تبرز الممرات التجارية في ليبيا كأولوية استراتيجية في عام 2026، في ظل إعادة تقييم شاملة لسلاسل التوريد في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وديناميكيات أمن الحدود، وتعزيز الربط بين أفريقيا وأوروبا. فبعدما طغى البعد الأمني على مقاربة ليبيا، الواقعة بين المسارات البحرية الأوروبية وأسواق منطقة الساحل، بات ينظر إلى موقعها الجغرافي باعتباره بنية تحتية اقتصادية استراتيجية وحلقة وصل تربط بين مناطق إنتاج الطاقة، وممرات النقل، وتدفقات التجارة الإقليمية في منظومة واحدة متكاملة.
وتكشف بنية ليبيا التجارية عن جانب أساس من ديناميكيات الاقتصاد. إذ تقدر قيمة تجارة السلع عبر أكثر من 20 ميناء رئيسا بما يتراوح بين 35 و60 مليار دولار سنويا، مع هيمنة واضحة لصادرات النفط، التي تشكل ما نسبته 80 في المئة إلى 95 في المئة من قيمة الصادرات الإجمالية، وتتراوح بين 20 وأكثر من 40 مليار دولار سنويا، وفقا لمستويات الإنتاج وتقلبات الأسعار العالمية. في المقابل، تقدر قيمة الواردات الإجمالية بما بين 15 و25 مليار دولار سنويا.
ليس خفيا أن الاقتصاد الليبي قائم على قاعدة إنتاجية محدودة التنوع، تعتمد على النقل البحري كقناة رئيسة لحركة التجارة التي تتمحور حول الموانئ بوصفها الركيزة الأساس للمنظومة التجارية، أكثر من ارتباطها بشبكات العبور البري الإقليمي. في هذا الإطار، وضعت استراتيجيا الممرات الناشئة في ليبيا بهدف إعادة تشكيل بنية التجارة نفسها. فعلى المدى القصير إلى المتوسط، يمكن أن يؤدي التنفيذ الجزئي لهذه الاستراتيجيا، من خلال تحديث الموانئ، وتعزيز الربط الطرقي، وتبسيط الإجراءات الجمركية، إلى خفض التكاليف اللوجستية بما يتراوح بين 10 في المئة و25 في المئة على المسارات الرئيسة. كما من شأنها أن تفتح المجال أمام انطلاق حركة الترانزيت مع دول الجوار مثل النيجر وتشاد والسودان وتونس، إلى جانب تعزيز نمو التجارة بما بين 10 في المئة و20 في المئة، بالتزامن مع توسع أنشطة إعادة التصدير عبر مراكز مثل طرابلس ومصراتة.
أما على المدى المتوسط إلى الطويل، فمن المتوقع ظهور مسارات تجارية جديدة تشمل تدفقات الصادرات الزراعية من منطقة الساحل عبر الموانئ الليبية، وإعادة توجيه السلع الأوروبية نحو الأسواق الأفريقية، إلى جانب توسع الخدمات اللوجستية والصناعية المرتبطة بقطاع الطاقة، مثل الوقود وغاز البترول المسال والبتروكيماويات.
وفي الخلاصة، تكمن أهمية الممرات التجارية الليبية في أثرها النوعي، إذ تؤذن بتحول البلاد من اقتصاد تجاري ساحلي إلى جسر لوجستي قاري، ومن الاعتماد على تصدير النفط نحو تنويعٍ اقتصادي تتيحه ممرات النقل، ومنظومة متكاملة تربط بين الموانئ والطرق والسكك الحديد وخطوط الأنابيب والمناطق الحرة. ومع ذلك، تظل التحديات الجوهرية مؤسسية في المقام الأول. فوفقا لـ"المجلس الأطلسي" الأميركي، فإن زيادة الإيرادات وحدها لن تضمن الاستقرار في ليبيا ما لم تقترن بحوكمة تتسم بالشفافية وإدارة مالية متسقة. ويتوقف نجاح مساعي إحياء قطاع الطاقة واستراتيجيا الممرات الاقتصادية على مدى اقتران البنية التحتية بآليات للتنسيق والمساءلة.