قمة السبع... كيف يختبر الذكاء الاصطناعي ثقة الحلفاء؟

من الرقائق إلى النماذج المتقدمة

Neil Webb
Neil Webb

قمة السبع... كيف يختبر الذكاء الاصطناعي ثقة الحلفاء؟

لم تعد قضايا الذكاء الاصطناعي تطرح داخل المنتديات الدولية بوصفها ملفا تقنيا أو اقتصاديا منفصلا عن السياسة. فقد أظهرت قمة مجموعة السبع التي انعقدت في مدينة إيفيان لي بان الفرنسية أن النماذج المتقدمة أصبحت جزءا من معادلة القوة الاستراتيجية بين الدول، وأحد عناصر التنافس على النفوذ والأمن والسيادة الرقمية.

وقد عكس حضور قادة شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى إلى جانب قادة الدول هذا التحول بوضوح. فمشاركة شخصيات مثل سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي"، وداريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك"، وديميس هاسابيس من "غوغل ديب مايند"، وآرثر مينش، رئيس شركة "ميسترال إيه آي"، لم تكن مجرد حضور بروتوكولي. بل عكست طبيعة العلاقة الجديدة بين الحكومات والشركات التي تطور النماذج الأكثر تقدما، إذ باتت هذه الشركات طرفا مباشرا في النقاش حول الأمن والتنظيم والوصول إلى القدرات التقنية الحساسة.

تأتي هذه القمة امتدادا لمسار بدأته مجموعة السبع منذ عام 2023 عبر ما عرف باسم مسار هيروشيما للذكاء الاصطناعي، الذي ركز على وضع مبادئ إرشادية ومدونة سلوك طوعية لمطوري النماذج المتقدمة. غير أن النقاش الحالي بدا أكثر انتقالا من المبادئ العامة إلى قضايا عملية أشد حساسية، تتعلق بحق الوصول إلى أقوى النماذج، ومعايير الثقة بين الدول والشركات، وحدود قدرة الحكومات على تنظيم تكنولوجيا تطورها جهات خاصة تمتلك النماذج والبيانات والبنية التحتية.

تكشف المناقشات حول الذكاء الاصطناعي داخل قمة السبع عن ثلاث قضايا رئيسة متداخلة، تتعلق الأولى بالتحكم في الوصول إلى النماذج المتقدمة ومنح استخدامها لدول أو مؤسسات بعينها، والثانية بموقع أوروبا بين الحاجة إلى التكنولوجيا الأميركية والسعي إلى بناء استقلال رقمي أكبر. أما الثالثة فتتمثل في الدور المزدوج لشركات الذكاء الاصطناعي، التي تطور النماذج الأكثر قوة، ثم تطالب الحكومات بوضع قواعد لتنظيمها.

الوصول إلى النماذج المتقدمة

برزت قضية الوصول إلى النماذج المتقدمة بعد قرار أميركي حد من قدرة غير الأميركيين على استخدام أحدث نماذج شركات "أنثروبيك"، "فابل 5" و"ميثوس 5"، بدعوى اعتبارات مرتبطة بالأمن القومي. ووفق ما طرحته الشركة، أدى القرار إلى تعطيل واسع لهذين النموذجين، لأن القيود استهدفت وصول الأجانب إليهما.

يعكس هذا القرار تحولا في طريقة التعامل مع الذكاء الاصطناعي المتقدم. فهذه النماذج لم تعد تعامل كخدمات رقمية عامة، بل كقدرات يمكن أن تحمل أبعادا أمنية وسيبرانية، خاصة عندما تكون قادرة على البرمجة، وتحليل الأنظمة، واكتشاف الثغرات، والمساعدة في مهام فنية عالية الحساسية.

تكشف هذه الصيغة عن تحول أوسع داخل العلاقات التكنولوجية الغربية، فالوصول إلى النماذج المتقدمة قد لا يكون متساويا بين جميع الحلفاء، بل قد يتدرج بين وصول كامل، ووصول محدود، واستبعاد من بعض القدرات الحساسة

أثار القرار إشكالية داخل مجموعة السبع، لأنه لم يميز بوضوح بين الخصوم والحلفاء. فالدول الأوروبية، وفي مقدمها فرنسا، نظرت إلى هذه القيود باعتبارها قد تؤثر في قدرتها على استخدام النماذج المتقدمة في مجالات دفاعية وحمائية، مثل الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الحيوية. ومن هذا المنطلق، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى توسيع الوصول إلى نموذج "ميثوس"، ليس بوصفه أداة تجارية فقط، بل باعتباره قدرة يمكن أن تساعد في حماية شبكات الطاقة والمياه والاتصالات والصحة.

وظهرت فكرة "الشركاء الموثوق بهم" كصيغة وسطية بين القيود الأميركية والمطالب الأوروبية. تقوم هذه الصيغة على عدم إتاحة النماذج المتقدمة للجميع، وفي الوقت نفسه عدم إغلاقها بالكامل أمام الحلفاء. بدلا من ذلك، يمكن السماح لدول أو مؤسسات محددة بالوصول إلى النماذج، وفق شروط استخدام ورقابة ومعايير ثقة يتم الاتفاق عليها.

تكشف هذه الصيغة عن تحول أوسع داخل العلاقات التكنولوجية الغربية، فالوصول إلى النماذج المتقدمة قد لا يكون متساويا بين جميع الحلفاء، بل قد يتدرج بين وصول كامل، ووصول محدود، واستبعاد من بعض القدرات الحساسة. وبذلك لا يصبح السؤال مقتصرا على التنافس بين الغرب والصين، بل يمتد إلى داخل المعسكر الغربي نفسه، فمن يعد شريكا موثوقا به بما يكفي لاستخدام أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي؟ ومن يبقى مستخدما للتكنولوجيا دون الوصول إلى طبقاتها الأكثر حساسية؟

يمنح هذا الوضع الولايات المتحدة نفوذا إضافيا. فهي لا تمتلك فقط الشركات الرائدة والنماذج الأكثر تقدما، بل تمتلك أيضا قدرة مؤثرة على تحديد شروط الوصول إليها، ومجالات استخدامها، والأطراف المسموح لها بالاستفادة منها. وإذا كانت أوروبا تعتمد منذ سنوات على السحابة الأميركية والرقائق الأميركية ومنصات التكنولوجيا الأميركية، فإن النماذج المتقدمة تضيف طبقة جديدة وأكثر حساسية من الاعتماد، لأنها قد تدخل في الأمن السيبراني، وتحليل المخاطر، وحماية المؤسسات، وربما دعم القرار الحكومي.

تشبه هذه المعضلة جزئيا ما حدث في ملف الرقائق المتقدمة، فالمنع الكامل قد يحمي التكنولوجيا على المدى القصير، لكنه قد يدفع الحلفاء إلى بناء بدائل مستقلة. أما الإتاحة الكاملة فتحافظ على الانتشار التجاري والتقني للشركات الأميركية، لكنها تفتح احتمالات التسرب أو سوء الاستخدام. لذلك يبدو أن الاتجاه الأميركي يميل إلى نموذج وصول مشروط، لا يتيح القدرات المتقدمة للجميع ولا يحظرها على الجميع، بل يربطها بدرجات الثقة والرقابة والاستخدامات المسموح بها.

أوروبا بين السيادة الرقمية والحاجة إلى التكنولوجيا الأميركية

عكس الموقف الأوروبي داخل القمة معادلة معقدة. فمن جهة، تسعى أوروبا إلى تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأميركية، ومن جهة أخرى لا تستطيع الاستغناء عنها في المدى القريب، خصوصا في مجالات حساسة مثل الأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية.

لذلك لم يكن طلب الرئيس الفرنسي توسيع الوصول إلى نموذج "ميثوس" مجرد موقف مرتبط بشركة أو نموذج محدد، بل تعبيرا عن مشكلة أوسع تواجه أوروبا. فالقارة تتحدث منذ سنوات عن السيادة الرقمية، لكنها لا تزال تعتمد على بنية تكنولوجية تقودها الولايات المتحدة، سواء في الحوسبة السحابية أو الرقائق أو النماذج المتقدمة.

تبرز مبادرات مثل مصانع الذكاء الاصطناعي والمصانع العملاقة للذكاء الاصطناعي بهدف توفير قدرة حوسبة للشركات الناشئة والباحثين والصناعة، وبناء مراكز ضخمة قادرة على تدريب وتشغيل نماذج متقدمة داخل أوروبا

تسعى فرنسا والاتحاد الأوروبي إلى تجنب وضع تتحول فيه القارة إلى مستخدم دائم لنماذج تطورها شركات أميركية وتتحكم واشنطن في شروط الوصول إليها. لكن بناء بدائل أوروبية قادرة على المنافسة يحتاج إلى وقت واستثمارات كبيرة. لذلك تتحرك أوروبا على مسارين متوازيين: الضغط للحصول على النماذج الأميركية المتقدمة في الوقت الحالي، وبناء بنية حوسبة وقدرات صناعية أوروبية تقلل الاعتماد لاحقا.

ضمن هذا الإطار، تبرز مبادرات مثل مصانع الذكاء الاصطناعي والمصانع العملاقة للذكاء الاصطناعي بهدف توفير قدرة حوسبة للشركات الناشئة والباحثين والصناعة، وبناء مراكز ضخمة قادرة على تدريب وتشغيل نماذج متقدمة داخل أوروبا. وهي محاولات لبناء المكونات الأساس التي تملكها الولايات المتحدة بالفعل: الشرائح، والحوسبة، ومراكز البيانات، والطاقة، والسوق القادرة على تمويل تطوير النماذج بشكل مستمر.

مع ذلك، لا يزال الطريق الأوروبي معقدا. فحتى مع بناء مراكز حوسبة ضخمة، ستظل أوروبا بحاجة إلى رقائق متقدمة، غالبا من شركات أميركية مثل "إنفيديا" أو من سلاسل تصنيع آسيوية حساسة، خاصة في تايوان. كما تحتاج إلى طاقة مستقرة وتكلفة تنافسية، وتمويل واسع، وشركات قادرة على تطوير نماذج منافسة عالميا مثل "ميسترال إيه آي".

توضح هذه المعادلة أن التنظيم وحده لا يكفي لصناعة قوة في الذكاء الاصطناعي. فالقوانين، مثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، توفر إطارا للحوكمة، لكنها لا تعوض غياب القدرة على تدريب النماذج وتشغيلها وتحديثها على نطاق واسع، والقوة الفعلية في هذا المجال ترتبط بالبنية التحتية والتمويل والبيانات والمهارات وسلاسل الإمداد.

من هذا المنظور، لا يظهر تناقض كامل بين مطالبة أوروبا بالوصول إلى النماذج الأميركية، وسعيها إلى بناء اكتفاء ذاتي نسبي. فهي تحتاج إلى الأدوات الجاهزة الآن، لكنها تحاول في الوقت نفسه ألا يبقى مستقبلها الرقمي مرهونا دائما بالإذن الأميركي.

بين التحذير والتنظيم

أظهرت القمة أيضا مفارقة أساسية في حوكمة الذكاء الاصطناعي. فالشركات التي تطور النماذج الأكثر تقدما هي نفسها التي تطالب الحكومات بتنظيم هذه التكنولوجيا. تحذر شركات مثل "أنثروبيك" من مخاطر النماذج المتقدمة، خصوصا في مجالات الأمن السيبراني واكتشاف الثغرات والاستخدامات الحساسة. وفي الوقت نفسه، تعد هذه الشركات من أبرز المطورين لتلك النماذج والمستفيدين من انتشارها.

ينطبق الأمر نفسه على شركات أخرى مثل "أوبن إيه آي"، التي تدعو إلى دور أكبر للحكومات في وضع القواعد واختبار النماذج وتقييم مخاطرها، بينما يعتمد نموذجها التجاري والتقني على توسيع استخدام هذه النماذج وانتشارها. وبذلك لا تقف الشركات خارج عملية التنظيم، بل تسعى إلى أن تكون جزءا من صوغ القواعد التي ستحدد مستقبل السوق.

النقاش حول تنظيم الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بحماية المستخدمين أو منع الاستخدامات الخطرة، بل يتعلق أيضا بشكل السوق ومن يملك القدرة على الاستمرار داخلها

لا يعني ذلك أن التحذيرات التي تطلقها هذه الشركات غير مهمة. فهي تمتلك معرفة مبكرة بقدرات النماذج ومخاطرها، لأنها تختبرها قبل أن تصل إلى المستخدمين أو الحكومات. لكن هذه المعرفة تمنحها أيضا تأثيرا سياسيا وتنظيميا. فعندما تصف شركة نموذجا معينا بأنه عالي المخاطر، فإنها لا تقدم تقييما فنيا فقط، بل تسهم في تحديد من ينبغي أن يستخدمه، ومن يجب أن يمنع منه، وتحت أي شروط.

هنا يتحول التنظيم إلى جزء من المنافسة نفسها. فالقواعد الصارمة قد تقلل المخاطر، لكنها قد تمنح الشركات الكبرى ميزة إضافية، لأنها الأقدر على تحمل تكاليف الامتثال، واختبارات الأمان، والتدقيق القانوني، وبناء أنظمة مراقبة النماذج. أما الشركات الصغيرة فقد تجد نفسها أمام حواجز دخول مرتفعة إذا أصبحت متطلبات السلامة والتنظيم معقدة ومكلفة.

لذلك، فإن النقاش حول تنظيم الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بحماية المستخدمين أو منع الاستخدامات الخطرة، بل يتعلق أيضا بشكل السوق ومن يملك القدرة على الاستمرار داخلها. فإذا صيغت القواعد بطريقة تتطلب موارد ضخمة، فقد يؤدي ذلك إلى ترسيخ موقع الشركات الكبرى، حتى لو جاءت هذه القواعد تحت عنوان السلامة.

في هذا السياق، ظهرت دعوات إلى أطر دولية لاختبار النماذج وتقييم مخاطرها، بدل ترك الشركات تضع القواعد منفردة أو ترك كل دولة تبني نظاما تنظيميا منفصلا. ويعكس هذا الطرح رغبة في تقليل التشتت بين القواعد الأميركية والأوروبية والآسيوية، لكنه في الوقت نفسه يفتح سؤالا حول الجهة التي ستحدد معايير الخطر، وشروط الوصول، ودرجات الثقة.

معركة الحوكمة داخل الغرب

تكشف قمة السبع أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصرا على تطوير نماذج أقوى أو أسرع، بل انتقل إلى سؤال الحوكمة، فمن يملك النموذج؟ من يسمح باستخدامه؟ من يحدد مخاطره؟ ومن يضع قواعد الوصول إليه؟

تتعامل الولايات المتحدة مع النماذج المتقدمة باعتبارها جزءا من قوتها الاستراتيجية، ولذلك تميل إلى ربط الوصول إليها بمعايير الأمن القومي والثقة. وفي المقابل، تسعى أوروبا إلى الحصول على هذه القدرات في الحاضر، مع بناء بدائل تقلل اعتمادها في المستقبل. أما الشركات الكبرى، فتقف في موقع مركب، فهي تطور التكنولوجيا، وتحذر من مخاطرها، وتشارك في النقاش حول تنظيمها.

وبهذا، لا تعبر القمة فقط عن خلاف تقني حول نموذج معين أو شركة بعينها، بل عن بداية مرحلة جديدة في حكم الذكاء الاصطناعي. فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول من يملك النموذج الأقوى، بل حول من يملك سلطة التحكم في استخدامه، ومن يحدد مستويات الخطر، ومن يكتب قواعد الوصول إلى هذه القدرات. وهذه الأسئلة تظهر داخل المعسكر الغربي نفسه، قبل أن تكون مجرد مواجهة مباشرة مع الصين أو غيرها من القوى المنافسة.

font change

مقالات ذات صلة