أثناء المؤتمر الصحافي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، واجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي حرجاً في الإجابة على مختلف الأسئلة التي وُجهت له، عن اغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني داخل الأراضي العراقية، وعن علاقة وموقف الحكومة الاتحادية من إقليم كردستان، وغيرها من الأسئلة التي أجاب عنها إما بـ"التملص"، كالقول "اغتيال سليماني شيء من الماضي، ونحن نريد التحدث عن المستقبل"، أو ببعض العبارات الأدبية الملتوية "كردستان مثل بغداد والبصرة، جزء من الجسد العراقي، ولا يمكن أن أقطع جزءاً من جسدي بيدي".
بشيء من التدقيق، لا يبدو أن وضعية رئيس الوزراء تلك قد تأتت جراء سياساته أو قراراته، كرئيس لأعلى سلطة تنفيذية في بلاده، بل من الموقع الجغرافي والتموضع السياسي الذي تشغله بلاده الواقعة على شروخ وحساسيات شديدة الصلابة، لا يمكن لأية إرادة سياسية عراقية أن تتجاوزها، أو أن تتعامل معها بحزم وقطعية ناجزة.
لا يتعلق الأمر بالمواضيع والأسئلة التي طُرحت على رئيس الوزراء أثناء المؤتمر الصحافي المُقتضب فحسب، بل تمتد لتطال كل تفصيل آخر في الحياة السياسية العامة في العراق. فماذا مثلاً لو سُئل الزيدي عن الأزمة البحرية المتجددة لبلاده مع الكويت، حيث قُتل صياد عراقي قبل عدة أيام، بسبب تجاوزه للسواحل الوطنية، أو طُرح موضوع العلاقة الشائكة القديمة المستجدة مع سوريا، أو أزمة المياه أو "حزب العمال الكردستاني" مع تركيا... إلخ.
فالعراق في المحصلة دولة بالغة الحيوية وكثيرة الموارد ومتنوعة المجتمعات وثرية الثقافة والعمق التاريخي، لكن بوضعية جيوسياسية صارمة، حيث تتجاوز قدرات وشروط الخارج كل ما في الداخل، ويستطيع ذلك الخارج التدفق والتأثير المستدام على كل تفصيل جزئي في الداخل، حتى لا يمكن قراءة أو تفسير أو توقع أي حدث أو سياق داخلي دون دلالة الخارج وسطوة تأثيره.
فالإمبراطوريتان التقليديتان الإقليميتان، تركيا وإيران، محيطتان بالعراق، وثابتتا التأثير المستدام عليه، منذ تأسيسه الكياني الحديث وحتى الآن. وفي كل زمان تجدان في الداخل العراقي من ينجرف إليهما، بسبب التداخلات الجغرافية والتأثيرات السياسية لهاتين الإمبراطوريتين تقليدياً على الداخل العراقي، والتي تحولت بالتقادم إلى أشكال من روابط مجتمعات العراق المحلية، بالذات على مستوى النخب السياسية والمالية والثقافية، وهي قادرة بسبب ذلك أن تنتج المزيد من أنواع التأثير والولوج المتواتر على العراق.
كذلك فإن العراق بلاد ممتدة على جغرافيا سهلية وجبلية ونهرية واسعة للغاية، لكن ببوابة بحرية صغيرة للغاية، حتى إنها تكاد أن تكون دولة شبه حبيسة. الحرمان البحري للعراق لاحقه في كل حقبه، من وطنية شعبوية معادية للكويت في زمن عبد الكريم قاسم، مروراً بالحرب الطويلة مع إيران بسبب المنفذ البحري، وليس انتهاء بأزماته المتلاحقة مع دولة الكويت راهناً. أو حتى وضعه الاقتصادي الحرج للغاية حالياً، بعدما انقطعت به السبل عقب إغلاق مضيق هرمز. هذا العوز البحري لم يكن تفصيلاً عادياً في حياة العراق ومواطنيه، بل اندرج على شكل آليات وأسباب لعزلته عن العالم الخارجي مرات وبأشكال لا تُعد، وتسرب إلى بواطن الشخصية الجمعية للعراقيين، المحرومين من تأثيرات رهافة مجتمعات البحار وتنوعها وثراء ما تأتي به المرافئ من أدوات ولغات وتجارب وقيم.
العلاقة مع المحيط العربي لم تخرج عن الشرط الجغرافي. فالمجتمعات العربية في سوريا والأردن وبلدان الخليج، الأقرب ثقافياً ولغوياً ونفسياً لنظيرها العراقي، تفصلها عنه صحراء شاسعة، حملت بسبب ذلك أشكالاً من سوء الفهم
مع الأمرين، كان العراق دولة مقسمة أفقياً، بين سهوب سهلة ممتدة في كل حدب، تتمركز فيها الأغلبية السكانية والسلطة المركزية "العربية"، وشمال جبلي سامق، يضم الأقلية الكردية الرافضة للانطواء، المطالبة بإعادة التأسيس حسب هويات وقواعد وصيغ مختلفة جوهرياً عما حدث في لحظة التكوين الأولى، مستندة إلى هذا التقاسم الجغرافي؛ المعادلة التي بقيت مختلف الأنظمة والنخب المتنفذة في المركز ترفض القبول بها، مثلما رفض الأكراد القسمة الأولى. لأجل ذلك اندلعت عشرات الحروب المتتالية، وما وفرت الجرائم وأشكال الإبادة، التي شكلت وقائعها حلقات شقاء الحكاية العراقية، لكنها بقيت على ما هي عليه، بناء على الاستعصاء الجغرافي الأول.
العلاقة مع المحيط العربي لم تخرج عن هذا الشرط الجغرافي. فالمجتمعات العربية في سوريا والأردن وبلدان الخليج، الأقرب ثقافياً ولغوياً ونفسياً لنظيرها العراقي، تفصلها عنه صحراء شاسعة، حملت بسبب ذلك أشكالاً من سوء الفهم أو عدم القدرة على التعاضد والتواصل الحيوي.
رجوعاً لمنطق السياسة الأول، الذي يحضر كأداة ضرورية حينما يحدث الاستعصاء، يصير السؤال السياسي الأكبر في العراق، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، بالذات على النخب السياسية، الموجودة في رأس هرم السلطة تحديداً: ألا يستوجب هذا القدر الجغرافي أن تكون التوجهات الاستراتيجية للبلاد قائمة على أكبر قدر من الحياد تجاه كل ما يحيط به من صراعات، وأوسع مروحة للتفاهم والتوافق في الداخل، وأن تكون تلك الثنائية جوهر الوطنية العراقية، وكل ما يتعارض معها مصدراً للانتهاك والخديعة؟