من "الأخوة والتنسيق" إلى"لجنة عليا مشتركة"... سوريا ولبنان بين اتفاقيتين

الشراكة والندية عنوان المرحلة الجديدة؟

رويترز
رويترز
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يوقعان وثيقة إنشاء لجنة سورية- لبنانية مشتركة، وذلك خلال اجتماعهما في بيروت، لبنان، في 2 يوليو 2026

من "الأخوة والتنسيق" إلى"لجنة عليا مشتركة"... سوريا ولبنان بين اتفاقيتين

خمسة وثلاثون عاما تفصل بين اتفاقيتين حملتا عنوانا واحدا (العلاقات اللبنانية–السورية)، لكنهما وُقّعتا في سياقين سياسيين متناقضين. فاتفاقية عام 1991 وقّعت في ظل نفوذ سوري واسع على لبنان. أما اتفاقية 2026 فقد وقّعت بعد سقوط النظام السوري السابق وتبدّل موازين القوى في البلدين والمنطقة عموما. وبين الاتفاقيتين، تبرز تساؤلات حول طبيعة الفوارق والبنود، وما إذا كانت الاتفاقية الجديدة تؤسس لعلاقة مختلفة تقوم على الندية والمصالح المشتركة خلافا للمرحلة التي كانت فيها دمشق تمارس نفوذا واسعا في بيروت.

وفي أول خطوة نحو مأسسة العلاقات بين لبنان وسوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في دمشق يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، زار وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني بيروت الأسبوع الماضي، ومن السراي الحكومي وقّع الشيباني إلى جانب رئيس حكومة لبنان نواف سلام اتفاقية لإنشاء "لجنة عليا لبنانية–سورية مشتركة"، والتي تهدف إلى توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات بين البلدين يجري الإعداد لها من خلال الوزراء المختصين في مختلف المجالات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والمالية والقضائية والأمنية.

كذلك ترتكز الاتفاقية على المبادئ الآتية: "احترام سيادة لبنان وسوريا واستقلالهما، المساواة الكاملة بين الدولتين، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، حسن الجوار، احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتعزيز المصالح المشتركة بما يخدم الشعبين".

تكريس نفوذ دمشق

في مايو/أيار عام 1991، زار رئيس الجمهورية اللبناني إلياس الهراوي الرئيس السوري حافظ الأسد في القصر الرئاسي في دمشق، حيث وقّعت معاهدة "الأخوّة والتنسيق"، والتي شكلت منعطفا كبيرا في تاريخ العلاقات بين البلدين إذ كرّست نفوذ دمشق في بيروت من خلال إنشاء "المجلس الأعلى السوري–اللبناني". ويتألف هذا المجلس من رئيسي جمهورية الدولتين، ومن رئيس مجلس الشعب السوري ورئيس مجلس النواب اللبناني، بالإضافة إلى رئيسي مجلس الوزراء ونائبيهما في البلدين. وبحسب المهام الرسمية المنوطة به، يضع هذا المجلس السياسة العامة للتنسيق والتعاون بين الدولتين في كافة المجالات (السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها) ويشرف على تنفيذها. وتُعتبر قراراته إلزامية ونافذة المفعول في إطار النظم الدستورية في كلا البلدين.

معاهدة "الأخوّة والتنسيق" لعام 1991 أنشأت "المجلس الأعلى اللبناني–السوري" كهيئة دائمة للتنسيق بين البلدين، تتمتع بقرارات نافذة ضمن الأطر الدستورية

في بيروت وافق النواب الـ128 على معاهدة "الأخوّة والتعاون والتنسيق" في المجلس النيابي، باستثناء نائب واحد أعلن رفضه للمعاهدة واعتبرها تتنافى مع استقلال لبنان وسيادته، حيث أعلن النائب الراحل ألبير مخيبر من على منبر المجلس النيابي في 21 مايو/أيار 1991، أن إعلان النيّات الحسنة في مقدمة المعاهدة أمر جيد، إلا أنّ النصوص التطبيقية والتعامل السياسي بها يخالفان مبدأ الحفاظ على سيادة كل من البلدين واستقلال لبنان وعلى الديمقراطية والحريات العامة وسيادة القانون. واختتم مخيبر مداخلته بالتأكيد أن إنشاء أجهزة دائمة سيؤدي حتماً إلى خسارة لبنان استقلالية قراره، وتالياً سيادته المطلقة.

لاحقا، في عام 2005 وتحديدا بعد اغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري واتهام نظام دمشق بتنفيذ الاغتيال، توترت العلاقات بين البلدين، وبدأت الاحتجاجات في بيروت تطالب بإنهاء الوصاية وخروج جيش النظام السوري من لبنان. وبعد ضغط دولي على دمشق، وتحديدا في 26 أبريل/نيسان 2005، انسحب جيش نظام الأسد بعد نحو 30 عاما من الوجود العسكري والسياسي، في لحظة مفصلية اعتُبرت بداية لمرحلة جديدة. ومن هنا ارتفعت أصوات لبنانية للمطالبة بمراجعة العلاقات بين البلدين، وأهمها إقامة علاقات دبلوماسية، ومراجعة الاتفاقيات الموقعة.

رويترز
الرئيس اللبناني الياس الهراوي والرئيس السوري حافظ الأسد بيحثان تطورات محادثات السلام العربية الإسرائيلية والعلاقات الثنائية، في دمشق، 6 أبريل 1998

في عام 2008 نجح لبنان في انتزاع علاقات دبلوماسية مع سوريا، واتخذ القرار بفتح سفارتين في الدولتين الجارتين، حينها طرحت أكثر من علامة استفهام حول جدوى استمرار المجلس الأعلى، كونه أنشئ في مرحلة الوصاية السورية، ولكن رئيس المجلس آنذاك، نصري خوري، رفض تلك الدعوات، معتبرا أن مهام المجلس تختلف عن مهام السفارتين، لا سيما في ما يتعلق بمتابعة تطبيق الاتفاقيات الموقعة بين البلدين.

أبرز الفوارق بين الاتفاقيتين

تكشف قراءة الاتفاقيتين أن الفوارق بينهما تتجاوز الظرف السياسي الذي أُبرمتا فيه، لتطال طبيعة الإطار الذي يحكم العلاقات اللبنانية–السورية. فمعاهدة "الأخوّة والتنسيق" لعام 1991 أنشأت "المجلس الأعلى اللبناني–السوري" كهيئة دائمة للتنسيق بين البلدين، تتمتع بقرارات نافذة ضمن الأطر الدستورية. أما اتفاقية عام 2026، فتؤسس لـ"لجنة عليا لبنانية–سورية مشتركة" تُعنى بمتابعة إعداد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين الوزارات المختصة، وتستند إلى مبادئ احترام سيادة الدولتين واستقلالهما، والمساواة الكاملة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحسن الجوار. وبينما اعتبر معارضو معاهدة 1991 أنها كرّست واقع الوصاية السورية، هل ستؤسس الاتفاقية الجديدة إطارا مختلفا للعلاقات؟

يصف الناشط السياسي بشارة خيرالله الاتفاقية الجديدة بأنها "سحبت لبنان من اتفاقية وصاية إلى اتفاقية ندية وإلى شراكة حقيقية بين بلدين ذواتي سيادة، فكل بلد من البلدين وفقاً للاتفاقية الجديدة سيحترم سيادة الآخر وخصوصية الآخر. ففي جميع بنود الاتفاقية الجديدة هناك مساواة بين لبنان وسوريا وهناك رئيسان للجنتين، اللجنة اللبنانية لديها رئيسها واللجنة السورية لديها رئيسها وكل بلد يسمي أعضاء لجنته، بالمختصر هذه الاتفاقية مبنية على شراكة ندية واحترام متبادل، بينما اتفاقية الـ1991 لا شرعية لها كونها وقّعت تحت واقع احتلال".

بعد عقود من العلاقات المعقدة والتشابك السياسي والأمني والاقتصادي بين البلدين، أتت سوريا الجديدة لتعيد رسم العلاقات إلى صيغة مختلفة تندرج وفق مبادئ السيادة والندية

من جهته رأى النائب اللبناني السابق فارس سعيد أنّه "قبل تقييم الاتفاقية أو مقارنتها، علينا أن نعرف بداية ما هو مضمون هذه الاتفاقية، ففي مرحلة الوصاية السورية أنشئ ما يسمى المجلس اللبناني-السوري، اليوم استبدلنا هذا المجلس بهيئة عليا مشتركة للعلاقات اللبنانية-السورية، بينما نحن كنا قد وصلنا في عام 2008 لتمثيل دبلوماسي بين البلدين، اليوم بعد زيارة الوزير شيباني أعلن عن اتفاقية لإنشاء هيئة عليا مشتركة قد يكون هذا الأمر ممتازا، إنما السؤال الذي يطرح: هل التمثيل الدبلوماسي بين البلدين لا يكفي لإدارة المصالح المشتركة؟ وأيضا كيف ستعمل هذه الهيئة وما هي صلاحياتها وما هي الملفات التي تعود لها والملفات التي تعود إلى السفراء؟".

وتابع سعيد في حديثه مع "المجلة" "كذلك لا يمكن أن نتغاضى عن سؤال حول توقيع الاتفاقية بين رئيس الحكومة ووزير الخارجية، لماذا لم تحترم الأحجام السياسية، ولماذا لم توقع من قبل رئيسي الدولتين، لذلك ما حدث في هذه الزيارة فتح عنوانا جديدا اسمه العلاقات اللبنانية-السورية الجديدة. ما نتمناه وما نريده هو التوفيق لسوريا الجديدة بإنقاذ سوريا والنجاح في نقل البلاد من مرحلة الأسد الظالمة إلى مرحلة حديثة منفتحة يجد المواطن السوري فيها حريته وعدالته، كما أيضا نتمنى أفضل العلاقات وأقصى درجات التعاون والتنسيق، مقابل أوضح صورة للسيادة والاستقلال".

أما النائب السابق عن مدينة طرابلس مصطفى علوش فقد أكّد في حديثه مع "المجلة" أن "كل الاتفاقات السابقة وقّعت في ظل الاحتلال السوري وظلت شكلية كون النظام السوري السابق كان يفرض سياسته على لبنان بغض النظر عن أي اتفاقية قائمة، حتى الشخصيات التي كانت تعيّن لبنانيا لإدارة هذا الملف كانت سورية التوجه، الآن الوضع مختلف ولبنان لديه مصلحة أكثر من سوريا لبناء علاقات موثوقة تنعكس على مصلحة البلدين على مختلف المستويات إن كان بالسياسية أو الأمن أو الاقتصاد".

رويترز
جنود سوريون ينتظرون على طريق في منطقة الجمهور بجبل لبنان، في 14 أبريل 2001

وتابع: "الاتفاقيات السابقة بقيت بنودها حبرا على ورق لأن القرار السياسي بقي بيد بشار الأسد، الآن الخيارات مختلفة، والقضية مرتبطة بالمصلحة المشتركة، طالما أن الاتفاقيات ستضمن مصالح مشتركة يستفيد منها البلدان على مختلف المستويات فهي ستكون قابلة للتطبيق".

ولفت علوش إلى أن رمزية هذه الاتفاقية تنبثق من أن لبنان لأول مرة يوقّع اتفاقية مع سوريا من دون فرض، ولكن مهما كانت الاتفاقية ببنودها ومضمونها وشكلها إيجابية إن لم تصل إلى مرحلة التطبيق لن يكون لها أي أهمية.

من الوصاية إلى الشراكة والندية؟

إذن بعد عقود من العلاقات المعقدة والتشابك السياسي والأمني والاقتصادي بين البلدين، أتت سوريا الجديدة لتعيد رسم العلاقات إلى صيغة مختلفة تندرج وفق مبادئ السيادة والندية وفقا لتصريحات مسؤوليها، فهل انتهت حقبة الوصاية إلى غير رجعة؟

في هذا السياق، أكّد خير الله في حديثه مع "المجلة" أنه "حتى هذه اللحظة نظام سوريا الجديد يتعاطى بإيجابية مع لبنان دولة وشعبا، حتى بعد كلام الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تدخل سوري لحل قضية سلاح "حزب الله"، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع صراحة أنّه لن يتدخل في الشؤون الداخلية في لبنان، وهذه التصريحات لا توحي بأن النظام الجديد في سوريا يريد وراثة النظام السابق لناحية الهيمنة على لبنان، بل يظهر مرة بعد مرة احترامه لخصوصية هذا البلد ومرجعياته، وزيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني للمرجعيات المتنوعة في لبنان تؤكد أن سوريا الجديدة تريد علاقة مختلفة مع لبنان وهي منفتحة على جميع مكوناته".

وختم خير الله: "علينا كلبنانيين تشجيع الرقي الذي يتعاطى فيه النظام السوري الجديد مع لبنان، وليس تدميره، ما نعيشه اليوم في العلاقات مع سوريا هو ما ناضل من أجله اللبنانيون لعقود في زمن النظام السابق".

لبنان وسوريا اليوم أمام اتفاقية تفتح صفحة جديدة لا يزال الحكم عليها مرهونا بترجمة مبادئ السيادة والندية إلى خطوات عملية تؤسس فعلا لعلاقات تقوم على مبدأ المصالح المشتركة

من جهته، رأى سعيد أن "الثقة لا تأتي من إعلان النوايا، بينما تأتي من السلوك، لذا يجب أن لا تكون العلاقات اللبنانية-السورية القادمة استنساخا لتجربة مرة مرّ بها البلدان ودفعنا كشعبين أثمانا باهظة بسببها". ومن هنا يؤكد سعيد أن هناك علامات استفهام حول توقيت زيارة الشيباني ومضمونها، موضحا أننا "لم نسمع في لبنان أن هناك دعوى لوزير خارجية سوريا، بل يبدو أن الوزير نفسه قرر توقيت الزيارة ومضمونها، في لحظة دقيقة يمرّ بها لبنان، وهي مشكلة اختطاف طائفة من قبل "حزب الله" ووضع مصالح هذه الطائفة لدى إيران على حساب المصلحة اللبنانية، وبالتالي كان يمكن أن تحصل هذه الزيارة دون أن تكون إحدى نتائجها وكأن هناك فريقا لبنانيا طلب اللجوء السياسي إلى دولة أخرى ليخلق توازنا داخليا، عندما قلت منذ سنة أن أحمد الشرع أصبح زعيم السنة الأبرز في لبنان وسوريا، ربما كان هناك من اعترض على هذا الكلام، ليتبين اليوم أن هذا الامتلاء السني في الشام يحجب حضور الزعماء السنة اللبنانيين".

أ.ف.ب
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يلقي التحية على المحتشدين لدى وصوله إلى مدينة طرابلس شمال لبنان في 2 يوليو 2026

إذن ما كان لافتا أيضا في زيارة الشيباني إلى لبنان هو زيارته إلى مدينة طرابلس الشمالية واللقاء الشعبي الذي أعدّ في المدينة ذات الأغلبية السنية التي دفعت أثمانا باهظة من الظلم والحرمان والدماء جراء مناهضتها للنظام السوري السابق، ولكن هذه الزيارة اعتبرها البعض نقيضة لتصريحات النظام الجديد الذي يتحدث عن سعيه لإقامة علاقة طبيعية ندية مع الدولة الجارة، وفي هذا الإطار رأى علوش أن "هذه الزيارة لم تكن مفيدة ولم يكن هناك أي دواعٍ لها، العلاقات من دولة إلى دولة لا تستدعي لقاءات شعبية تتخللها احتفالات وحشود، عمليا ليس هذا هو المطلوب، الزيارات واللقاءات الرسمية مفيدة وأساسية للبلدين أما اللقاءات بهذا الشكل فلا أعلم ما الهدف منه وما الإفادة منه".

وختم علوش: "لبنان في هذه المرحلة يحتاج سوريا أكثر مما تحتاجه سوريا، على عكس مرحلة النظام السابق، طالما هناك اعتراف بحدود البلدين، طالما سوريا الجديدة منفتحة على العالم والاقتصاد العالمي قد يستفيد لبنان اقتصاديا من الجانب السوري، وهذا هو الأهم".

إذن، بعد اتفاقية ارتبطت بمرحلة سياسية انتهت، فإن لبنان وسوريا اليوم أمام اتفاقية تفتح صفحة جديدة لا يزال الحكم عليها مرهونا بترجمة مبادئ السيادة والندية إلى خطوات عملية تؤسس فعلا لعلاقات تقوم على مبدأ المصالح المشتركة بين البلدين.

font change

مقالات ذات صلة