قمة أنقرة... "الناتو" ينجو من ترمب ويعيد تثبيت وحدته

يواصل الحلفاء طريقهم نحو دور أوروبي أكثر بروزا

رويترز
رويترز
لقطة لقاعة المؤتمرات الصحفية الرئيسية قبل يوم واحد من بدء قمة حلف "الناتو" في أنقرة، تركيا، في 6 يوليو

قمة أنقرة... "الناتو" ينجو من ترمب ويعيد تثبيت وحدته

شكّل حضور قادة الدول الأعضاء في قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة على أعلى المستويات لحظة تحولات جيوستراتيجية كبرى، بينما يمضي الحلف في تكييف نفسه مع ظروف جديدة.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي وجّه انتقادات حادة إلى دول الحلف لعدم تقديمها الدعم في مواجهة إيران، إنه فكّر حتى في عدم حضور القمة، لكنه جاء في النهاية كي لا يعتذر عن تلبية دعوة صديقه الرئيس رجب طيب أردوغان. وكانت الحميمية الواضحة في العلاقة بين أردوغان وترمب أحد أبرز ملامح الاجتماع.

وتدور اليوم اثنتان من أخطر حروب العالم على أطراف حلف شمال الأطلسي وفي جوار تركيا: الحرب في أوكرانيا والمواجهة مع إيران. وجاءت القمة في لحظة باتت فيها جدية الالتزام بالمادة الخامسة موضع شك، بفعل الانقسامات بين الحلفاء وسياسات الرئيس ترمب.

وكان رد الحلف واضحا جدا. فقد جدد القادة، في الجملة الأولى من البيان الختامي لقمة أنقرة، التزامهم بالدفاع الجماعي كما تنص عليه المادة الخامسة، مؤكدين أن أي هجوم على عضو واحد هو هجوم على جميع الأعضاء.

ولم يتجنب القادة الحديث عن خلافاتهم في المؤتمرات الصحافية والمناسبات العلنية الأخرى. فقد أعرب الرئيس ترمب عن استيائه من إسبانيا، بينما شدد الزعيمان التركي واليوناني على خلافاتهما بشأن بحر إيجة، فيما كررت رئيسة وزراء الدنمارك أن غرينلاند ليست للبيع، وحذرت الولايات المتحدة من محاولة وضع اليد عليها. ولكن هذه الخلافات لم تعطل القمة. فقد تمكن الحلف، مرة أخرى، من إيجاد أرضية مشتركة ومواصلة التقدم.

وتكمن السمة الأبرز للحلف في قدرته على التكيف مع التطورات، وهي قدرة جعلته، في مجاله، من أكثر المنظمات متعددة الأطراف تقدما وفاعلية في العالم.

ويصف حلف شمال الأطلسي المرحلة الراهنة بأنها "المرحلة 3.0"، أي مرحلته الثالثة. كانت المرحلة الأولى هي الحرب الباردة. وامتدت الثانية من نهاية الحرب الباردة إلى الماضي القريب. أما الثالثة فقد صاغتها صدمات كبرى، في مقدمتها العدوان الروسي وعهد ترمب في الولايات المتحدة.

جدد حلفاء "الناتو" كذلك التأكيد على أن إيران يجب أن لا تمتلك سلاحا نوويا في أي وقت، ودعوها إلى الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز

وفي أنقرة، راجع قادة الحلف تنفيذ ما اتفقوا عليه العام الماضي في قمة لاهاي، حيث تعهدوا باستثمار 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي سنويا في متطلبات الدفاع الأساسية، إلى جانب الإنفاق المرتبط بالدفاع والأمن بحلول عام 2035، ومواصلة تطوير صناعاتهم الدفاعية.

وأشار القادة إلى أنه، تماشيا مع ما يسمى "التزام لاهاي الدفاعي"، زاد الحلفاء الأوروبيون وكندا في عام 2025 استثماراتهم في متطلبات الدفاع الأساسية بأكثر من 139 مليار دولار، وأعلنوا كذلك مشتريات جديدة بأكثر من 50 مليار دولار. كما التزموا بتوسيع القدرة التصنيعية الجماعية والعمل مع القطاع الصناعي لتسريع الابتكار.

أ ف ب
يصافح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (يمين) الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مراسم استقبال رسمية في مجمع "بيش تبه" الرئاسي بأنقرة، في 7 يوليو 2026، وذلك على هامش قمة حلف "الناتو"

وجمع منتدى الدفاع الذي نظم في أنقرة ضمن برنامج القمة الدول الأعضاء والشركات الكبرى، وشهد توقيع عدد من الاتفاقات المهمة.

وكشف الأمين العام مارك روته عن برنامج تحديث متعدد الجنسيات يتمحور حول طائرات النقل "إيرباص إيه 400 إم" وأسطول طائرات "إيرباص إيه 330" متعددة المهام للتزود بالوقود والنقل، إضافة إلى مشروع شراء مشترك لطائرات "إم كيو-4 سي ترايتون" المسيّرة لتعزيز قدرات الحلف في الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، واستبدال أسطول طائرات الإنذار المبكر والتحكم المحمولة جوا التابعة للحلف (أواكس)، الذي تقادم عهده.

وفي إعلان القمة، وُصفت روسيا بأنها تشكل تهديدا طويل الأمد لأمن المنطقة الأوروبية الأطلسية واستقرارها، بعدما أدى غزوها لأوكرانيا والحرب التي أعقبته إلى تغيير الجغرافيا السياسية العالمية. وجدد الحلفاء دعمهم لأوكرانيا، وتعهدوا بتقديم معدات عسكرية ومساعدات وتدريب بقيمة 70 مليار يورو في عام 2026. وشددوا على أن الغالبية الساحقة من المساعدات الأمنية لأوكرانيا باتت تقدم الآن من الحلفاء الأوروبيين وكندا، في رسالة موجهة إلى ترمب لطمأنته إلى أن العبء لم يعد ملقى على عاتق دافعي الضرائب الأميركيين، وأن الحلفاء الآخرين تحملوا مسؤولياتهم.

وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حاضرا أيضا في أنقرة، حيث التقى القادة وألقى كلمة، وغادر، بحسب ما تردد، راضيا عن نتائج مشاركته.

وجدد حلفاء "الناتو" كذلك التأكيد على أن إيران يجب أن لا تمتلك سلاحا نوويا في أي وقت، ودعوها إلى الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز.

ولا يعني هذا الإعلان أن الحلفاء اتفقوا على تقديم دعم نشط وعملياتي للولايات المتحدة. الأرجح أنه يحدد موقفا مشتركا من مسألتين مهمتين تحظيان بإجماع داخل الحلف.

وتزامنت الضربات الصاروخية الروسية المكثفة على أوكرانيا، وكذلك هجمات إيران على السفن التجارية العابرة في الجزء الجنوبي من مضيق هرمز، مع اليوم الذي اجتمع فيه قادة الحلف في أنقرة.

ويمكن قراءة الحدثين كرسالتين إلى الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي: "لا تستطيعون ترهيبنا، وأي حل يجب أن يكون وفق شروطنا."

وأعلن دونالد ترمب في أنقرة أن التفاهم الأميركي-الإيراني انتهى، واستأنفت الولايات المتحدة قصف أهداف في إيران، التي ردت باستهداف قواعد أميركية في عدد من دول مجلس التعاون الخليجي والأردن.

وشكلت المحادثات بين الرئيسين أردوغان وترمب جانبا مهماً من القمة، سواء على مستوى العلاقات الثنائية أو في ما يتصل بقضايا الحلف.

وهناك عدد من مسائل الدفاع وشراء السلاح التي يتعين حلها بين البلدين. وتشمل هذه المسائل رفع تركيا من عقوبات قانون "كاتسا"، وتسليم الولايات المتحدة الطائرات الخمس من طراز "إف-35" التي دفعت تركيا ثمنها، وإعادة تركيا إلى برنامج "إف-35"، وتوريد محركات "إف-110" المطلوبة للمقاتلات التركية الصنع من طراز "قآن". وقال ترمب إنه حريص على التعامل مع هذه القضايا بروح إيجابية، وهو ما أسعد الدولة المضيفة.

ينظر الرئيس الأميركي إلى سوريا كشريك في مكافحة الإرهاب والتعامل مع "حزب الله" في لبنان، على الرغم من أن السوريين لم يبدوا تجاوبا مع المسألة الأخيرة

وكانت تركيا مستعدة جيدا لاستقبال ضيوفها، وسارت أعمال القمة بسلاسة كاملة. ووقف الرئيس أردوغان عند مدخل قصره مرحبا بالقادة الذين ساروا على السجادة الحمراء، وعلى أحد جانبيها جنود يرتدون زي الانكشارية العثمانية، وعلى الجانب الآخر جنود من عهد الجمهورية، فيما كانت فرقة "المهتر" الانكشارية تعزف ألحان الحرب.

ورأت صحف يونانية أن إمرار رئيس الوزراء ميتسوتاكيس عبر ذلك المشهد الاحتفالي المدروس كان استفزازيا.

وكانت إسرائيل، وهي ليست عضوا في الحلف لكنها أقرب حلفاء الولايات المتحدة، طرفا آخر غير سعيد. وزعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن حكومة أردوغان "مصابة" بجماعة "الإخوان المسلمين"، وأنها ليست صديقة للولايات المتحدة. وقال إن تركيا يجب أن لا يسمح لها بشراء طائرات "إف-35"، لأن مثل هذه الصفقة ستقوّض التفوق الجوي الإسرائيلي وتخل بتوازن القوى في المنطقة.

وردت أنقرة بسخرية على هذه التصريحات، ووصفتها بأنها لا تتجاوز أقوالا صادرة عن نظام ديني متطرف وتوسعي، يزعم أنه يسعى إلى حماية إسرائيل عبر احتلال أجزاء من دول أخرى وارتكاب عمليات تصفية بحق البشر.

رويترز
يلقي الأمين العام لحلف "الناتو"، مارك روته، الكلمة الرئيسية في منتدى صناعة الدفاع المنعقد على هامش قمة قادة "الناتو" في أنقرة بتركيا، في 7 يوليو 2026

من جانب آخر، وصل أحمد الشرع، الرئيس الانتقالي لسوريا، إلى أنقرة في اليوم الثاني من القمة بدعوة من تركيا، وعقد اجتماعا ثنائيا مع دونالد ترمب. وأشاد الرئيس الأميركي بالشرع، واصفا إياه بأنه "شخص قوي وقائد عظيم يحظى باحترام الجميع"، وقال إنه يعتزم رفع سوريا من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.

وينظر الرئيس الأميركي إلى سوريا كشريك في مكافحة الإرهاب والتعامل مع "حزب الله" في لبنان، على الرغم من أن السوريين لم يبدوا تجاوبا مع المسألة الأخيرة.

لم تحل قمة أنقرة كل الخلافات بين الحلفاء، ولم تصلح العلاقات بين ترمب والآخرين، لكنها أعادت تأكيد وحدة "الناتو" وتضامنه، بينما يواصل الحلفاء طريقهم نحو دور أوروبي أكثر بروزا.

وكما قال أحد المشاركين، فقد نجا "الناتو" من ترمب في أنقرة.

font change

مقالات ذات صلة