5 عقود من "الوصاية السورية" في لبنان يطويها عهد جديد

انتقل دور دمشق من وسيط بين الأطراف إلى طرف مباشر في الصراع

ديانا إستيفانيا روبيو
ديانا إستيفانيا روبيو

5 عقود من "الوصاية السورية" في لبنان يطويها عهد جديد

شكل التدخل السوري في لبنان أحد أبرز التحولات في مسار الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، إذ دخلت سوريا الساحة اللبنانية عام 1976 في ظل انهيار التوازنات الداخلية وتصاعد القتال بين القوى اللبنانية والفلسطينية. بدأ الوجود السوري تدريجيا تحت غطاء قوات فلسطينية مثل "جيش التحرير الفلسطيني" و"قوات الصاعقة"، ثم تحول إلى تدخل رسمي في يونيو/حزيران 1976 عبر نشر نحو 12 ألف جندي، قبل أن يتوسع لاحقا ضمن إطار "قوات الردع العربية" التي وفرت غطاء عربيا ودوليا لهذا الوجود العسكري والسياسي.

وخلال أواخر السبعينات والثمانينات، انتقل الدور السوري من وسيط بين الأطراف اللبنانية إلى طرف مباشر في الصراع، إذ شاركت دمشق في معارك حاسمة أعادت تشكيل ميزان القوى، مثل حصار المخيمات الفلسطينية، ومعارك زحلة والأشرفية، إلى جانب اعتماد سياسة تحالفات متبدلة مع أطراف لبنانية وفلسطينية. كما عارضت سوريا اتفاق 17 أيار/مايو 1983 بين لبنان وإسرائيل، في إطار سعيها لمنع أي تسوية تتجاوز دورها الإقليمي أو تقلّص نفوذها في لبنان.

ومع انتهاء الحرب الأهلية، كرس اتفاق الطائف عام 1989 موقع سوريا كقوة وصاية فعلية على لبنان، وهو ما تم تثبيته لاحقا عبر "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق" عام 1991، إضافة إلى سلسلة اتفاقات أمنية وعسكرية نظمت العلاقات بين البلدين، ورسخت هيمنة سورية واسعة على القرار السياسي والأمني اللبناني.

في التسعينات، تشكل ما عرف بـ"النظام الأمني المشترك"، حيث تداخل النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني، وأصبحت مؤسسات الدولة اللبنانية تعمل ضمن هامش محدود من الاستقلالية في ظل شبكة معقدة من المصالح المحلية والإقليمية. لكن هذا النفوذ بدأ بالتراجع تدريجيا بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، ثم تصاعد الضغوط الدولية، خاصة بعد صدور القرار 1559 عام 2004 الذي دعا إلى انسحاب القوات الأجنبية ونزع سلاح الميليشيات.

بلغت هذه الضغوط ذروتها عقب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005، مما أدى إلى احتجاجات شعبية وضغوط دولية انتهت بانسحاب القوات السورية من لبنان في أبريل/نيسان من العام نفسه، منهية نحو ثلاثة عقود من الوجود العسكري المباشر. ورغم ذلك، استمر النفوذ السوري بشكل غير مباشر عبر حلفاء سياسيين وشبكات أمنية واقتصادية.

وبعد انهيار النظام السوري في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، دخلت العلاقات السورية–اللبنانية مرحلة جديدة، اتسمت بتفكك أدوات النفوذ التقليدية، وبداية إعادة صوغ التوازنات السياسية والأمنية بين البلدين.

font change