لم تعد أهمية الخليج في الحسابات الأميركية تقاس فقط ببراميل النفط وممرات الملاحة والقواعد العسكرية. فمع صعود الذكاء الاصطناعي، بدأت دول مجلس التعاون تتحول إلى شريك في البنية المادية التي تقوم عليها التكنولوجيا الأكثر تأثيرا في الاقتصاد العالمي.
وتكشف الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للخليج عن هذا التحول بوضوح. فالملفات الأمنية التقليدية، من إيران إلى حرية الملاحة في مضيق هرمز، ظلت حاضرة بقوة، لكنها لم تعد وحدها كافية لشرح عمق العلاقة بين واشنطن والعواصم الخليجية، فهناك طبقة جديدة تتشكل فوق العلاقات القديمة، طبقة الحوسبة والشرائح ومراكز البيانات والطاقة الرقمية.
جاءت جولة روبيو في الإمارات والكويت والبحرين، بين 23 و25 يونيو/حزيران 2026، في توقيت إقليمي حساس. وشملت الزيارة اجتماعا في البحرين مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، صدر بعده تأكيد للشراكة الاستراتيجية وأمن الخليج وحرية الملاحة، مع التشديد على التعامل مع برنامج إيران الصاروخي ودورها الإقليمي. ظاهريا، كانت الزيارة امتدادا للسياسة الأميركية التقليدية في المنطقة، القائمة على طمأنة الحلفاء وحماية الممرات البحرية ومراقبة التوازنات الإقليمية.
لكن قراءة الزيارة من هذه الزاوية وحدها تبدو ناقصة. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على الشعارات بقدر ما تُبنى على المصالح. وكلما تعددت مجالات المصالح بين طرفين، أصبحت العلاقة أعمق وأكثر صعوبة في التفكيك. ومن هذه الزاوية، لم تعد أهمية الخليج بالنسبة إلى واشنطن محصورة في النفط أو الموقع الجغرافي أو القواعد العسكرية. لقد أصبح الخليج أيضا شريكا في الاقتصاد، والاستثمار، والطاقة، والتكنولوجيا المتقدمة.
أرض وكهرباء
غالبا ما يجري الحديث عن الذكاء الاصطناعي باعتباره عالما من البرمجيات والنماذج اللغوية والتطبيقات الرقمية. لكن هذا التصور يخفي جانبا ماديا ضخما. فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى شرائح متقدمة، ومراكز بيانات واسعة، وكهرباء مستقرة، وأنظمة تبريد، وأراض قابلة للتطوير، وشبكات اتصال، وتمويل طويل الأجل، وبيئة سياسية وأمنية تسمح بتشغيل هذه البنية دون اضطراب.

