الذكرى العاشرة لـ"البريكست"... آفاق العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي 

سؤال عن مدى استعداد النخب الإنجليزية لقبول شروط العضوية الجديدة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رجل يلوّح بعلم المملكة المتحدة وعلم الاتحاد الأوروبي معًا في ساحة كوليدج غرين أمام مبنى البرلمان خلال مظاهرة مناهضة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في وسط لندن، بتاريخ 28 يونيو 2016

الذكرى العاشرة لـ"البريكست"... آفاق العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي 

شكل الخيار الإنجليزي في تبني الخروج من الاتحاد الأوروبي إثر استفتاء"البريكست" في عام 2016، إنذارا مبكرا عن أحوال الاتحاد والقارة القديمة، وتحولاً أكد على تصدع العولمة النيوليبرالية. ومنذ تأكيد الفراق الصعب أواخر سنة 2020 تأرجحت التوقعات بين القلق والاطمئنان، بخصوص مستقبل بريطانيا. والآن بعد عشر سنوات على إجراء الاستفتاء، يتضح أن المملكة المتحدة لم تصبح "سنغافورة كبرى على ضفاف التايمز" بل إنها سرعان ما واجهت كابوس ما بعد الأحلام الوردية حول "بريطانيا كونية" في السياسة الخارجية، والنهوض الاقتصادي. والأدهى أن تدلل آخر استطلاعات الرأي على ندم البريطانيين، وتبين أن ثلاثة من كل عشرة أشخاص فقط، يؤيدون الآن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

هكذا ثبت على مر السنين، سقوط رهانات أنصار"البريكست" على أرض الواقع، في ظل انخفاض الناتج المحلي الإجمالي، وفقدان الوظائف، وتضاؤل ​​الاستثمارات، وتراجع مكانة لندن الاقتصادية والسياسية، ولذا أخذ قسم من البريطانيين، يأمل في الانضمام مجدداً إلى الاتحاد الأوروبي. إلا أن هذا المسار غير سالك ومستبعد، وفقاً لقواعد الدخول في "الاتحاد"، ولعدم حماسة المفوضية الأوروبية، والكثير من الدول في قبول هذا الرجوع، بالإضافة للتعقيدات القانونية والعملية.

تطورت المواقف الأوروبية بالقياس لآثار الانسحاب، ومخاطر العدوى في المرحلة الأولى، وتركز الاهتمام لاحقاً على معالجة التداعيات، لجهة بناء إطار جديد للعلاقات بين لندن و"الاتحاد"، يضمن مصالح الطرفين، خاصة أن الكسوف السياسي لـ"الاتحاد" الذي بدأ مع خروج بريطانيا منه، وتفاقم مع صعود الترمبية والمتغيرات الدولية الأخرى، لم يحجب نجاحات الاتحاد الاقتصادية، وإرهاصات بناء كتلته العسكرية، واستمرار تهافت الدول للانتساب إليه.

انعكاسات الانسحاب على بريطانيا والاتحاد الأوروبي

يعتبر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أهم حدث جيوسياسي في أوروبا الغربية، منذ إعادة توحيد ألمانيا بعد سقوط جدار برلين في 1989، إذ لم يكن تصويت ناخبي المملكة المتحدة بنسبة 51.9 في المئة لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو/حزيران 2016، مجرد صدفة سياسية، بل إنه انبثق من تطورات تاريخية عميقة، وتجاوزت تبعاته العلاقة بين لندن والمفوضية الأوروبية.

ساد الحذر طويلاً بين إنجلترا-الجزيرة، وأوروبا-القارة، بالرغم من تحالفهما في الحروب المشتركة، وتشابك المصالح دون نسيان ثقل التاريخ بين الإمبراطورية الإنجليزية ومنافساتها الأوروبية. واللافت أن الجنرال شارل ديغول، الذي لجأ إلى لندن إبان الحرب العالمية الثانية، كان من أبرز معارضي انضمام المملكة المتحدة للمجموعة الأوروبية، ولم تفتح الأبواب للندن إلا مع خليفته جورج بومبيدو. أما البريطانيون فقد كان رمزهم التاريخيّ ونستون تشرشل حاسماً عندما قال: "كلما اضطررنا للاختيار بين أوروبا وما وراء الأطلسي، سنختار دائماً المدى المفتوح"، والقصد هو اختيار الأخ الأكبر الأميركي.

بيد أنه بعد مرور عشر سنوات، يتوجب علينا إعادة النظر في هذه اللحظة بالذات، التي لا تزال تُلقي بظلالها على الحياة السياسية البريطانية، والتي ينظر إليها سلبياً الكثير من دعاة أوروبا المؤسسية المتكاملة، ممن كانوا يخشون من تفشي العدوى والاقتداء بـ"البريكست" من دول أخرى أو عند معظم الشعبويين.

لقد قاد الجناح اليميني في "حزب المحافظين"، بالإضافة إلى نايجل فاراج، ودومينيك كامينغز، وشركائهما، حملة دعائية ركزت لسنوات على خسائر بريطانيا الاقتصادية من عضويتها في التكتل الأوروبي، وتجاهلت المكاسب الكبرى التي جنتها من جراء ذلك. لكن بعد عقد من الزمن، تبدو النتيجة عكسية، استناداً إلى أرقام الناتج المحلي الإجمالي للفرد في بريطانيا منذ "البريكست"، حيث سجل معدل نمو بنسبة 5.5 في المئة فقط، أي نحو ربع المعدل الذي كانت تسجله البلاد قبل الأزمة المالية العالمية في 2008. والملاحظ أيضاً أن نمو الاقتصاد البريطاني منذ عام 2016 جاء أبطأ من نمو اقتصادات مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، بينما كان قبل الاستفتاء ينمو بوتيرة أسرع من معظمها. ولا يبدو أن هناك لجما لهذا التراجع، لأن الخيارات المطروحة باتجاه عودة "مشروطة" أو "انتقائية" لن تعوض أكثر من نصف الخسائر الاقتصادية، التي تكبدتها بريطانيا نتيجة الانفصال عن "الاتحاد"، أكبر شريك تجاري لها.

أخذت بريطانيا تنتقل من "البريكست" الصلب والقاسي إلى الرغبة، ليس في التقارب مع الاتحاد الأوروبي فحسب، بل في التوافق معه بالقدر الذي تراه مناسبا

بالرغم من هذا الحصاد، لا بد من الإشارة إلى أن عاملي الثقة والبنية الاقتصادية الصلبة سمحا للحي المالي في لندن بأن يحافظ على موقع مميز بين الأسواق المالية العالمية. وبناء على هذا الوضع، أخذت بريطانيا تنتقل من "البريكست" الصلب والقاسي إلى الرغبة، ليس في التقارب مع الاتحاد الأوروبي فحسب، بل في التوافق معه بالقدر الذي تراه مناسبا. وهذا، بشكل عام، هو الموقف الذي كان أعلنه كير ستارمر رئيس الوزراء المستقيل. ستارمر الذي بدأ عند توليه منصبه عام 2024 في العمل على "إعادة ضبط" حذرة وغامضة في البداية، لعلاقة المملكة المتحدة بالاتحاد الأوروبي، خاصة أن "اتفاقية التجارة والتعاون" التي نظمت الشراكة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بعد "البريكست"، ضمنت عدم فرض رسوم جمركية على معظم السلع والتجارة، لكنها لم تُبقِ على أي شيء قريب من العلاقة الاقتصادية المميزة، التي كانت قائمة عندما كانت بريطانيا عضواً في السوق الموحدة والاتحاد الجمركي، وأدى هذا التطور إلى تراجع في حجم التجارة والاستثمار، ومع مرور الوقت إلى انخفاض في الإنتاجية.

أ.ب
رئيس الوزراء البريطاني المستقيل كير ستارمر، في لقاء مع رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في بروكسل، 2 أكتوبر 2024

على الصعيد الأوروبي، أدى انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي والسوق الموحدة والاتحاد الجمركي، إلى خلق حواجز أمام التجارة والتبادلات عبر الحدود لم تكن موجودة قبل 1 يناير/كانون الثاني 2021. وقاد ذلك حتما إلى تغييرات عميقة للإدارات العامة والشركات والمواطنين. بيد أنه بعد أشهر، أخذ الأوروبيون يقللون من شأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، على الرغم من مخاوفهم في البداية بشأن التداعيات الاقتصادية. ويبدو أن الرأي العام تقبل تدريجياً خروج بريطانيا، وأخذ يؤيد إيجاد أشكال جديدة للتعاون بين لندن وبروكسل.

آفاق العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي 

من المفارقة تزامن الذكرى العاشرة لـ"البريكست" مع ازدياد التقارب العملي بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي لجهة أنماط الحياة، والاقتصاد، والحقوق الاجتماعية، والحياة السياسية. 

بعد عقد على زلزال 2016، أصبح البريطانيون من جديد أكثر انتماءً لأوروبا من أي وقت مضى. وبرز ذلك من خلال الحنين المتزايد للعودة إلى الاتحاد الأوروبي. وعملياً، لم ترقَ مبادرات حكومة ستارمر إلى السعي لاستعادة العضوية الكاملة، ومن هنا طرحت الحكومة العمالية تشريعاً يسمح بتبني القوانين الأوروبية الجديدة، دون تصويت من البرلمان البريطاني، فيما يعرف بـ"المواءمة الديناميكية"، وهي خطوة كانت ستُعتبر غير مقبولة سياسيا قبل سنوات قليلة فقط.

كثير من المسؤولين والدبلوماسيين الأوروبيين، يرون أن وجود المملكة المتحدة داخل الاتحاد من جديد سيكون مكسبا سياسيا واقتصاديا وأمنيا للطرفين

على الجانب الأوروبي، لا تبدو العواصم الرئيسة معارضة لفكرة عودة بريطانيا من حيث المبدأ. بل إن كثيراً من المسؤولين والدبلوماسيين الأوروبيين، يرون أن وجود المملكة المتحدة داخل "الاتحاد" من جديد سيكون مكسبا سياسيا واقتصاديا وأمنيا للطرفين.

غير أن هذا الترحيب المحتمل، لا يعني استعداد "الاتحاد" لإعادة إنتاج العلاقة السابقة. فالمواقف التي صدرت عن مسؤولين وخبراء، شاركوا في مفاوضات "البريكست" تشير بوضوح إلى أن أي طلب بريطاني مستقبلي للانضمام، سيُعامل وفق القواعد المعمول بها مع جميع الدول المرشحة، وهذا يعني أن الاستثناءات أو الامتيازات التي تمتعت بها لندن سابقاً، قد لا تكون مطروحة مرة أخرى.

لا يتمثل التحدي الأساسي في قبول أوروبا بعودة بريطانيا، بل في مدى استعداد النخب البريطانية والناخبين البريطانيين لقبول شروط العضوية الجديدة إذا طُرحت مستقبلاً

من هذه الزاوية، لا يتمثل التحدي الأساسي في قبول أوروبا بعودة بريطانيا، بل في مدى استعداد النخب البريطانية والناخبين البريطانيين لقبول شروط العضوية الجديدة إذا طُرحت مستقبلاً. فالمعادلة التي سادت قبل عام 2016 لم تعد قائمة، والاتحاد الأوروبي نفسه تغيّر خلال العقد الماضي، كما أن أولوياته الاستراتيجية أصبحت مختلفة عما كانت عليه سابقاً.

يمكن القول إن تداعيات الترمبية، وحرب أوكرانيا، وأزمة ممر غرينلاند، وقضية الرسوم الجمركية، ساهمت في تعزيز العلاقات البريطانية-الأوروبية. وبمناسبة مؤتمر الأمن في ميونيخ في فبراير/شباط الماضي، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون ديرلاين: "إن أوروبا وبريطانيا بحاجة إلى التعاون بشكل أوثق بشأن الأمن، والاقتصاد، والدفاع عن الديمقراطيات في عالم أكثر اضطرابا". 

رويترز
لافتة رفعت أمام برج إليزابيث، خلال مسيرة العودة الوطنية الرابعة التي نظمتها حركة العودة الوطنية، إحياءً لذكرى مرور عشر سنوات على تصويت بريطانيا لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، لندن في 20 يونيو 2026

من جهته، دعا ستارمر إلى بناء "قاعدة صناعية مشتركة في جميع أنحاء أوروبا لتعزيز الإنتاج الدفاعي ومضاعفة نقاط القوة".

توجد مصلحة مشتركة للطرفين الأوروبي والبريطاني، بتغليب عناصر التقارب حيال الموقف من روسيا كما في الأزمات العالمية الكبرى، خصوصا في الشرق الأوسط وبعض المناطق الاستراتيجية للجانبين. ستنعقد القمة الأوروبية-البريطانية الثانية ما بعد "البريكست" في الثاني والعشرين من يوليو/تموز القادم، إلا إذا تأثرت بالوضع الداخلي في لندن إثر استقالة ستارمر. وفي كل الأحوال، يتجه الجانبان للمزيد من التفاهم الاستراتيجي نظراً لتعثر العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وبناء أسس متينة، لتعاون مستقبلي يمثل حاجة ماسة لهما.

font change