تحولت حملة الطائرات المسيرة الأوكرانية المتصاعدة ضد البنية التحتية النفطية الروسية من هجمات محدودة إلى استراتيجيا ممنهجة تستهدف إضعاف اقتصاد موسكو الحربي وتعطيل شبكة الطاقة التي تدعم عملياتها العسكرية. فقد ركزت أوكرانيا بشكل متزايد على استهداف مصافي النفط، ومستودعات الوقود، ومنشآت التخزين ومراكز الإمداد بالطاقة في عمق الأراضي الروسية، مما أدى إلى واحد من أخطر اضطرابات سوق الوقود التي تواجهها روسيا منذ بدء الحرب.
وتكشف وتيرة الهجمات عن تصاعد واضح في هذه الاستراتيجيا خلال السنوات المنصرمة. ففي حين كانت الضربات على منشآت الطاقة الروسية محدودة خلال المرحلة الأولى من الحرب، توسعت الحملة عام 2023، ثم تصاعدت بشكل كبير خلال عامي 2024 و2025. وتشير تقديرات إلى أن عدد الهجمات على المصافي ومستودعات النفط ارتفع من نحو 27 هجوما عام 2023 إلى نحو 94 هجوما عام 2024، قبل أن يتجاوز 140 هجوما عام 2025. كما تشير تقديرات أخرى تركز على مصافي التكرير تحديدا، إلى ارتفاع الهجمات من 4 مصاف مستهدفة عام 2023 إلى 34 عام 2024 و88 عام 2025.
واستمرت الحملة في التصاعد خلال عام 2026، إذ وصلت الضربات الأوكرانية إلى بعض أكبر منشآت التكرير والطاقة الروسية. ومنذ بداية الحرب، تعرضت منشآت النفط الروسية لأكثر من 150 هجوما، طالت عشرات المصافي والمنشآت الحيوية. كما أظهرت هذه العمليات قدرة أوكرانيا المتزايدة على ضرب أهداف تبعد مئات بل آلاف الكيلومترات داخل الأراضي الروسية، مما شكل تحديا لقدرات الدفاع الجوي الروسية، وأجبر موسكو على تخصيص موارد إضافية لحماية منشآتها الاستراتيجية.
وكان الأثر الأكبر لهذه الهجمات واضحا في سوق الوقود المحلية الروسية. فعلى الرغم من أن روسيا لا تزال من أكبر منتجي النفط في العالم، فإن الأضرار التي لحقت بمصافيها أدت إلى تراجع قدرات التكرير، مما تسبب في نقص البنزين والديزل في مناطق واسعة. وظهرت تداعيات الأزمة عبر طوابير طويلة أمام محطات الوقود، وفرض قيود على كميات الشراء، وارتفاع الأسعار، إضافة إلى إجراءات تقنين في عدد من المناطق الروسية.
وتستهدف الاستراتيجيا الأوكرانية قطاعا يمثل شريانا أساسا لتمويل الدولة الروسية وتزويد الجيش الوقود. فمن خلال ضرب منشآت الطاقة، تسعى كييف إلى رفع تكلفة الحرب على موسكو، وتقويض قدرتها على حماية بنيتها التحتية الحيوية، وإظهار هشاشة العمق الاستراتيجي الروسي. أما بالنسبة الى روسيا، فتبرز أزمة الوقود تحديا جديدا: فبينما تستطيع البلاد مواصلة إنتاج النفط الخام، باتت حماية وتشغيل شبكة التكرير الواسعة أكثر صعوبة في ظل استمرار الهجمات على منشآتها النفطية.