في 3 سبتمبر/أيلول 2025، الذكرى الثمانين لهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، كان شي جينبينغ في قلب واحد من أهم العروض العسكرية لجيش التحرير الشعبي، خلال حكمه. وفيما كانت كل الأنظار الدولية مشدودة على بكين لرصد أحدث منظومات التسليح والرسائل السياسية الكامنة خلفها، اختار فلاديمير بوتين، أن يذكّر شي، ولو بشكل غير مباشر بالمعضلة التي يتقاسماها: مسألة الخلافة.
فقد التقطت كاميرات البث المباشر الرئيس الروسي وهو يكلم شي عن إطالة العمر، فيما كانا يسيران باتجاه المنصة الرئيسة في ساحة تيانانمن.
حينها ركّزت التحليلات الإعلامية الأولية على احتمال تطوير بكين وموسكو برامج تكنولوجيا حيوية متقدمة، غير أنها أثارت لاحقاً في دوائر أخرى تساؤلات أكثر حساسية حول تقدم القادة في السن ومصير الأنظمة من بعدهم.
ورغم أن سن الثالثة والسبعين التي احتفل شي ببلوغها في 13 يونيو/حزيران 2026، لا تُعدّ عامل ضغط، لا بالمعايير الصينية ولا حتى الدولية، في وقت يقود فيه دونالد ترمب الولايات المتحدة في الثمانين، فإن لحظات كهذه تكفي لإعادة تسليط الضوء على سؤال الخلافة المؤجلة في الصين.

الخلافة كمعضلة تاريخية
تعود حساسية الخلافة في الصين إلى تاريخها المضطرب منذ قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949. فقد أصبحت هاجساً مبكّراً لدى ماو بعد إدانة نيكيتا خروتشيف لإرث ستالين ومنهج عبادة الفرد. قاد ذلك ماو إلى حملات تطهير أطاحت بمعظم المرشحين المحتملين للخلافة، وانتهت بتولي الوسطي هوا غوفينغ مرحلة انتقالية قبل أن يحسم ممثل البرغماتيين دنغ تشياوبينغ الصراع ويصبح زعيماً فعلياً للصين في 1978.
في محاولة لتفادي التجربة، وزّع دينغ المناصب القيادية الأساسية بين ثلاثة مناصب رئيسة: الأمين العام للحزب، ورئيس الدولة، ورئيس اللجنة العسكرية المركزية، ثم وضع القواعد الأولى لتحديد الحكم بولايتين متتاليتين (10 سنوات) وفرض التقاعد الإلزامي على القياديين.
غير أن هذه القواعد بقيت محكومة بالتوازنات بين شيوخ الحزب، الرعيل الأول من قادة الثورة الذين كانوا يمتلكون نفوذاً خارج المناصب، وبين جناحي الإصلاحيين والمحافظين والفصائل المناطقية.
أرسى ذلك نوعاً من المحاصصة شملت المناصب الرئيسة تحت سقف أن مرجعية القرار بيد دينغ. وكشفت أحداث تيانانمن 1989 هشاشة هذه الصيغة، عبر إقصاء الإصلاحيين هو ياوبانغ ثم تشاو زيانغ تباعاً من منصب الأمين العام. ودفع ذلك إلى إعادة ضبط الخلافة، فنُقلت السلطة إلى التوافقي جيانغ زيمين زعيم ما يسمى فصيل شنغهاي، ومنح المناصب القيادية الثلاثة، في تقليد لا يزال سارياً حتى اليوم.
ولمزيد من الضبط، سمّى دينغ، هو جينتاو "خلفاً متوقعاً من الجيل الرابع"، الأمر الذي حسم انتقال السلطة بسلاسة بعد جيانغ.
في عهد هو جينتاو تحوّل الصراع الأيديولوجي إلى صراع تقني وإداري وبرز تياران رئيسان: تيار فصيل شنغهاي ومراكمة الثروات الذي تلاقت مصالحه مع القسم الأكبر مع تيار "هونغ إر داي" أي "الأمراء الحمر" أبناء الرعيل الأول من القياديين الثوريين، مقابل تيار "توانباي" الذي يضم القادة التكنوقراط من العائلات العادية الذين صعدوا عبر رابطة الشباب الشيوعي، بقيادة هو جينتاو نفسه.
مع قرب انتهاء عهد هو، رفض فصيل شنغهاي مرشح "توانباي"، فجرى الدفع بشي جينبينغ وهو من الأمراء الحمر "النظيفين"، وشخصية مقبولة من الجميع، في خطوة باركها شيوخ الحزب على اعتبار أنها تعيد الحكم إلى "بيت الحزب".



