شكّل حضور قادة الدول الأعضاء في قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة على أعلى المستويات لحظة تحولات جيوستراتيجية كبرى، بينما يمضي الحلف في تكييف نفسه مع ظروف جديدة.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي وجّه انتقادات حادة إلى دول الحلف لعدم تقديمها الدعم في مواجهة إيران، إنه فكّر حتى في عدم حضور القمة، لكنه جاء في النهاية كي لا يعتذر عن تلبية دعوة صديقه الرئيس رجب طيب أردوغان. وكانت الحميمية الواضحة في العلاقة بين أردوغان وترمب أحد أبرز ملامح الاجتماع.
وتدور اليوم اثنتان من أخطر حروب العالم على أطراف حلف شمال الأطلسي وفي جوار تركيا: الحرب في أوكرانيا والمواجهة مع إيران. وجاءت القمة في لحظة باتت فيها جدية الالتزام بالمادة الخامسة موضع شك، بفعل الانقسامات بين الحلفاء وسياسات الرئيس ترمب.
وكان رد الحلف واضحا جدا. فقد جدد القادة، في الجملة الأولى من البيان الختامي لقمة أنقرة، التزامهم بالدفاع الجماعي كما تنص عليه المادة الخامسة، مؤكدين أن أي هجوم على عضو واحد هو هجوم على جميع الأعضاء.
ولم يتجنب القادة الحديث عن خلافاتهم في المؤتمرات الصحافية والمناسبات العلنية الأخرى. فقد أعرب الرئيس ترمب عن استيائه من إسبانيا، بينما شدد الزعيمان التركي واليوناني على خلافاتهما بشأن بحر إيجة، فيما كررت رئيسة وزراء الدنمارك أن غرينلاند ليست للبيع، وحذرت الولايات المتحدة من محاولة وضع اليد عليها. ولكن هذه الخلافات لم تعطل القمة. فقد تمكن الحلف، مرة أخرى، من إيجاد أرضية مشتركة ومواصلة التقدم.
وتكمن السمة الأبرز للحلف في قدرته على التكيف مع التطورات، وهي قدرة جعلته، في مجاله، من أكثر المنظمات متعددة الأطراف تقدما وفاعلية في العالم.
ويصف حلف شمال الأطلسي المرحلة الراهنة بأنها "المرحلة 3.0"، أي مرحلته الثالثة. كانت المرحلة الأولى هي الحرب الباردة. وامتدت الثانية من نهاية الحرب الباردة إلى الماضي القريب. أما الثالثة فقد صاغتها صدمات كبرى، في مقدمتها العدوان الروسي وعهد ترمب في الولايات المتحدة.

