد باقر قاليباف، وعباس عراقجي، وإسماعيل بقائي) في مواجهة عنيفة مع الجناح الراديكالي المحافظ، لكن الثلاثي مستمر في طريق التفاوض من إسلام آباد إلى إيفيان ثم بورغنشتوك، غير عابئ بما يجري في طهران.

رغم أنه في بعض الأحيان، يضطر إلى شرح الأسباب الموضوعية التي دفعت النظام إلى خيار التفاوض، وتقديم تطمينات وتفسيرات عن أسلوب التفاوض الجديد، لجهة عدم تعارضه مع الثوابت والقواعد الشرعية التي أوصى بها "المرشد" الراحل علي خامنئي.

بالعودة قليلا إلى الوراء، فقد أدت عملية اغتيال "المرشد" السابق علي خامنئي التي نفذتها الطائرات الأميركية يوم 2 مارس/آذار الماضي، ثم موجات اغتيال القادة الكبار التي أعقبتها على مدى 38 يوما من الحرب، إلى حدوث فراغ في الهيكل القيادي للنظام، وكان لا بد من ملء الشواغر على الفور قبل أن يتحوّل الفراغ إلى هاوية تبتلع النظام، وقد سمح هذا الظرف الطارئ والخطير لشخصيات برغماتية كانت "معطّلة عن العمل" سابقا، بتصدّر المشهد السياسي ولعب أدوار مصيرية، فكان أن أزاحت أولا الكتلة المتشددة من سدّة القرار، ثم أنهت الانقسام السياسي التقليدي بين التيارين الإصلاحي والأصولي، وتركت المساحة مفتوحة للعبة التفاوض فقط.

يزعم المفاوضون الجدد أن "المرشد" الراحل لم يكن يعارض التفاوض المباشر وتطبيع العلاقات التجارية وحتى السياسية مع واشنطن لمجرد المعارضة فقط، بل كان يشترط للقيام بذلك سلوكا محترما من جانبها، وهو شرط يجدون أنه تحقق اليوم.

كما يدّعون أنهم دخلوا المفاوضات بمباركة من "المرشد" الحالي مجتبى خامنئي، وانطلاقا من المصلحة العامة الاقتصادية والمعيشية والواجب السيادي، وأنهم يركّزون على تحقيق مهمّتين وطنيتين تُكمل إحداهما الأخرى: الاستقرار السياسي والانتعاش الاقتصادي.

من جهته، يبرر رئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف التفاوض المباشر بقوله: "لقد بلغنا ذروة انعدام الثقة بهم (أي الأميركيين) لكننا الآن في وضع يسمح لنا بتحصيل مستحقّاتنا"، ويعد الإيرانيين بأنه خلال مهلة الستين يوما المخصصة لإتمام الاتفاق، سيرون آثاره الجيدة تنعكس على حياتهم اليومية.

في معظم الأحيان، بعدما تنتهي الأنظمة الأيديولوجية من دحر التهديد الخارجي، ينقلب التهديد إلى الداخل ويتحوّل إلى صراع بين النخب الحاكمة


في أفضل ظروفه، إذا تمكّن الاتفاق من إنعاش الاقتصادي الوطني، بعدما نجح في وقف الحرب، سيمنح النظام فرصة جديدة لإعادة بناء نفسه، إذ إن زيادة نسبة عائدات النفط، وتوسيع رقعة العمليات التجارية، وتسييل الأموال المجمّدة، ورفع القيود المالية ولو جزئياً، وغيرها من المفاعيل الاقتصادية للاتفاق، من شأنها أن تضخ دماء جديدة في شرايينه.

أما في أسوأ ظروفه، فقد يمهّد الطريق لظهور انقسامات جديدة داخل بنية السلطة، ذلك أن الأزمة الحقيقية التي تواجه النظام الإيراني داخلية، ولن تزول بمجرد زوال الضغوط الخارجية.

ففي معظم الأحيان، بعدما تنتهي الأنظمة الأيديولوجية من دحر التهديد الخارجي، ينقلب التهديد إلى الداخل ويتحوّل إلى صراع بين النخب الحاكمة. وفي الحالة الإيرانية، يظهر جلياً أن التفاوض المباشر حوّل الخلاف بين الجناح الراديكالي والمفاوضين الجدد من مجرد تباين أيديولوجي إلى أزمة وجودية. بحيث تتواجه الآن على قمة جبل النظام  قوّتان جبّارتان، واحدة تسعى إلى استمرارية النظام من خلال نوع من البرغماتية السياسية وإعادة الهيكلة الاقتصادية (البيريسترويكا)، وأخرى تعرّف شرعية النظام بالحفاظ على قواعد أيديولوجية صارمة والتمسك بخطاب الموت لأميركا.

خلال أيام الحرب، أغلقت إيران مضيق هرمز، وفرضت الولايات المتحدة بالمقابل حصاراً بحرياً على موانئها، أدى إلى تعطيل صادراتها النفطية ووارداتها من السلع الأساسية، فشهدت الأسواق تضخما غير مسبوق وارتفاعا فاحشا في الأسعار، وبطالة واسعة النطاق. هذا الواقع، دفع القادة الجدد إلى إعادة النظر في ثوابت "المرشد" الراحل، فرأوا أن بقاء النظام في هذه المرحلة هو القضية الوحيدة المهمة، وأن التصلب لن ينجح في إنقاذه، فاتخذوا القرار بالانقلاب على تلك الثوابت، وبدأوا نهجا جديدا بالتفاوض.

في هذه الأثناء برزت شخصية قاليباف، الضابط الطيّار في تنظيم "الحرس الثوري"، الذي وجد نفسه فجأة يقود جلسات تفاوض وجها لوجه مع ما تصفه إيران بـ "الشيطان الأكبر"، برغم خلفيته المحافظة، ويحظى بثناء لافت من الرئيس الأميركي دونالد ترمب باعتباره "قائداً جيداً".

يشبّه الراديكاليون المعارضون للتفاوض المباشر قاليباف برئيس الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف، ويرون أن مذكرة التفاهم التي وقّعها- والتي تنص الفقرة السادسة منها على أن تستثمر الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون اقتصاديا في إيران- هي بيريسترويكا قاليبافية مشؤومة، ستنقل النظام من التعافي الاقتصادي التدريجي إلى التفكك السياسي التدريجي.

font change