بشير مفتي لـ"المجلة": الرواية هي صراع الذات ضد نفاق الواقع

العالمية لا تعني الكتابة بلغة غير لغة الكاتب

facebook-bachir mufti
facebook-bachir mufti
بشير مفتي

بشير مفتي لـ"المجلة": الرواية هي صراع الذات ضد نفاق الواقع

يمثل الروائي الجزائري بشير مفتي صوتا سرديا واضحا في المشهد الأدبي العربي المعاصر، إذ استطاع عبر أكثر من ثلاثة عشر عملا سرديا أن يبني عالما روائيا مسكونا بأسئلة الوجود والعزلة والمواجهة. في هذا الحوار، يغوص مفتي في أعماق تجربته التي بدأت في مطلع التسعينات، متحدثا عن أبطاله المهمشين الذين يختارون أن يكونوا وعيا مضادا للسلطات في مختلف أشكالها السياسية والدينية والمجتمعية. كما يفتح ملف "العشرية السوداء" التي يرفض نسيانها، معتبرا إياها جرحا حيا يطرح أسئلة الخير والشر وهشاشة الإنسان أمام العنف العبثي.

بطل رواياتك غالبا رجل وحيد في مدينة تكرهه أو تتآمر عليه. في "حراس الأزقة الضيقة" طبيب قلب يتهم بقتل مراهقة. في "دمية النار" ابن جلاد يهرب من إرثه. في "اختلاط المواسم" قاتل يبحث عن معنى. هل فعلا تكتب عن الجزائر، أم أن الجزائر هي الاسم الذي تمنحه لشيء أكثر خصوصية؟

لا أعتقد أن رواياتي تقوم على بطل/رجل وحيد. ربما يوجد شخص رئيس تدور حوله الرواية وهو الرابط بين شخصياتها وأحداثها، لكن هذا لا يعني أن الشخصيات الأخرى لا تلعب دورا رئيسا أو ليست مهمة في الرواية، بمعنى أنني لا أعطي صوتها مكانة في السرد وتطور الحكاية، بل هي جزء مهم في فسيفاء الروايات التي تقوم على تعدد الأصوات، وأعتقد أني أول من استعمل هذه التقنية في الرواية الجزائرية باللغة العربية مند روايتي الأولى "المراسيم والجنائز" 1997. كل هذه الشخصيات هي بالفعل تعيش كأنها محاصرة في واقعها وكأن هنالك من يتآمر عليها ويحيك لها الدسائس، لأنها ربما اختارت أن تكون وعيا مضادا للخطاب السائد أو للمؤسسات المهيمنة، التي تطلب منهم الخضوع والاستسلام أو التهميش والاقصاء والنبذ. وأقصد هنا بالمؤسسات المهيمنة ليس فقط الجانب السياسي بل حتى الديني والمجتمعي. فهي تمارس على الأفراد المختلفين أو الذين يؤمنون بقيمهم الفردية حصارا كبيرا، وأعتبر الرواية هي المجال الذي يمكن أن ننقل فيه هذا الصراع الدرامي بين الفرد والجماعة، بين المثقف والسلطة، بين الانسان الذي يتوق الى الحرية والقوى التي تقف حائلا دون تحقيق ذلك.

أكتب عن "العشرية السوداء" من باب الوفاء للذاكرة، لأن من مهام الأدب أن يجعلنا نتذكر ونستحضر من رحلوا في صمت

منذ بدأت رحلتي في الكتابة، كانت رؤيتي للكتابة واضحة، والغاية منها أيضا واضحة، حتى لو كان سياق تلك المرحلة الصعبة هي الحرب الأهلية التي عرفتها الجزائر في التسعينات والتي كان لها تأثيرها بالطبع على موضوعات الكتابة وحتى شكلها أيضا. فلم يكن الهاجس الفني غائبا عن نظري أنا الذي قبل الكتابة كنت قد التهمت المئات من الروايات العربية والعالمية، التي منحتني فكرة عن الأدب والرواية بشكل خاص وجعلتني طبعا أختار شكلي الكتابي الذي كان يختلف عن طريقة الكتابة التي سبقتني من قبل، والتي كان يتحكم فيها صوت الأيديولوجيا على صوت الذات والهم الجماعي على الهم الفردي. كنت أريد أن أمنح الذاتية حقها في السرد الروائي، وهي التي تشكل أصالة الرواية. فهي ليست محاكاة للإنتاج الغربي ولا العربي، إذ هي وليدة محيطها الذي نشأت فيه وتعايشت معه وتحاول أن تعبر عنه ليس كجسم غريب بل كجسم مجروح ومفتوح على أسئلة كثيرة وتحتاج إلى أن تمنح للتراجيديا معنى، حتى لو كان معنى عبثيا في النهاية.

 Hocine ZAOURAR / AFP
سكان يتفقدون مدرسة أُحرقت في الجزائر العاصمة خلال الحرب الأهلية الجزائرية، 1994

"العشرية السوداء"

قلت مرة إن "العشرية السوداء" شكلت كتابتك. ألا تخشى أن تكون هذه العشرية أصبحت لك ما أصبحت له الحرب لكثير من الروائيين العرب: ذريعة جمالية أكثر من كونها جرحا حيا؟

لاحظت أن الكتاب الذين عاصروا تجارب الحرب الأهلية مثل الكتاب الإسبان واللبنانيين وغيرهم، لم يتوقفوا عن الكتابة عنها، ليس حبا في تلك المرحلة أو لأنها أثرت في حياتهم ومشاعرهم فحسب، بل لأن الحرب تفتح الباب على أسئلة متنوعة وخطيرة، من نوع ما الذي يدفع الإنسان إلى ممارسة العنف وارتكاب أبشع الجرائم؟ كيف يصل مجتمع إلى مرحلة فقدان البوصلة ويدخل في صراع مأسوي دام بينه وبين نفسه؟ هذا إلى جانب أنها تجعلنا نتساءل عن معاني الشر والخير، الحب والكراهية وهشاشة الإنسان أمام قوة العنف؟ والأخطر، ما هو الأثر الذي ستتركه هذه الحرب العبثية على الإنسان. للأسف ضعف النقد والتلقي بشكل عام، لا يحفر في العمق ولا يذهب إلى هذه المناطق التي حاولت أن أحفر فيها. فهم يحبون السهولة في التحليل والقراءة ويكتفون بالحديث عن السطح، وهم يصنفونها في كتابة مرحلة. مع العلم أني كتبت معظم روايتي، إذا استثنيت الأولى فقط، عن تلك المرحلة بعد نهايتها، أي بعد التسعينات، وليس في الفترة نفسها كما فعل الجيل الأول، الطاهر وطار وبن هدوقة وواسيني الأعرج وغيرهم.

حكايات "العشرية السوداء" لم تنته بعد، بل أتعجب أحيانا أن ألتقي في الشارع أو المقهى بالمصادفة شخصا لا أعرفه، وبعد تعارف بسيط تجده يسرد عليك قصة حدثت له في تلك الفترة، وتشعر أنه لا يزال يحمل تلك القصة المأسوية في داخله ولا يستطيع الشفاء منها، والطريقة الوحيدة التي وجدها هي حكي قصته لغريب يلتقي به لأول مرة. وهو من هذه الناحية لا يختلف كثيرا عن الكتاب. لا أحبذ طبعا الكتاب الذين يستغلون موضوعة الحرب الأهلية أو العشرية السوداء للإساءة الى بلدهم والنيل من وطنهم وارضاء جهات معادية في الغرب. أكتب عنها من باب الوفاء للذاكرة، من باب أني عشت تلك المرحلة وعانيت منها مثل الجميع، ولا أحبذ فكرة النسيان لأن من مهام الأدب أن يجعلنا نتذكر ونستحضر من رحلوا في صمت، وربما نستخلص الدروس.

روايات لبشير مفتي

الثقافة لا تحمي

تهمس "حراس الأزقة الضيقة" باعتراف مؤلم مفاده أن الثقافة لا تحمي أحدا. هل تؤمن بذلك حقا، أم أنه مجرد همس سردي، وما زلت تؤمن بعكس ذلك رغم كل شيء؟

الثقافة تنتعش في المجتمعات التي تؤمن بها، وتخفت وتموت في المجتمعات التي لا تولي أدنى عناية بها. لكن لم أذهب في روايتي الجديدة إلى هذا المعنى، صحيح أن البطل طبيب قلب يتعرض لهجمة من عصابة تحطم مكتبته كفعل رمزي عنيف ضد المعرفة، وأن الطبيب كما صوته في الرواية يعيش داخل جروح ماضيه ولا يتواصل معهم، لأنه ببساطة لا يحترم نفاقهم الديني والاجتماعي، ولأنه أقدم على ادخال فتاة متشردة إلى شقته، الأمر الذي أثار نقمة سكان الحي كأنه ارتكب خطيئة العمر، بينما كانت فكرته أن ينقذها من ذئاب الشارع، لأنها كانت تتعرض كل يوم لاعتداءات من طرف وحوش الطريق، الأمر الذي لم يجعل سكان الحي يتحركون. لكن بمجرد أن حاول إنقاذها بإسكانها في بيته، قامت عليه القيامة. لكن الحكاية لم تتوقف عند هذه القصة، كانت بداية محنته مع مشاكل وقضايا كثيرة، حتى في مكان عمله بالمستشفى.

الثقافة الجادة ستصمد بالتأكيد، لكن في الوقت الراهن اشعر أنها تتراجع أو تحتضر، فالمناخ العام يميل الى كفة الثقافة السطحية

الثقافة الجادة ستصمد بالتأكيد، لكن في الوقت الراهن اشعر أنها تتراجع أو تحتضر، فالمناخ العام يميل الى كفة الثقافة السطحية

 بطلك في نهاية "حراس الأزقة الضيقة"، يجد طوق نجاة في امرأة تحمل ماضيا مثقلا مثله. نهاية تحمل بصيص أمل، وهذا نادر في عالمك الروائي. هل للأمر علاقة بنضجك السردي؟ أم أنك قررت أخيرا التنازل لقرائك؟

لا أستطيع أن أقول إن التفاؤل علامة على النضج، والرواية لا تنتهي بطريقة متفائلة، فهي مثل باقي رواياتي تنتهي بالإخفاق. الشخصيات تخفق في تحقيق ما تريد لأني اعتقد ان الحياة هي تجربة مخفقة لا نحقق فيها ما نريد، حتى لو حققنا بعض ما نريد. رواية كافكا، "المحاكمة"، تعبر عن هذه الفكرة بشكل جيد،، أي وضعية الانسان في هذا الكون كيف تبدأ وكيف تنتهي. إنها مأساة الإنسان الوجودية.

في "خرائط لشهوة الليل" ،البطلة تقتل جلادها وتتحرر منه في نهاية الرواية، لكن هل هذه النهاية متشائمة أم متفائلة؟ هي تحتمل المعنيين، وفي رواية أخرى "لعبة السعادة" وضعت نهايتين واحدة سيئة والأخرى سعيدة، أي نهاية يختار فيها القارئ الخاتمة التي يريد.

y Behrouz MEHRI / AFP
الكاتب والصحافي الجزائري كمال داود خلال فعالية تضامنية مع الكاتب بوعلام صنصال في معهد العالم العربي بباريس، 2025

الكتابة بالعربية

أنت تكتب بالعربية في بلد لم يكن يعرف فيه إلا الأدب الفرنكوفوني المترجم عالميا من الفرنسية. هل تعتقد أنك تدفع ثمن اختيار اللغة، أم أن المشكلة في مكان آخر؟

صراحة، لا أستوعب أن تكتب بلغة أجنبية كي تحقق، كما صرح بذلك كمال داود، العالمية، شعرت أن تصريحه سخيف للغاية. الروائي الأرجنتيني خوليو كورتاثار، رغم أنه عاش فترة المنفى الطويلة بباريس، لكنه بقي يكتب باللغة الإسبانية، وهي التي حققت له شهرته العالمية، مثلما هو الشأن مع الروائي الكبير نجيب محفوظ الذي حصل على أكبر جائزة عالمية، جائزة نوبل، وهو يكتب بالعربية. أي أن المشكلة ليست في اللغة في حد ذاتها، بل ربما في بيئة اللغة العربية. بيئتنا العربية بالمقارنة مع البيئة الغربية من حيث تلقي الأدب، تعتبر سيئة، ربما لأننا لا نزال مجتمعات متخلفة أو فقيرة لم يحتل الأدب بعد مكانته في وجدان الناس كما هو الشأن في العالم الغربي أو حتى الآسيوي. عندما تعرف أن أول رواية للروائي الياباني هاروكي موراكامي بيع منها مليون نسخة في بلده اليابان، تشعر بالفرق حتما بين مجتمعات تحتضن الأدب وتشجع الكتاب، وبين مجتمعات آخر همها الأدب والقراءة.

MIGUEL RIOPA / AFP
الكاتب الياباني هاروكي موراكامي بعد تسلمه جائزة "أستورياس للآداب"، 2023

عندما أقرأ أو حتى ألاحظ الجهد الذي يبذله بعض الكتاب العرب في استرضاء مترجمين أو هيئات ثقافية غربية، أعترف أني مقصر في بذل أي جهد. ثم لست مستعدا شخصيا لتقديم أي تنازلات في هذا الأمر. بعض الكتاب يترجمون فقط لأنهم يسبون الإسلام أو يهينون أنفسهم أو يكتبون مدحا للآخر أو يطيلون في رسم صور استشراقية عن شعوبهم حتى تنقل أعمالهم الى اللغات الأجنبية. لهذا لست من هذه الفئة، وأحبذ أن أكون كاتبا يكتب بصدق حتى عن "المسكوت عنه"، لكن ليس بنية الشهرة أو تحقيق العالمية. وأيضا أنت أدرى بحسابات الناشرين الغربيين مع الكتاب العرب. هذا لا يعني أن كل ما يترجم الى اللغات الأجنبية يخدم أجندات غربية. هنالك أعمال أدبية كثيرة استحقت الترجمة بجدارة واستحقاق.

الرواية الجزائرية بالعربية أنتجت في السنوات الأخيرة أسماء تستمر في صنع الحدث الروائي عربيا بنحو لافت، هل لأنها تكتب رواية مختلفة حقا، أم أنها تكتب الرواية نفسها، لكن في ظروف سمحت بالانتشار، عكس الظروف التي عرفها كتاب التسعينات؟

المقارنة غير ممكنة بين ظروف الكتابة في التسعينات واليوم. عندما بدأنا نكتب لم يكن عندنا حتى دور نشر، فقد أفلست المؤسسة الوطنية للكتاب التي كانت تحتكر النشر من طرف الدولة، والخواص الذين كانوا يعدون على أصابع اليد لم يكن عندهم أي ميل لخسارة أموالهم في نشر روايات لن يشتريها أحد. اضطررنا أن نؤسس جمعيات أدبية حتى نجد دعما ماديا لنشر أعمالنا. ستلاحظ أن الروايات التي صدرت في التسعينات على قلتها، كانت من طرف جمعيات كـ"إبداع" أو "الجاحظية" أو "الاختلاف" أو "جماعة المعنى" أو اتحاد الكتاب الجزائريين.

بعض الكتاب يترجمون فقط لأنهم يسبون الإسلام أو يهينون أنفسهم أو يكتبون مدحا للآخر أو يطيلون في رسم صور استشراقية عن شعوبهم

كما لم تكن هنالك جوائز محفزة ماديا ومعنويا كما هو الأمر الآن. طبعا في وضعية كهذه، كان اختيار الكتابة الأدبية مرتبطا بالمغامرة ومنزها من الأغراض المادية، فلم نكن ننتظر شيئا من الكتابة خاصة من الناحية المادية. كانت الكتابة الأدبية هي الأهم بالنسبة لنا، لكن الأمور تغيرت الآن. فدور النشر بلا عد ولا حصر، وحتى المحفزات المادية والجوائز كثيرة، ولكن هل هذا يخدم الكتابة أم يوجهها الى غايات أخرى؟ حصول روايات جزائرية على جوائز مثل "البوكر" و"كاتارا" وحتى جائزة نجيب محفوظ، أو وصولها الى القوائم الطويلة والقصيرة، أو ترجمة أعمال روائية إلى لغات أجنبية، يدل على وجود حركة كتابة نوعية جادة تبشر بمستقبل جميل للرواية في بلادنا.

نهضة أم وهم؟

هل تعتقد أن الرواية العربية تعيش لحظة نهضة حقيقية، أم أننا نتوهم ذلك لأن الجوائز أعطتنا مرايا نحب ما نرى فيها؟

في السابق عندما كنا نتحدث عن الرواية العربية في العراق أو سوريا أو الجزائر باستثناء مصر، كنا نتحدث عن بضعة كتاب فقط، أما الآن فكل بلد عربي يملك العشرات حتى لا أقول المئات من كتاب الرواية المشاهير والأقل شهرة والمبتدئين الذين يجربون حظهم مع الرواية. وصراحة، لا أعرف إن كان هذا علامة على نهضة روائية عربية أم العكس، لأن المشكل ليس في عدد الكتاب أو عدد الروايات بل في الجمهور المتلقي. لو سألتني عن كرة القدم العربية لكان الجواب سهلا لأن جمهور الكرة كبير بل ضخم وهو يدل على أن الكرة تزدهر وتتطور، أما بالنسبة الى الرواية العربية فالأمر معاكس تماما.

font change